الشرف بين فخذي فتاة ونحن نفتخر بالآخرين ثم نسرق تذكرة الترامواي!

الشرف بين فخذي فتاة ونحن نفتخر بالآخرين ثم نسرق تذكرة الترامواي!

- ‎فيإستخدم عقلك, مجتمع وأخلاق
3949
التعليقات على الشرف بين فخذي فتاة ونحن نفتخر بالآخرين ثم نسرق تذكرة الترامواي! مغلقة
الشرف

تلعب ثقافة الآخر في تجسيد مفهوم الشرف دورا هاما ومحوريا في المجتمع العربي، فالآخر هو المصلح والآخر هو المفسد، الآخر هو العالم والآخر هو الجاهل، الآخر هو الملاك والآخر هو الشيطان، نحن مجتمع مكون من الآخرين، وجميعنا منفصلون عنهم!

إنعدام الشرف في تذكرة الترامواي!



ترامواي وهران

منذ مدة طويلة جدا وهذه الكلمات تطاردني كلعنة، ترفض أن إلا أن أصرخ بحروفها على أوراقي، وكم اشتد صريخها بعد أن تم إنشاء خط الترامواي في المدينة، فصرت أسمع الحوار ذاته أينما ذهبت حتى أقسمت أنه يستقصدني، في الجامعة، في الحديقة، في البيت، بين الأصدقاء وفي صالات الانتظار…، نفس الحوار بشخصيات مختلفة لا همّ لهم إلّا “كيف نتهرب من الدفع”، ولا أعرف كيف ربطت بين الأمرين، لكنني كلما سمعت الحوار تجرفني أفكاري إلى إحدى حلقات البرنامج الرمضاني “خواطر” تم التطرق فيها لموضوع الأمانة في الغرب، حيث عُرضت باصات وقطارات بلا مراقب كمثال، يدفع الناس فيها ما عليهم ثم يمضون بلا حسيب أو رقيب، أتذكر ردود الأفعال بعد الحلقة حين جلست أناقشها مع بعض الأصدقاء، البعض دعاها أخلاق الإسلام تجسدت في الغرب “الكافر”، والبعض اكتال اللعنات للوطن الذميم على افتقاره للأمانة، وآخر لم يفعل غير فغر فيه عجبا كما لو أن الأمانة صارت خرافة للسندباد رآها تتجسد أمام عينه، لكنهم على الأقل كانوا متفقين جميعهم على أمرين: كم يحزنهم ما آل إليه وضع الوطن حتى صارت الأمانة أمرا غريبا يعرض على شاشات التلفزيون، وكيف أن الأمر لن ينجح لو طبق لدينا بسبب عدم أمانة “الآخرين”. وبموجة من السخرية والألم، أرى ردود أفعال ذات المعلقين وقد وضعوا محل الاختبار، فما تردد الواحد منهم لحظة قبل ينهج نهج الآخرين ويبدأ بالتفنن في التهرب من الدفع، فهذا لا يشتري تذكرة أساسا وآخر لا يصادق عليها حتى رؤية المراقب أملا في استخدامها مجددا، أما أكثرهم إثارة للسخرية فهو من يشتري تذكرة ويصادق عليها ثم ما يلبث أن يعطيها لأول من يجده أمام الباب بعد النزول تحت شعار “فعل الخير”! إن فعلا كهذا -مهما تم عجنه وترقيعه وإطلاق المصطلحات عليه- لا أجد لوصفه غير مصطلح السرقة، حتى إذا واجهتهم بالأمر، أمطروك بوابل من الأعذار الواهية: “الجميع يفعل هذا، إذن أين المشكلة؟ المشكلة ليست فيَ بل في الآخرين” هذا ما ردّده أغلبهم، الكل لام الآخرين، تاركين علامة استفهام ضخمة في عقلي، على من يلقى اللوم فعلا هنا؟



المشكل أكبر بكثير من تذكرة ترامواي يساوي سعرها ثمن علبة عصير يأخذها الواحد منا معه على متنه، بل يتجاوزها إلى ثقافة الآخر التي زرعت فينا منذ وعينا على هذه الحياة، ورحلة بحث عن هذه الثقافة ستأخذنا بعيدا جدا إلى عمق الحضارة العربية بكل أبعادها، علنا نستطيع في نهاية الرحلة أن نجيب عن السؤال: من هم الآخرون؟

الشرف عند العرب والافتخار بالأنساب

يبدأ الأمر بزمن غابر بعيد جدا، زمن الشعراء والفرسان، حين كان اسمك لا يحمل أية أهمية بلا اسم أبيك بجواره، والذي لا قيمة له بدوره بدون اسم القبيلة، فمكانتك بين العرب تأتي بمكانة قبيلتك، ومكانتك فيها ما هي إلا انعكاس لمكانة أبيك التي أخذها من جدك والسلسلة تطول، لست أنكر أن الإسلام بعد ظهوره حاول بشكل أو بآخر القضاء على عادة التفاخر بالأنساب هذه، وكم كان ليسعدني أن أقوله أنه نجح، لكن الواقع يثبت غير ذلك، فلا أحد ينكر أن الاتكال على الآخر للافتخار ظل شائعا عند العرب كبزوغ الشمس كل صباح، فلم يجد زين العابدين نفسه بكل عظمته كرجل وشخص بغض النظر عن نسبه غير ذلك النسب للدفاع عن نفسه وهو على منبر يزيد حين قال له: “يا يزيد محمد هذا جدي أم جدك فإن زعمت أنه جدك فقد كذبت وإن قلت أنه جدي فلم قتلت عترته؟” (العِترة: النسل)، لست هنا كي أنتقد فعل زين العابدين فما هو إلا ابن بيئته، وما كان فعله إلا خطوة ذكية جدا، لم يجد يزيد بعدها ما يفعل، لكنني لم أجد مثالا أفضل لأعكس كم أن ثقافة النسب كانت تلعب دورا محوريا جدا عند العرب حتى بعد ظهور الإسلام، واستمر الأمر وكم اشتد بعد الانفتاح الذي عرفه العرب خصوصا في العصر العباسي، فصار هذا عربي وذاك فارسي وكلٌ يذكر فضل أجداده عله يضيف بذلك قيمة لنفسه، ولازال الأمر خالدا إلى يومنا الحاضر، فأنا عربي، وأنت أمازيغي وذاك كردي والآخر أزيدي والقائمة طويلة، وما صنع هذه الأنساب إلا الآخرون.

alkhawarizmi

ثم تأتي ثقافة فخر أخرى لا علاقة لها بالنسب، وهي الفخر بإنجازات الآخرين، بدأت بعد انهيار الحضارة العربية الإسلامية، وتوقف أمجاد هذه الأمة، فصرنا نفتخر بأمجاد الأولين بعد أن عجزنا عن صنع أمجادنا، ألم يصبح الواحد منا -أو أكثرنا على الأقل- إن رأى إنجازا لأحد العلماء تهافت للصراخ أن العرب هم من فعلوا كذا وكذا، وهنا يحضرني مقال قرأته عن نيوتن، وتم ذكر تأسيسه لعلم التفاضل والتكامل، ليصرخ أحد المعلقين بأن الخوارزمي هو مؤسس علم الجبر، وبالتالي فإنجازات نيوتن الرياضية لا معنى لها ليتبع ذلك بفخر طويل عن إنجازات العرب، ما أدهشني فعلا بغض النظر عن عدم وجود علاقة بين الأمرين ولا بين العلمين (علم الجبر وعلم التفاضل والتكامل)، وبغض النظر عن أن الجبر الموجود اليوم لو عرض على الخوارزمي ما عرفه، فأي فخر لصاحبنا بالأمر أيا كان، نحن لم نصنع أي من إنجازات علماء العرب والمسلمين، لم نؤسس علم الجبر ولا البصريات، لم نترجم كتب الإغريق ولا بنينا ساعة الفيل، فبماذا نفتخر؟ إن لم نجد سببا لنفتخر بنيوتن أو غاليلي أو سقراط، فما الذي يجعل الرازي وابن الهيثم والخوارزمي مختلفين؟ أليسوا آخرين كذلك؟

البحث عن الأمجاد في تاريخ الموتى!

الأمر يشمل كل المجالات الأخرى، وليست أغنية “بلد المليون والنصف مليون شهيد” التي نسمعها كل يوم بلا استثناء، لست أنكر شجاعة من استشهد أو أقلل من التضحية التي قدموها -بل أكن لكل واحد منهم احتراما لو قضيت مقالات في وصفه ما أوفيته حقه-، لكن هذه العبارة ليست إلا تذكارا بأن أربعين مليون حي! لم يجدوا غير أمواتهم لحفظ ماء الوجه، فأي فخر قد يكون لنا بذلك، لا نحن من استشهد ولا نحن عرفنا الحياة.
العربي بن مهيدي - الشرف

وقد يوافقني البعض في هذه النقطة ويعارضني آخرون، لكن المفهوم الإبراهيمي للأخلاق كان له دوره في ثقافة الآخر كذلك، ألسنا نعلم الطفل أن يلعن شيطانه كلما أخطأ، فصار القاتل يغسل يديه من دمائها ثم يضع جبهته على الأرض ليدعو على الشيطان ويلعنه على جريمته مقتنعا أن فعلته أقل شناعة، أن فعله الذي لا يمت للبشرية بصلة هو جزء من بشريته، فهو لم يخطئ، الشيطان فعل ذلك، جريمته كانت ضعفه البشري إذ استمع لوسوسته، ويكفي أن يحني ظهره فتسقط أوزاره كلها من عليه. وهنا صارت حتى جرائمنا تلقى على ضمير الآخر، لست أحاول التعدي على أي معتقد أيا كان، لكن لا يختلف اثنان على ضرورة غرس المفهوم الأخلاقي المستقل في الفرد، غرس فكرة الصواب والخطأ باسم الضمير البشري، لا باسم الآخر.

الشرف بين فخذي فتاة!

وكعادته، لا يسلم المجتمع وعاداته من اللوم، ليس بعد أن فصل الشرف عن الفرد وربطه بالآخر، ألم يقتنع أجدادنا منذ مدة طويلة جدا أن شرفهم سيكون أكثر أمنا بكثير خلف باب موصد فيما لو أنهم حملوه ضمن ذواتهم، وعليه تقرر تعليق ذلك الشرف بين فخذي فتاة، فالشخص مهما سرق وكذب وخان بل وحتى اغتصب لا يزال شريفا مادامت نساء أسرته بعيدات عن الجنس، لست هنا كي أناقش مفهوم الشرف العربي -فذلك موضوع يستحق مقالا مستقلا-، لكن لا سبيل لإنكار الوجه الواضح لثقافة الآخر هنا، ليس بعد أن تم انتزاع الشرف من الفرد وربطه بالآخرين.

الزواج

وفي الأخير، تأتي نظرية المؤامرة لتختم على كل ذلك، نحن شعب من ملائكة الله على الأرض لا نخطئ، وكل أخطائنا مؤامرة من الآخرين، فاليهود والمسيحيون والملحدون والبوذيون والهندوسيون بل وحتى إحدى قبائل عراة الصدر في إفريقيا يتآمرون علينا! لست أنكر أن التاريخ مليء بالمؤامرات والدسائس لمختلف الدول والشعوب من حين لآخر، هذا ما يعرف بالسياسة، لكن رؤية المؤامرات في كل شيء بدأ من نظرية علمية وصولا إلى قصص الأطفال المصورة هو أمر آخر تماما، ولست أعرف كيف وصلت بنا العجرفة أن نصدق أننا مركز الكون وأن العالم كله ألقى جميع اهتماماته وصار يسهر الليالي الطوال يفكر في كيفية تحطيمنا ومنعنا من التقدم، وهنا أتذكر عبارة قرأتها مرة “كي تجعل بيتك الأطول بين البيوت أمامك حلان، أضف الطوابق أو اهدم بيوت الآخرين”، ومع أن نظرية المؤامرة تقول أن الآخرين منشغلون بالهدم، فنظرة خاطفة إلى اليابان أو إلى أوروبا ستحدثنا عن أي المنهجين اختاروا، العالم ليس مشغولا بتأخيرنا، فنحن نبدع في ذلك بلا مساعدة! أيا كانت فكرتك حول الأمر، لكن لا يختلف اثنان أن نظرية المؤامرة هي تجسيد لثقافة الآخر بأبهى حللها.

مهما كان السبب وكيفما كان، فالآخر موجود في كل جزء من حياتنا اليومية، وهذا الأمر خلق رتقا في شخصية كل واحد منا. ربما كان من الممكن أن نتغاضى عن هذا الأمر لو لم يقم بالمساس بالجانب الأخلاقي للمجتمع، فعلقنا في فخ المعايير المزدوجة والإنسانية المشروطة، وإلا فكيف بغير هذا نفسر الأم التي تقشر لابنها برتقالة أمام باب المدرسة، ثم تلقي القشور على الأرض وتستقبله فاتحة ذراعيها لتسأله هل حفظ درس النظافة، ثم تأخذه إلى البيت وهي تلعن الشوارع المتسخة.

وهذا أليس شرفا؟

كيف نفسر الأب الذي يلعن أساتذة أبنائه وتدني المستوى التعليمي، ويدعو للأستاذ الذي أضاف لابنه الجامعي العلامات حتى انتقل للسنة القادمة متناسيا أن ابنه سيصبح نفس الأستاذ الذي يلعنه.
ماذا عن ذلك الطالب الذي يقضي الأيام أمام مكتب الأستاذ طمعا في “المساعدة”، ليكتب بعدها خطبة على الفاسبوك عن الغش في الجامعات.
وأي تفسير قد يكون لذلك المواطن الذي يقضي نصف يومه يلعن الفساد الإداري، ليقدم بعدها رشوة لأجل إصلاح الهاتف.
جميع الأمثلة السابقة مورست باسم ثقافة الآخر وتحت مباركتها، فلو سألت أيا منهم عما يقوم به لما اعتبر نفسه جزءا من المشكلة بل ضحية لها وهي المصيبة!




هذا الصراع الواضح بين الفرد وذاته وضع الأخلاق في عالم آخر منفصل عنه فصار يربطها بكل شيء آخر. ربطها بالقانون فصارت ثوبا يخلعه بعيدا عن عيونه -ولنا في قصة الترامواي ومراقبه خير مثال هنا-، ربطها بالاقتصاد فحرم منها الفقير وترفع عنها الغني، أفليس الفقير إن حدثته عن رفصه شراء تذكرة حدثك عن راتبه، وعن أن البعض يسرق الملايير وأنت لا تلتفت إلا إليه (إن لم يكن لديك ثمن تذكرة ترامواي فبحق الجحيم استخدم الحافلة!)، أما عن الغني فحدث ولا حرج، يكفيك أن ترى كيف يعامل البعض العاملين لديهم.

ونجده ربطها بالدين، فتحولت من أخلاق إلا تعليمات يتفنن في الهروب منها، صار شرف المرأة يقاس بمتر قماش يغطي شعرها،
و الشرف عند الرجل بطول لحيته، وصار يكفي السارق الاعتكاف في المسجد ليمحو جريمته! وأخيرا ربطها بالمجتمع، فصارت محكومة بما يفعله بها الآخرون، وما أكثر من نراهم قمة الأخلاق في المجتمعات الغربية، حتى إذا عاد الواحد منهم إلى بلده انقلب كائنا آخر بأرذل ما صنعت البشرية من صفات بحكم عدم تخلق مجتمعه، وما المجتمع إلا أفراد من أمثاله. الأخلاق لا ترتبط بأحد فما هي إلا الانسان، وما الإنسان إلا أخلاقه، فلا تربط أخلاقك بالآخر، لأنك بهذا لا تمتلكها!

في الأخير، لأجيب عن سؤالك -أو بالأحرى سؤالي- من هم الآخرون؟ فيؤسفني القول انطلاقا مما سبق أن لا وجود لهم، ربما من الجميل خلق أشخاص نلقي جميع ويلات المجتمع عليهم، لكن ما هو جميل نادرا ما يكون حقيقيا، فالآخرون ما هم إلا أنا وأنت، ولن يتغيروا أبدا ما لم نتغير.

والآن وقد بلغت النهاية، تخونني الكمات فأنا عاجزة عن إيجاد خير من قول محمود درويش لأختم به:

سنصير شعبا إن أردنا حين نعلم أننا لسنا ملائكة وأن الشر ليس من اختصاص الآخرين”.

مغالطات منطقية: 24 مغالطة لا ترتكبها في النقاش

تعليقات الفايسبوك