موجات الجاذبية: فريق ليغو يؤكد عبقرية اينشتاين ويغير علم الفيزياء

موجات الجاذبية: فريق ليغو يؤكد عبقرية اينشتاين ويغير علم الفيزياء

- ‎فيعلوم
3354
1

هز فريق ليغو (LIGO) يوم 11 فيفري سنة 2016 الأوساط العلمية جميعها عندما أعلن تمكنه أخيرا من رصد موجات الجاذبية gravitational waves بعد قرن من تنبؤ نسبية أينشتاين بها، مما أهل الفريق للمنافسة بقوة على جائزة نوبل للفيزياء لسنة 2016، وكان فوزه شبه أكيد بالنسبة للعديدين، ولا أخفي عليكم حقيقة أن هذا المقال كتب بناء على مشاركتي الشخصية لذات الانطباع، وكنت أخطط لنشره بمناسبة فوز الفريق، لأصدم كغيري بقرار اللجنة في النهاية، لست أقلل بأي شكل من أحقيت الفريق الفائز بما ناله فهم أيضا قدموا إنجازا عظيما للعلم، أنا فقط -كغيري- نلت تذكيرا بسيطا أن جوائز نوبل ترفض الخضوع للتوقعات العادية.




فماهي موجات الجاذبية؟ كيف تم رصدها؟ وما الذي يجعلها اكتشافا عظيما جدا لدرجة أن يتوقع الجميع فوزها بنوبل للفيزياء 2016؟

في هذا المقال سنحاول الإجابة باقتضاب على هذه الأسئلة.
إضافة: لم يتحصّل فريق ليغو على نوبل في 2016 لكنّه تحصّل عليها في العام الموالي 2017.

ما هي موجات الجاذبية

في الخامس والعشرين من نوفمبر لسنة 1915، نشر ألبرت أينشتاين ورقة بحثية مغيرا بها نظرتنا للكون إلى الأبد، حيث حاول أن يعمم كلا من نسبيته الخاصة مع قانون الجذب العام لنيوتن للخروج بنظرية عامة مشتركة للجاذبية، وهكذا ولدت النسبية العامة، محطمة تنبؤات الفيزياء الكلاسيكية.

قبل ذلك اليوم، كانت الجاذبية -كما تعلمنا جميعا في الثانوية- تعتبر قوة ناتجة عن المادة نفسها، يعبر عنها بقانون الجذب العام لنيوتن (ثابت الجذب العام في جداء الكتلتين على مربع البعد بينهما)، لكن النسبية العامة تقدم فكرة مختلفة تماما، إذ تعتبر الجاذبية موجات تنقل الطاقة عبر الزمكان، وتكون نتيجة تسبب جسم ذو كتلة بانحناء الزمكان من حوله، إذ تنبعث صادرة من الجسم إلى الخارج.

لفهم هذه النظرة، أريدك أن تتصور معي غطاء على فراش لين، خذ كرات ضخمة وألقها عليه، أتوقع أن الغطاء سيتشوه شكله، وتحدث فيه تموجات، خذ الآن كرات صغيرة وضعها بجوار الأخرى، ستلاحظ بلا شك أن تلك الكرات ستتأثر بالتشوهات الموجودة على الفراش، هذا هو مفهوم الجاذبية في النسبية العامة باختصار نوعا ما، الكون هو الفراش، كل جسم ذو كتلة يتسبب بانحناء وتشوه الزمكان من حوله، لتتأثر بهذا التشوه الأجسام الأخرى المجاورة (تماما كما تأثرت الكرات الصغيرة بفعل الكبيرة)، وتتميز موجات الجاذبية عن الموجات الأخرى كالضوء والصوت بأنها تنتشر وتتمدد من دون عوائق تماما في الكون بغض النظر عما يعترض طريقها لكنها تصغر بالتدريج لتصل الأرض صغيرة جدا، لذلك منذ وضعت هذه النظرية قبل مئة عام حاول العلماء إثباتها والبرهنة على صحتها لكنهم لم يعثروا إلا على أدلة غير مباشرة لوجودها، إلى أن جاء مرصد ليغو ليكون سباقا في رصدها.

حسنا قد يبدو لك الأمر معقدا نوعا ما رغم بساطته، لذلك أقترح عليك مشاهدة هذا الفيديو المترجم، ستتضح الصورة بلا شك:

لكن كيف تم رصد موجات الجاذبية

موجات الجاذبية دقيقة جدا، أصغر بألف مرة من نواة ذرة، لذلك لكم أن تتصوروا الصعوبة الفائقة في رصدها، مما لا يجعل فشل التجارب الأولى مفاجئا، إذ يحاول المرصد منذ إنشائه سنة 1992 رصد هذه الموجات لكنه لم ينجح إلى في شهر فبراير الماضي، المرصد عبارة عن مجسين منفصلين بينهما مسافة ثلاثة آلاف كيلومتر يعملان بالليزر، أحدهما في ولاية لويزيانا والآخر في ولاية واشنطن، يحتوي كل منهما نفقا بطول أربعة كيلومترات بأخذ الشكل L  للدراسة، تمكن الفريق عن طريق إطلاق ليزر حساس جدا بين المجسين من رصد اهتزازات غاية في الدقة ناتجة عن مرور موجات جاذبية كان المتسبب فيها تصادم ثقبين أسودين يفوق حجم الواحد منهما حجم الشمس بثلاثين مرة، ويبعدان عنا مسافة 1.3 مليار سنة ضوئية، أدى اصطدامهما إلى انبعاث طاقة جاذبية تعادل 3 أضعاف كتلة الشمس!

الثقوب السوداء : موجات الجاذبية

إن رصدا كهذا يدفعنا إلى طرح تساؤل ملح يدعو إلى التعجب، كيف تمكن أينشتاين قبل مئة سنة من توقع وجود موجات الجاذبية بدون أي وسيلة لرصدها، فقط معادلات رياضية وتفكير مطول لسنين في الأمر، وإذا بالرجل يستنتج وجود أمر استغرقنا مئة سنة بعدها كي نلتقطه فعلا! هذا يعطي عبقرية أينشتاين بعدا آخر تماما ولا يملك الواحد منا إلى أن يطأطئ رأسه احتراما للرجل!!

موجات الجاذبية: ما الذي يجعل هذا الاكتشاف مهما

موجات الجاذبية الناتجة عن الحوادث العادية كدوران الأرض حول الشمس ضعيفة جدا لدرجة استحالة رصدها، لكن الحوادث الكونية الضخمة تصدر موجات عالية بما يكفي كي نتمكن من التقاطها، هذا يعني أنها يمكن أن توفر لنا فهما أفضل لحوادث الكون الأكثر غموضا وتطرفا كنشأة الثقوب السوداء مهولة الكتلة، والنجوم النترونية والمستعرات العظيمة، أما الأهم -وهو ما يسيل لعاب علماء الكونيات جميعهم- فإنها ستجعلنا أكثر فهما للانفجار العظيم.

إن لحظة بداية الكون، أنشأت موجات جاذبية ضخمة يمكن التقاطها اليوم بأجهزة الرصد فائقة الحساسية، ويمكنها بذلك اطلاعنا على العديد من أسرار تلك اللحظة وكشف النقاب عن عدة ألغاز يقايض أغلب العلماء أعمارهم في سبيل سبر أغوارها.



رصد هذه الموجات هو أقرب ما يكون إلى الاستماع إلى الكون يروي قصته، وقد عبر عن هذا البروفيسور “دافيد رايتز”، المدير التنفيذي لمشروع LIGO تماما حين قال للصحفيين في واشنطن عقب الكشف عن الموضوع “لقد تمكنا من اكتشاف موجات الجاذبية، وهذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها الكون إلينا من خلال هذه الموجات، فقد كنا حتى هذه اللحظة لا نسمع أية أصوات من الكون”.

فماذا عساي أقول أكثر كي أعبر عن أهمية اكتشاف كهذا!

ماذا بعد؟

لقد أثبتت النسبية رسميا، فهل يستقيل علماء الفيزياء النظرية ليذهبوا في عطلة إلى الشاطئ، هل بقي لهم شيء لإثباته بعد غير الرصد والاستنتاج؟

بالتأكيد نعم، الصراع الحقيقي بدأ الآن، معروف أن النسبية في تناحر دائم مع ميكانيكا الكم، ولا يمكن للنظريتين أن تبقيا معا، إذ تتحدث النسبية عن الجاذية والكون ككل، في حين تتحدث ميكانيكا الكم عن الجزيئات والقوى الثلاث الأخرى المتبقية في الكون (النووية القوية، النوية الضعيفة، الكهرومغناطيسية)، ومن غير المعقول وصف كون واحد بنظريتين مختلفتين! لذلك هو حلم أينشتاين والفيزياء الحديثة كلها أن توفق بينهما في نظرية جاذبية كمية، الأمر الآن هو أن موجات الجاذبية الناتجة عن الانفجار العظيم وأحداث لاحقة في عمر الكون الرضيع، تعود إلى زمن كان الكون صغيرا فيه بما يكفي لتصفه النظريتان معا، وقت كانت فيه النظريتان متوافقتين، لذلك فاكتشاف كهذا من شأنه أن يخلق الثورة المنتظرة في عالم الفيزياء ليقربنا خطوة إلى الأمام نحو تلك النظرية العظيمة التي طالما أحب هوكينج أن يسميها في كتبه: “نظرية كل شيء“.

موجات الجاذبية: مصادر

Relativity: The Special and the General Theory by Albert Einstein

ligo: Gravitational Waves

تعليقات الفايسبوك

‎تعليق واحد

  1. ‎تنبيهات ‫:‬ المخترع بلال: الطريق كان مفروشا بالمسؤولين! | إختر معاركك بعناية

‎التليقات مغلقة‫.‬