الربيع العربي: الحل الإقتصادي البديل | تجربة البيرو لمحو الارهاب

الربيع العربي: الحل الإقتصادي البديل | تجربة البيرو لمحو الارهاب

- ‎فيفكر وحضارة
1704
التعليقات على الربيع العربي: الحل الإقتصادي البديل | تجربة البيرو لمحو الارهاب مغلقة
الربيع العربي - هيرناندو دي سوتوالربيع العربي - هيرناندو دي سوتو

مع اندلاع الربيع العربي إندلع معه تضارب في التفسيرات لماهيته من طرف مختلف المذاهب الفكرية، وفي خضم هذا السّجال الفكري إتضح للجميع ما كان ينادي به خبير التنمية الإقتصادية “هيرناندو دي سوتو” قبل أكثر من عقدين من الزمن من اندلاع الربيع العربي في حد ذاته.  فقد حذر دي سوتو من الوضع الذي تعيشه البلدان النامية، وجادل بتشابه وضعها مع الواقع المرير الذي عاشته أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية أثناء الحقبة الماركانتيلية، بالإضافة إلى تحذيره من نشوء ثورات مماثلة وقودها أولئك المستبعدين قسرا بفعل القوانين غير الملائمة، والتي يضعها أصحاب المصالح في شكل قواعد للعبة تخدم مصالحهم، الأمر الذي حدث فعلا مع العالم العربي!

معهد الحرية والديمقراطية بالإضافة إلى المؤسسات الدولية الداعمة له، قاموا بتوفير الكثير من الأدلة التي جمعوها من مختلف البدان النامية حول عرقلة القوانين غير الملائمة لعجلة التنمية الإقتصادية، وذلك عبر عرقلة المتعاملين من الإستفادة من حقوق الملكية، الأمر الذي يحول دون تمكنهم من تحقيق تراكم رأس المال. وبالتالي، الوقوع في شباك الفقر والإحباط، مما يجعل منهم بنزينا سريع الإشتعال ينتظر شرارة بسيطة، وهذا ما شهدته تونس عندما أقدم البوعزيزي على حرق نفسه، لتقوم على إثر ذلك ثورة تعدت أطرافها حدود الدولة التونسية. خلال ستين يوما فقط من حادثة بوعزيزي، أقدم 63 شخصا على حرق أنفسهم أيضا في تونس، الجزائر، المغرب، اليمن، السعودية ومصر، مما أدى إلى خروج الملايين للشوارع، مما انجر عنه إسقاط أربعة أنظمة والتسبب  في حالة الإضطراب التي تشهدها دول الشرق الأوسط حاليا.

لبناء رؤية أوضح حول مستقبل الدول العربية في ظل هذه التحولات الإستراتيجية، وجب علينا دراسة مسببات نشوء هذه التحولات بالإضافة الى دراسة آليات نموها. بحكم الخبرة الشخصية للخبير دي سوتو، يؤكد أن قادة الإرهابيين يختلفون كثيرا عن مجنَّديهم، فالقادة المتطرفون يتميزون بشكل عام بطابع الإجرام حيث يقتلون الناس بدم بارد ويخططون لجرائمهم على نحو تكتيكي لخدمة طموحهم الذي لا يتزحزح بالاستيلاء على الحكم، في حين المتعاطفون معهم والمجنَّدون المحتملون للقتال معهم معظمهم على العكس من ذلك، فهم يفضلون أن يعملوا ضمن بيئة إقتصادية قانونية ليوفروا حياة أفضل لأنفسهم ولأسرهم. وبما أن الدول النامية لم تهتم بتوفير البيئة التنظيمية المناسبة لاحتوائهم، فإنها أصبحت تعاني من وجود تنظيمات إرهابية تحتضن هؤلاء بعد شعورهم بالإحباط وفقدانهم لأمل التعامل في ظل البيئة الرسمية.

الربيع العربي

تعيش اليوم كل من سوريا وليبيا ما كانت تعيشه الجزائر أثناء العشرية السوداء، أين تتشابه الأوضاع كثيرا، وقد نجحت الجزائر في السيطرة على الوضع عبر مجموعة من الآليات من بينها قوانين فعالة لأولئك المجندين في صفوف التنظيمات تسمح لهم بممارسة حقوقهم في المواطنة في الإطار الرسمي (قانون الرحمة، قانون المصالحة الوطنية.. الخ)، إلا أنّ هذه القوانين لم تقضي على البيروقراطية الثقيلة التي تشكل عبئا على المتعاملين وأصحاب المشاريع الريادية، والتي تقتل روح المبادرة فيهم أيضا، بالأحرى، لم تخفف الجزائر من هذا العبء بشكل يسمح بتجنب نشوء ربيع عربي آخر في الجزائر مستقبلا. إن المتعاملين يعانون كثيرا من كثافة التنظيمات في الجزائر، هذه الكثافة التي جعلت الجزائر تقبع في مراتب متأخرة في سلم سهولة ممارسة الأعمال، أين تحتل المرتبة 168 من أصل 189 دولة! كما تتسبب هذه الكثافة في التنظيمات من حرمان الكثير من فرصة ممارسة أعمالهم في جو يساعد على تطوير وتوسيع دوائرهم، الأمر الذي يسبب  في توجههم صوب السمة غير المنظمة التي تنجر عنها عدة آثار سلبية. وفي نهاية المطاف يؤدي هذا إلى سواد الإحباط في مختلف الأطراف، فلا موارد مالية ضريبية تتيح للدولة القيام بواجبها، ولا مشاريع المتعاملين تتطور وتنمو بسبب ضيق دائرة أعمالهم، وهو ما يتسبب في كوارث لا يحمد عقباها.

للخروج بأقل الأضرار وبناء مستقبل مشرق للأمة العربية التي تعاني من ويلات الارهاب، وجب الاستفادة من تجربة دولة البيرو التي قادها معهد الحرية والديمقراطية بقيادة دي سوتو، ففي المدة (1980-1993) أحرزت البيرو الإنتصار الوحيد الذي لم تحققه أي دولة ضد الحركات الإرهابية منذ سقوط الشيوعية دون تدخل القوات الأجنبية أو الحصول على دعم مالي أجنبي كبير لقواتها المسلحة، في الوقت الذي كانت فيه منظمة “الدرب الساطع” تسيطر على 60 بالمئة من الدولة وتجهز نفسها للسيطرة على كامل البلاد في غضون عامين.

إزاء هذا الوضع، دولة البيرو وعلاوة عن العمل العسكري ضد الإرهاب قامت بمنح المستثمرين الرياديين والمزارعين من السكان الأصليين حق التحكم في ممتلكاتهم، ووفرت لهم إطارا قانونيا يُمكنهم من الاستفادة منه في إدارة الإستثمارات والتعاقد والاقتراض، مما أدى إلى تحقيق قفزة غير مسبوقة في المستوى المعيشي. وساهمت هذه الإجراءات في القضاء على تنظيم “الدرب الساطع” الإرهابي وهذا بشهادة زعيم التنظيم “أبيمايل غوسمان” في حد ذاته، أين كتب حينها في وثيقة نشرها الحزب الشيوعي البيروفي “لقد تمت إزاحتنا بسبب خطة صممها وطبقها دي سوتو والإمبريالية الأمريكية”.

دي سوتو مع حل أزمة الربيع العربي

خلال العقدين التاليين، ساعدت هذه الاجراءات التي اتخذتها دولة البيرو في نمو إجمالي الناتج الوطني الفردي بسرعة بلغت ضعفي السرعة الوسطية لنمو نظرائه في أمريكا اللاتينية، ونمو الطبقة الوسطى بسرعة بلغت أربعة أضعاف السرعة الوسطية لنظيراتها في القارة. ومن هذا المنطلق حمل دي سوتو رفقة معهد الحرية والديموقراطية على عاتقه إيصال هذه الرسالة إلى جميع أرجاء العالم بما فيها الوطن العربي. وقد دعى دي سوتو لنهج مخالف لهزيمة الجماعات المتطرفة، وذلك من خلال وضع أجندة حازمة لتقوية الناس إقتصاديا تحرم القادة المتطرفين من تجنيد الإرهابيين في المقام الأول، بتعبير آخر، إن الأمل الإقتصادي هو الطريق الوحيد للإنتصار في معركة اجتذاب الحواضن الاجتماعية التي يتغذى الإرهاب عليها. وهو ما يجب علينا الاستفادة منه في عالمنا العربي وذلك عبر إقامة منظومة قانونية في خدمة مصلحة المواطنين وليس ضدها.

إنني أجدني معجب كثيرا بهذا الرجل الذي ساهم في إنقاذ حياة الملايين، بل إنقاذ بلد بأسره ومن ثم الامتداد إلى حمل رسالة عالمية ما جعله يدخل التاريخ من بابه الواسع. إن ما ورد أعلاه ما هو إلا جانب من الإسهامات الكثيرة للخبير التنموي “دي سوتو”، وهو ما جعلني أقف احتراما له ومتعجبا في نفس الوقت إلى مدى التأثير الذي يمكن لرجل اقتصادي أن يصله

شاركونا على التعليقات آراءكم حول الربيع العربي – دون تطرف أو عصبية –

إقرأ أيضا: تسعة أعشار الرزق في التجارة

تعليقات الفايسبوك