الكون: ماذا قبله؟ – تحليل علمي فلسفي

الكون: ماذا قبله؟ – تحليل علمي فلسفي

- ‎فيعلوم
1726
5
الكون

لأصدقكم القول، ترددت كثيرا قبل كتابة هذا المقال لموضوعه الشائك فإن تحدثنا عن نشأة الكون ووصلنا نقطة الصفر، تلك النقطة التي كانت بداية كل البدايات نجد أنفسنا غصنا في النظريات المعقدة والفرضيات العجيبة، إن معارفنا عن بداية الكون تبلغ دقة واحد على 10 أس 42 جزء من الثانية وهو إنجاز عظيم فعلا، لكن أشك أن هنالك بشريا على الأرض يستطيع أن يدّعي أنه واثق تماما بما حدث قبلها.

مع ذلك فنحن اليوم لسنا هنا كي نناقش نشأة الكون، بل كي نطرح تساؤلا أظنه يخطر ببال أي شخص، نحن نرى العلماء دائما يناقشون تلك اللحظة، يأتون بالفرضيات ويسعون لإثباتها -فإن فعلوا صارت الفرضية نظرية- لكن لماذا لا نجد أية نظرية أو نقاش في موضوع ما قبل الكون، هل غاب هذا السؤال عن أذهانهم أم أنهم لم يجدوه من الأهمية كي يدرجوه، أم أن هنالك أسباب أخرى تماما، مهما كان نحن هنا الآن لنطرح ذلك السؤال، ماذا قبل الكون؟

إن محاولة الإجابة عن هذا السؤال هي كمحاولتك الإجابة لو سألتك ما شعورك لو لم يلتق والداك! السؤال في حد ذاته يناقض المنطق وقولك لن أحس بشيء أو لن أعرف بالأمر لأنني لن أكون موجودا يحمل تناقضا كذلك فكي لا تعرف بشي أو لا تشعر بشيء فهذا يفترض وجودك أولا في الحقيقة أي عبارة تنفي وجودك بضمير المتكلم هي غير مقبولة منطقيا وأي عبارة تعبر عن خواصك البشرية كالمعرفة والإدراك والشعور حتى ولو نفيا هي مرفوضة كذلك.




الكون والزمن

نفس الأمر ينطبق على الكون والزمن، تذكرت عبارة قرأتها في أحد كتب الفيزياء وأنا في الثانوية: “مع نيوتن كان يعتقد أنه لو اختفى كل ما في الكون فإن كل ما سوف يبقى هو الزمان والمكان لكن مع أينشتاين لو اختفى كل ما في الكون فإن المكان والزمان سيختفيان كذلك” فالزمان والمكان ليسا شيئين مستقلين عن الكون نفسه، الزمن ليس إلا أحد أبعاد الكون (البعد الرابع) لا يعقل وجود زمن دون الكون، فالحقيقة حتى الإجابة بأن لا وجود للزمن قبل الكون خاطئة (تذكر مثال الشخص ووالديه) فقبل هي عبارة خاصة بالزمن ولا يمكن استخدمها لنفي وجوده وفي قولك لا وجود للزمن قبل الكون فمجرد استخدامك لكلمة قبل أنت تفرض بذلك وجود الزمن لكن مع ذلك أنت تنفي وجوده في الكلمة التالية وهذا تناقض منطقي صريح لذلك فمجرد الحديث عما قبل الكون فاسد منطقيا تماما كسؤالك عن شعورك إن لم يلتقي والدك أو أن أطلب منك أن تدلني على الطريق إلى طرف الأرض (والأرض كروية لا أطراف لها)، لكن ما هذا؟ كيف يمكن أن يغيب الزمن؟

أتفهم مدى صعوبة تصور الأمر فنحن كائنات تعيش في عالم من أربعة أبعاد ولا يمكننا فجأة حذف ذلك والطلب من أدمغتنا تقبل الأمر فجأة.

 لكي أقرب الصورة أريدك أن تتصوّر أنك تزور شخصا ما لتجد عنده خزانة جميلة، تسأله عن ثمنها ومن أين اشتراها ثم تسأله عمّا كان عرضها قبل أن يبدأ النجار بصنعها!  السؤال كما ترى لا منطقية له فكيف يوجد العرض وهو أحد أبعاد الخزانة والخزانة لم تصنع بعد، الأمر ليس مختلفا كثيرا بالنسبة للزمن وإن كان في حالة الخزانة لا زلنا نستطيع الحديث عما قبلها.

إن كانت عقولكم لم تتقبل الأمر بعد فمرة أخرى لست ألومكم وجدت أيضا بعض الصعوبة في تقبله إلى أن قرأت كتابا رائعا جدا يسمى تاريخ مختصر للزمن a brief history of time   لصاحبه ستيفن هوكنج (أعشق هذا الكتاب حتى الثمالة) والذي دلني هو الآخر إلى كتاب جميل أيضا للفيلسوف إيمانويل كانط تحت عنوان نقد العقل الخالص Critique of Pure Reason  والذي وجدت فيه فكرة منطقية إلى حد كبير انتقد كانط في مرحلة معينة الفكرتين السائدتين والمتضاربتين في عصره بين أن الكون أزلي وأنه نشأ في نقطة معينة، يقول كانط لو أن الكون أزلي (لا بداية ولا نهاية له) فإن أي فعل نقوم به -أي فعل في الكون- مسبوق بما لانهاية من الزمن وهذا غير منطقي فكيف لما لانهاية التي لا تنتهي أن تسبق شيء ما، ألا يجعل هذا الما لانهاية منتهية وهو تناقض، لكنه قدّم ذات الحجة لمن يقولون أن بداية الكون في نقطة معينة، فالمالانهاية ستبق بهذا نشأة الكون، ويعيد ذات الحجة السابقة بتغيير بسيط هو جعل الفعل نشأة الكون نفسه ولكم أن تتصوروا حجم المعضلة التي طرحها في عصر كان الزمن يعتبر فيه مطلقا مستقلا بذاته.

إن هذا الطرح يجعل فكرة غياب الزمن أكثر قابلية للتصديق، بل إنّها وكما يبدو الأكثر منطقية، نفس الأمر ينطبق على المكان كذلك، لذلك عند الحديث عن الدقائق الأولى من عمر الكون، عن التوسع ونشأة الأجرام السماوية لا يجوز بأي شكل من الأشكال أن نتخيل كرة في مكان خال ومظلم تتوسع لتشغل الحيز حولها، فتماما كحال الزمن، المكان جزء من الكون، ولا وجود له خارج حدوده، أي أن الحيز هو جزء من تلك الكرة نفسها، الأمر يصعب كي لا أقول يستحيل تصوره فكما سبق وقلت فنحن كائنات تعيش في عالم من أربعة أبعاد، ولا تستطيع إلا تجريد ذات العالم، فتماما كما أننا نجد من الصعوبة بما فيه تخيل البعد الحادي عشر، نجد كذلك صعوبة في تخيل غياب الأبعاد التي نعيش فيها.

إن الحديث عن البداية فتن الشعوب والحضارات منذ فجر البشرية وعرف عدة فرضيات ميتافيزيقية وفلسفية وعلمية والأسئلة عنها لم تنتهي يوما، لكن أظن أن لجيلنا أن يفخر بعد أن تمكنا من اختزال كل تلك الأسئلة التي لم تصمت يوما في سؤالين فقط، فللأسباب السابق ذكرها لا يجوز لنا أن نسأل أين ومتى وحتى ماذا (وقد يكون لنا في هذا مقال) لكن يحق لنا طرح السؤالين: كيف ولماذا، سؤالان لا تزال الفيزياء الحديثة تعمل بلا هوادة للإجابة عنهما لتتركنا بعزاء أنه ربما -ليس اليوم أو غدا أو حتى في حياتنا على الأغلب- لكن يوما ما قد نستطيع أن نتحدث عن البداية بذات الثقة التي نتحدث بها اليوم عن ظاهرة الخسوف.

أعلم أن هذا المقال كان أقرب للفلسفة منه للعلم لكن هذا ما يحدث عندما تناقش موضوعا كهذا، لا تنسوا مشاركتنا آراءكم وأفكاركم حول هذا الكون الفسيح لإثراء المقال في التعليقات.

تعليقات الفايسبوك

5 Comments

  1. Avatar

    Very nice article. I liked the way you used simple words and description to discuss such a complicated topic. Looking forward reading more of your ideas … 🙂

    1. كوثر مولي

      شكرا مريم
      أسعدني أنك أحببت المقال وأسعدني أكثر تطلعك لأفكاري القادمة ^_ ^

  2. Avatar

    حنان منزل غرابة

    write more about it please
    let me see your ideas

    1. Avatar

      لست بكاتب حتى ااتتيك بالجديد ولكني ضيعت خمس دقائق في قراءة موضوعك وفي الاخير لم استفد من اي شيء ولهذا رجاءا ااتونا بمواضيع تفيد الفرد والمجتمع وبالمناسبة عنوان الموضوع شيق ولكن المحتوى لا شيء (فارغ).

  3. ‎تنبيهات ‫:‬ موجات الجاذبية: فريق ليغو يؤكد عبقرية اينشتاين ويغير علم الفيزياء

‎التليقات مغلقة‫.‬