ما الذي جعل فقدان ستيفن هوكينغ خسارة كبيرة للبشرية؟

ما الذي جعل فقدان ستيفن هوكينغ خسارة كبيرة للبشرية؟

- ‎فيعلوم
961
التعليقات على ما الذي جعل فقدان ستيفن هوكينغ خسارة كبيرة للبشرية؟ مغلقة

اليوم.. فقد العالم أحد ألمع نجومه على الاطلاق، ستيفن هوكينج، أحد أبرز علماء الفيزياء النظرية في التاريخ، والمؤلف الذي ألهمت أعماله الملايين، توفي اليوم (14 مارس 2018) عن عمر يناهز الــ76 مخلّفا مسيرة حافلة من العطاء.



بداية مرض ستيفن هوكينغ

تم تشخيص هوكينج سنة 1963 وهو في الحادية والعشرين بمرض التصلّب الجانبي الضموري، المعروف اختصارا بمرض “لو غرين”، مرض مميت في غضون بضعة سنوات عادة، أخبره الأطباء أن أمامه أقل من سنتين للعيش، لكن مرضه كان من النوع الذي يتقدم ببطء، الأمر الذي سمح له بالعيش لأكثر من نصف قرن، وهنا يقول هوكينج عن نفسه:

لقد كنت محظوظا لأن حالتي تزيد سوءا ببطء بعكس ما هو شائع، وهذا أمر يعني أن على المرء ألا يفقد الأمل.

الأمل في المستقبل

ولأن من يعيشون تحت ظلال الموت هم الأكثر قربا من الحياة، حاول هوكينج تقديم كل ما لديه فيما تبقى له من وقت

مع أن غيمة ضبابية كانت تحوم حول مستقبلي، وجدت لمفاجأتي أنني أستمتع بالحياة أكثر، وتقدمت في أعمالي.

يقول هوكينج عن سنوات تشخيصه الأولى مضيفا

هدفي بسيط، فهم كامل للكون، لما هو بالشكل الذي هو عليه، ولما وجد من أساسه.

بدأ باستخدام العكازات سنة 1960، لكنه قاتل طويلا كي لا يجلس على الكرسي المتحرك، وحين أقعده المرض أخيرا، أصبح معروفا بانطلاقاته المجنونة بكرسيه في شوارع كامبريج، ودهسه المتعمد للطلاب والمرور بأصابع أرجلهم في حفلات الجامعة، لطالما عرف هوكينج بحسه الغريب قليلا للدعابة..




أعمال ستيفن هوكينغ

أول أعماله الضخمة ظهرت سنة 1970، حين قام إلى جانب زميله روجر بنروز، بتطبيق رياضيات الثقوب السوداء على الكون مثبتين بذلك وجود نقطة بداية (singularity) -منطقة انحناء لا متناهي- تقع في الماضي البعيد للكون، النقطة التي انطلق منها الانفجار العظيم.

يقول بنروز عن عمله مع هوكينج

أعتقد أنه لم يبق له الكثير ليعيشه، وفعلا أراد تحقيق كل ما باستطاعته مادام الوقت متوافرا أمامه.

سنة 1974، وانطلاقا من فيزياء الكم، أعلن هوكينج أن الثقوب السوداء ليست سوداء تماما، وأنها تصدر حرارة، وستنتهي بالاختفاء من الوجود في النهاية، بالنسبة للثقوب السوداء العادية تكون العملية بطيئة جدا، لكن الثقوب الضخمة ستحرر الطاقة بمعدل هائل جدا لتنفجر في النهاية بقوة ملايين القنابل الهدروجينية.

اقتراحه هذا فجّر أحد أكبر الجدالات في عالم الكوزمولوجيا على الاطلاق، حسب هوكينج، إن كانت الثقوب السوداء ستختفي، فإن كل المعلومات التي سقطت فيها طوال تاريخها ستفقد للأبد، الأمر الذي يتنافى مع مبادئ ميكانيكا الكم مما جعلا العديد من الفيزيائيين يعارضونه. إنتهى هوكينج بتقديم التفسير الأكثر شيوعا اليوم والأقل إثارة للجدل في النهاية، المعلومات لا تختفي لكن يتم تخزينها في أفق الحدث داخل الثقب الأسود، ثم تتم إعادة تشفيرها وإطلاقها مع الاشعاعات.

إكتشافه العظيم هذا أدى لانتخابه كعضو داخل الجمعية الملكية للعلوم في سن الـ32 فقط، خمس سنوات بعدها منح منصب أستاذ لوكاسي للرياضيات في جامعة كامبرج، أعظم منصب علمي في بريطانيا وأحد أعظم المناصب في العالم، جدير بالذكر أن عظماء كنيوتن وديراك شغلوا نفس المنصب.

تواصلت إنجازاته سنة ال1980، عمل على نظرية التضخم الكوني التي تؤكد أن الكون الوليد مر بفترة توسع سريع وكبير جدا في بداياته، سنة 1982 هوكينج كان أحد أوائل من أظهروا كيف أن التقلبات الكمومية -تغيرات صغيرة جدا في توزع المادة- ستؤثر عن طريق التضخم لانتشار المجرات في الكون، في تلك التموجات الصغيرة تكمن بذور النجوم والكواكب والحياة كما نعرفها ككل، أي تغير صغير جدا كان ليقود لكون مختلف تماما.

لكن هوكينج اكتسب شهرته منقطعة النظير سنة 1988، بعد نشر كتابه “تاريخ مختصر للزمن” أحد أفضل الكتب التي بسطت أعقد المفاهيم العلمية للعوام، الكتاب عظيم بحق ويأخذك في رحلة حول الكون كله بأعقد مفاهيمه وبالكاد تحتاج أكثر من رياضيات الثانوية لفهمه، مما جعله يتربع على رأس قائمة التايمز للكتب الأفضل مبيعا ل237 أسبوعا، بيعت منه أكثر من عشرة ملايين نسخة وترجم ل40 لغة مختلفة من بينها العربية واعتبر كأحد أفضل الكتب في التاريخ البشري. (يمكنك شراء الكتاب من هنا)

حياته العائلية

تزوج هوكينج سنة 1965 من حبيبته في الجامعة، جين وايلد، سنتان بعد تشخيصه بالمرض وأنجب منها أبناءه الثلاثة، لويس روبرت وتيم.

 

سنة 1985، دخل هوكينج العناية المركزة بسبب التهاب، كانت حالته سيئة جدا لدرجة أن الأطباء عرضوا على زوجته إيقاف جهاز دعم الحياة عنه، رفضت وتم اخضاعه بعدها لعملية جراحية أنقذت حياته لكن تركته بلا صوت، وأصبح يعتمد على آلته التي يقودها بحركات معينة من جسده للكلام.

عرف عن هوكينج رفضه الحديث عن مرضه تماما، إذ وصفته زوجته كأنه لم يكن موجودا، تحت ضغط حالته الصحية وبضعة عوامل أخرى انهار زواجه من جين سنة 1991، لكن الزوجين حافظا على صداقتهما حتى آخر يوم من حياته. تزوج هوكينج بعدها سنة 1995 من ممرضته إلين مازون، زواجا مثير للجدل انتهى بعد 11 سنة لاحقا.

هوكينغ المراهنات

عرف عنه ولعه بالمراهنات العلمية، رغم موهبته الفذة في خسارتها. في عام 1975، راهن عالم الفيزياء الأمريكي كيب ثورن على اشتراك في البنتهاوس بأن مصدر الأشعة السينية الكونية Cygnus X-1 لم يكن ثقباً أسود، خسر الرهان سنة 1990. سنة 1997 راهن هوكينج وثورن زميلهما جون بريسكيل على موسوعة encyclopaedia أن المعلومات يتم فقدانها داخل الثقوب السوداء، خسر هوكينج الرهان سنة 2004. وسنة 2012 خسر 100 دولار لصالح جوردون كين حين راهنه أن بوزون هيغز -نوع خاص من الجسيمات- لن يتم اكتشافه.

تكريم ستيفن

قام بمحاضرة في البيت الأبيض في فترة رئاسة كلينتون، وعاد له مجددا سنة 2009 ليتلقى الميدالية الرئاسية للحرية من باراك أوباما، أعلى وسام يتم منحه لمدني في الولايات المتحدة الأمريكية.

تم تمثيل حياته والحديث عنها في عدة أفلام ووثائقيات، آخرها وأبرزها كان “نظرية كل شيء“، يقال أن ممرضة هوكينج مسحت دمعة عن خده عند نهاية الفيلم لتأثره، كما عرف بمشاركته في عدة برامج وحس دعابته الكبير حين شارك في المسلسل الكوميدي the big bang theory.

آراء ستيفن هوكينغ

عرف بنشاطاته الإنسانية وآرائه السياسية المثيرة للجدل، سبق وأن قام برفض إلقاء محاضرة في إسرائيل سنة 2013 تنديدا بجرائم الحرب ضد الفلسطينين في ذلك الوقت.

تعليقاته وكتبه طالما كانت مصدر جدل ديني، فمع أنه ختم كتابه الأشهر “تاريخ مختصر للزمن” بالعبارة “عندها (يقصد حين نتمكن من إيجاد نظرية لكل شيء موحدة بين نسبية أينشتاين وميكانيكا الكم) يمكننا أن نفهم عقل الإله”، إلا أنه أقر أن وجود إله غير ضروري لوجود الكون لاحقا في كتابه “التصميم العظيم” (تتوفر نسخة عربية من الكتاب) إذ يقول

لأن هناك قوى كالجاذبية، فالكون يستطيع وسيستمر بخلق نفسه من العدم.

(النسخة الأصلية/ إنجليزية)

لا توجد وسيلة فعلا لتقييم قيمة الفرد العلمية، لكن هوكينج تحصل على 12 جائزة فخرية بالفعل من بينها جائزة ألبرت أينشتاين، جائزة وولف، ميدالية كوبلي وجائزة الفيزياء الأساسية the Fundamental Physics prize، كما حاز وسام الفروسية من الملكة البريطانية برتبة قائد، وإن كان لم يتحصل على النوبل قط.

وبغض النظر عن كل آرائه الدينية والسياسية وحياته الخاصة، يبقى هوكينج وجها علميا لا يمكن التغاضي عنه، ربما ليس أعظم فيزيائي عرفته البشرية، لكن مساهماته لها بالتأكيد ستجعله خالدا في تاريخها، ويبقى حلمه، إيجاد نظرية لكل شيئا حلم الملايين سواه ممن سيكملون مسيرته بعده.

واليوم، سنهنئ الأجيال الجديدة كل عام بمولد أينشتاين، ثم نعزيها بفقدان هوكينج، وربما لا أفضل من رثائه مما قال فيه زميله تايسن

وفاته تركت ما يشبه الفراغ الذهني، لكنه ليس فراغا، فكروا فيه كنوع من الطاقة الفراغية التي تتخلل نسيج الفضاء الذي يتحدى القياس.

لست أخاف من الموت، لكنني لست مستعجلا لأموت، لدي الكثير لفعله قبل ذلك” ستيفن هوكنغ.

وداعا ستيفن..

مصادر: 1، 2.

تعليقات الفايسبوك