يخبئ في جيبه قصيدة لمنجية إبراهيم | قراءة في رواية

يخبئ في جيبه قصيدة لمنجية إبراهيم | قراءة في رواية

قراءة في رواية

يخبئ في جيبه قصيدة |تقديم الرواية

يخبئ في جيبه قصيدة، عنوان جميل قد لا يعكس موضوع الرواية وأفكارها الأساسية، إلّا أنّه يشير بوضوح إلى هوس الكاتبة بالشعر وحبّها لبطلي روايتها وتغنّيها بقصائدهما (المتنبي وعنترة ابن شداد). هو اكتشاف جديد لموهبة شابة قوية، “منجية إبراهيم” أو كما سمّت نفسها في الرواية “أمينة العربي”، مرهفة الحسّ، ضائعة في تناقضات الحياة ومفارقاتها، بين الحب والجمال والسخط من مظاهر التميّع وفقدان الهوية، كيف تُسمى الأشياء بغير مسمّياتها، وكيف تكون الحياة في أٌعلى درجات قسوتها، فنتوقف مدهوشين، هل هنالك شيء أسوء من كلّ هذا؟

قد يصنَّف هذ العمل ضمن أدب القضية، حيث أنّ موضوع الرواية الأساسي هو استنكار الحالة المزرية التي آلت إليها الشعوب العربية لتخرج “أمينة العربي” مع فارسها الشجاع عنترة ابن شداد في رحلة لاستنهاظ الأمّة العربية، وقد يصنّف أيضا ضمن الأدب السياسي في حديثها عن استبداد الأنظمة وتضييقها الخناق على حرية التعبير، أو أدب السجون عن كتابتها لشاعرها المحبّب أبي الطيب المتنبي من بين أربعة جدران لا تطلّ عليها إلّا نافذة علوية يتسلّل منها بعض الضوء الخافت.. هو مزيج رائع من كل ما سبق ذكره وأكثر، فلسفة الحياة، ونشوة الحب، ونوستالجيا عارمة بالعودة إلى ذكريات الطفولة، وتراجيديا الفقد وضياع الأحبّة.

الكِتاب

“يخبئ في جيبه قصيدة”[1] غلاف الرواية جميل يحمل شيئا من الغموض، الأوراق متماسكة تبدو من النوعية الجيّدة، متجسّدة في خفّة وزن الكتاب وارتياح العينين أثناء القراءة.

بداية الرواية

بدأت منجية روايتها – يخبئ في جيبه قصيدة – بالكتابة إلى أبي الطيب المتنبي تحدّثه عن أحلامها الصغيرة والكبيرة، عن هوسها بالكتب وإصابتها بالببلومانيا، عن حبّها للأزهار وتطلّعها للحياة.. بداية جميلة متناغمة تشرح الصدر، ثم الانتقال إلى الحبكة الصادمة، أمينة تخبر محبوبها الطيب بأنها سجينة لتهمة “زعزعة الأمن القومي”! هنا ستجد نفسك مجبرا على متابعة الرواية إلى آخر كلمة..

أسلوب الكاتبة

الكاتبة منجية إبراهيم

الكاتبة في هذا العمل غير متكلّفة تكتب بأريحة، بشغف كبير وحبّ، بأسلوب بسيط وممتع…

“الكِتابة تأتي بغتة دون مواعيد، إنها مثل الحبّ تفاجئك دون استئذان، تأتي دون أن تأخذ بعين الاعتبار جدول مواعيدك أو ارتباطاتك الأخرى، تفاجئك في الحمام والسوق والمقهى، في الشوارع، في محطات الانتظار والقطارات..” مقتبس من الرواية.

 

متّبعة طريقة السرد بالتوازي لشد انتباه القارئ بالانتقال بين مكانين، ما يحصل داخل السجن بينما تكتب إلى شاعرها أبي الطيب، وما يحدث خارجه من مغامرات، لا يمكن أن يفوت على القارئ الاستمتاع بخفّة دمّ الكاتبة وطرافتها، يمكنني اعتبارها محترفة تهكم! حالها كمن يقف على مقصلة الموت ولا يجد له عزاءً ولا سلوى إلّا أن يغيظ أعداءه بابتسامته ورباطة جأشه وحفاظه على حيويته في أصعب المواقف.. تسرد الواقع بكلّ أبعاده وتقدّم لك ما يكفي من الدوافع للضحك والسخرية إلى جنبها بدل البكاء الذي لا ينفع، الكثير من مواقف خبيرة التهكم بقيت لصيقة في ذاكرتي رغم أنّني أكتب هذه المراجعة بعد مدّة طويلة من قراءة الكتاب، وهل يعقل أن أنسى كيف تهكّمت على سجّانها! تصفه بالرجل البشع الذي يكفي أن تنظر إلى وجهه ليكون لك عذابا، وتعتبر الأمر متعمّدا فلو وضعوا بدله شابا وسيما يحسن معاملتها ومخاطبتها لما تضجّرت من السجن وما اعتبرته عقابا حقيقيا.  وعن الكلمات التي يردّدها ويحفظها الجميع لشاعرها المتنبي:

أغاية الدين أن تحفوا شواربكم * يا أمّة ضحكت من جهلها الأمم.

تعلّق منجية “أمة تحفظ وتحب أقسى بيت هجاء في حقها!”

كما كانت الكاتبة بارعة في ربط الأحداث بطريقة ذكية وممتعة للتعبير عن آرائها، بدل أن تجيب عن سؤال كلاسيكي مباشر “هل وقعت في الحب؟”، تربط الفكرة بأغنية سمعتها في الشارع:

?Have you ever been in love

ثقافة الكاتبة

تظهر ثقافة الكاتبة في حديثها عن الكتب التي كان يوصلها إليها صديقها أسامة في السجن (كتابي الأمير لمكيافيلي والعقد الاجتماعي لروسو) وعن المقتبسات التي كانت تدعم بها آراءها وأفكارها، الكثير من البراعة في حسن توظيفها لثقافتها، وبثّ الرغبة في نفس القارئ لاكتشاف الكثير من الكُتّاب (إميل سيوران، عبد الرحمن المنيف، الماغوط، تشيخوف…).

ثمن التجرّأ على قول الحقيقة

تحدّثت الكاتبة عن روعة أن تجد الناس يقرؤون لك في الشارع وزملاؤك في العمل يهلّلون لك عندما تكتب تحقيقا جريئا عن فضيحة طالت مجموعة من السياسيين اللامعين مع رجال أعمال مقربين من السلطة، لكن سرعان ما تنقطع نشوة الانتصار وتدفع الثمن باهظا جدّا، بطريقة لا يمكن توقعها، حتّى لا نحرق أحداث الرواية أكثر أكتفي بالحديث عن الرسالة التي وصلت أسامة الذي ساعد أمينة في التحقيق”في المرة المقبلة سوف نرسلكم إلى الجحيم” والرسالة التي وصلت أمينة “تعلمي كيف تغلقين فمك”!

لماذا يكتب الكتاب عن الحب ويعجزون عنه؟

هل كانت الكاتبة متناقضة في الحديث عن مشاعرها ونظرتها إلى الحبّ بين التغنّي به في أبهى وأجمل الحلل وقصتها مع أسامة؟ قد تكون مجرّد أحداث أرادتها أن تكون بذلك الشكل، وقد يكون انعكاسا حقيقيا لفلسفتها على غرار الكثير من المفكّرين والفلاسفة، الذين يجيدون التغنّي بالحبّ وتقديسه، إن ما تحدّثوا عنه شعرت أنّهم يخطفون قلبك ويطيرون به إلى السماء…

“عندما تحبّ يا أبا الطيب سيتحوّل قلبك إلى فراشة! عندما تصاب بالحبّ فلا تطلب أن تبرأ منه، حاول كلّ جهدك أن تظلّ طريح فراشه، أبذل كلّ ما في وسعك كي يصبح حبّا مزمنا لا أمل من الشفاء منه، واقترب ممّن حولك أكثر وعطّرهم به.. أصبهم بالعدوى فأنا لم أعرف عدوى أجمل من الحبّ!” مقتبس من الرواية.

وإن ما تحدّثوا عن حياتهم الاجتماعية وجدتهم أفشل الناس في الارتباط وتكوين العلاقات، وربّما كان لموقف كاتبتنا مع صديقها أسامة علاقة بنمطها الثوري النسوي، الذي بدت مبالغة فيه نوعا ما.. وهل يكون لكلّ ذلك علاقة بحياة الكاتبة؟ إذا…

هل يمكن أن تكون سيرة ذاتية؟

سيلاحظ القارئ في هذه الرواية “يخبئ في جيبه قصيدة” أنّ الكثير من أحداثها تبدو واقعية (عائلة أمينة وعملها)، إلى درجة أن الكاتبة قد نقلتها بإحساس عميق جدا، يجعلك تصدّق أنّها جزء من حياتها، يستحيل أن تتحدّث عنه بتلك الطريقة بمجرّد أن يكون أحداثا خيالية.. وهذا ليس جديدا على عالم الكتابة، حيث يميل أكثرية الكتاب إلى كتابة الروايات والقصص لإيصال رسائل مشفّرة مرتبطة بحياتهم وتجاربهم، فيعبّروا عن مكنوناتهم صراحة عن طريق أبطال رواياتهم، عوض كتابتها كسير ذاتية قد تخلق لهم المشاكل، ولا يوجد أحد لديه إجابة عن هذه الجزئية غير الكاتبة، ولا أظنها تجيب! لتبقى نقطة جمالية تثير الاعجاب والفضول، لسماع المزيد منها في أعمال قادمة..

تعقيبات

كانت الكاتبة رائعة في الحديث عن حزنها وآلامها، وبعدها الإنساني لما يحصل حولها من أحداث يصعب تقبّلها…

“يومها بدوت كراهب زاهد في العيش اعتصم بالموت جبلا يؤويه من جحيم الحياة، وكان التفكير بالموت لذيذا ألذ من كل تلك الآلام، ماذا سيحدث أكثر من ذلك؟ فكرت! ” / مقتبس من الرواية.

وفي التخلي عن فكرة الموت ورفع التحدي قالت أمينة..

“كان قرار العدول عن الموت أشجع قرار اتخذته في حياتي، أليس من الجراءة أن تقرر البقاء لتقاتل هذه الحياة التي تخلّت عنك ذات يوم؟”

حديث أمينة عن عائلتها من بين أكثر الجزئيات جمالية في هذا العمل، الكثير من الدموع التي لم أستطع حبسها تأثرا بعمق تعلّق الكاتبة بأهلها، وذكرها لتفاصيل الحياة البسيطة التي تصبح بذخا وترفا لا نشعر به حتى نفقده..
نوستالجيا الطفولة في تصرفات أمينة في صفّها ونظرة المعلمة لها، تنمرها على زميلاتها وانتقامها من صديقتها لأنّها جميلة! الكثير من الذكريات التي برعت في سردها قد تجعل القارئ يتغاضى عن بعض الجزئيات الأخرى التي لم تخدم العمل، كالاستشهاد بعدّة مقتبسات لكتّاب آخرين خارج النص على التوالي حتى يكاد يختفي نصّ الكاتبة (في بعض الفصول فقط)، ومبالغتها في التغنّي بالعروبة والنخوة بطريقة جعلت النصف الثاني من الرواية أضعف من الأول، كما أنّ القارئ قد يشعر بالملل في بعض فصول الرواية بسبب افتقادها إلى عناصر المفاجأة والتشويق.

مفارقات

من بين أهم المفارقات القويّة عن الواقع الذي نعيشه ما ذكرته أمينة في حديثها عن رئيس التحرير:

“كان رئيس التحرير يردد ذلك القول لــ “فرانك زابا” “جزء كبير من الصحافة عبارة عن أناس لا يجيدون الكتابة يقابلون أناسا لا يجيدون التحدث لأناس لا يجيدون القراءة”…

وعن كيف تسمى الأشياء بغير أسمائها!

“من الذي أطلق على هذا الحي اسم “حي البستان”؟ ستنتحر البساتين شنقا إذا ألقت نظرة على حيّنا، برك وحفر ومطبات وأكوام من الحجارة والنفايات، لم نجتهد في تجميل الحقيقة المرّة؟ سميّ الحي الذي بعد حينا “حي الأمل”، والحي الذي بعده “حي النجاح”، والذي بعده “حي الحرية” ثم “حي الاستقلال”! ما نفتقده في حياتنا نسمي به أحياءنا وأبناءنا ومدننا!” مقتبس من الرواية.

وقبل أن تختم منجية روايتها “يخبئ في جيبه قصيدة” لم تنس نصيب أشباه المثقفين من تهكمها، في حديثها عن مقهى المثقفين الذي يرتاده جماعة يتدارسون الوضع العربي لكنهم عاجزون عن الخروج من المقهى لفعل شيء غير الكلام، وعن الفنان الذي يغنّي بصوته النشاز، والشاعر الذي كأنه يلتقط كلماته من مجاري الصرف الصحيّ!

الكاتبة لم تنل حقها بعد

عن نفسي اندهشت وأنا أقرأ لهذه الكاتبة الشابة “منجية إبراهيم” خاصة في النصف الأول من العمل، ربّما قد تكون في السنوات القادمة أملا لترشّح كاتب جزائري لجائزة البوكر ولما لا الظفر بها! بعد غياب مخجل..

[1] رواية “يخبئ في جيبه قصيدة” لمنجية إبراهيم، الصادرة عن دار النشر ثقافة، والدار العربية للعلوم ناشرون. بدعم من مبادرة 1001 عنوان.

الرواية على القودريدز

 

تعليقات الفايسبوك

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *