كشف المحجوب لفريد الأنصاري | قراءة في رواية

كشف المحجوب لفريد الأنصاري | قراءة في رواية

- ‎فيقراءة وكتابة
التعليقات على كشف المحجوب لفريد الأنصاري | قراءة في رواية مغلقة

في حين يبدأ “فريد الأنصاري” رائعَته “كشف المحجوب” بسرٍّ لا يفك شِفرَته بنفسه في النهاية.. لا أدري بما يجب أن أبدأ للحديث عن كل ذلك! بـ”المحجوب” النقابي  أم بـ”المجذوب” فتى الصحراء، أم بحجم الجمال الطاغي للكلمة والخطابات النقابية اللولبية واللعب على أوتار الحرف لبِناء المجد من الوهم أو للإطاحة به… وسط كل هذا، وفي عمق انبهارك بفتى الصحراء وصديقه، يأخذك الأنصاري إلى الجانب الآخر من السور، ذلك الجانب الذي يكفي لوصفه أن الجميع ينفي عن نفسه تهمة الانتماء إليه، مهما مارس صفاتَ أهلِه سرا أطراف الليل وآناء النهار.. يأخذك حيث السيادة لأهل الزيف والتزوير والأخلاق السائلة المُشكَّلة كما يُنظِّرُ لها أصحابُها ويقول لك: أنا هنا!. واضحٌ متصالح مع نفسي، لامشكلة لدي.. باستثناء مشكلة صغيرة، أنفي! كبريائي!.. وبهذا الأنف وحده، سيتحدَّد مسارُ بطلِ الرواية في أكثر من موضع فيما بعد، عندما يختار ألا يذهب إلى القاع بدون إرادته مهما كاد أن يقترب.. ومهما تاهت المصلحة ضد الفطرة بين سيدة النادي وسيدة البستان..

رواية كشف المحجوب

غلاف رواية كشف المحجوب

برفقة المحجوب الذي جاء من صحراء الجنوب إلى الغرب! في رحلته بين النقابة والحزب والسلطة يُصور لنا الكاتب ما يمكن أن تفعله “الكلمة” وما يستطيع تنميقه الزور والتلفيق والبهتان وما يمكن أن يحصده ذلك من بناء لقصورِ المجد الشامخ من العدم، أو الإطاحة بها حين يلزم الأمر.

في الرواية تجسيد عميق لعبادة الهوى، والسقوط المريع، ومؤدى السعي بين العقبة والشلال. ونهاية التخبط في اللاهدف بلا دليل. بين النقابي الشاطر ورحلة السعي إلى المجد، ثم رحلة السعي إلى الحقيقة والبحث، أمام المؤامرة التي تلتف حول عنقه من جديد كلما كادت أن تخمد نارها بماء الشلال.. لتقول: هاأنذا!.. أنكرتم أم اعترفتم، تعِبتم أم تكاسلتم، ثمة من يتعب لعيون سقوطكم على أي حال، سواءً جئتم بإرادتكم أو بالمصيدة، ومهما تطرفتم في الإنكار الساخر هروبا من تطرف مَرضي سابق استُعملت فيه المؤامرة لتبرير الأخطاء، بعيدا عن كتب التاريخ التي تكفي لقول كل شيء.. أنا هنا في الرواية مؤامرةٌ أصيلة، أعترِفُ بي فنا أصيلا من فنون الحرب، الحرب التي لا تنتهي..

ربما مرَّ الكاتب أثناء تجسيد المؤامرة في روايته مرور التحصيل الحاصل دون أدنى نية في الدفاع، إلا أني لا أستطيع المرور على الملاحظة دون تعقيب، وأعترف أني شعرت بالدهشة ماءً باردا يشفي الغليل عندما وصلتُ إلى عتبة النهاية وشهِدت اكتمال ملامح الصورة!. عندما تغيرت مهمة سيدة النادي وسيدة السلطة وعميدة الأدب المزوَّر الذي لم يكن أدبا يوماً، إلى مهمة أكثر قذارة لاستنزاف الصنف الآخر من العقول والقلوب هذه المرة.. بعد أن أصبحت سيدة جمعيةِ البر والإحسان! هي وذلك اليهودي، صديقها القديم الذي كان عميدا للأدب عندما كانت هي سيدة الإبداع.. وأصبح داعيا للإحسان إلى جانبها داعما طبعا لاحقا استكمالا لطقوس التزوير والتلفيق.

رواية كشف المحجوب

مرور غير جانبي على الوجه الآخر للمرأة التي وراء كل عظيم!.. وتركُّب الصّور وتداخل الحكايا، ومرجَع النفسِ وفطرة الروح، وجرأة الأنصاري في تعريف الأمورِ كما هي، وإطلاقِ الأسماء الحقيقية على مسمياتها دون لفّ أو دوران بقُدرة مدهشة بحق..  كلها تصب في قالب رحلةِ المحجوب من الحجب نحو التجلي، الرحلة الماتعة داخل أسوار النفس البشرية والصورة الجميلة التي نجح في  إيصالها لعلاقة المرء بالحقيقة، وبالكلمة، وبالقِيم.

مُجحفٌ جداً أن نقوم بتجزئة روايةٍ بهذا القدر من الجمال إلى نقاط استخلاص، لكني أمام كمِّ المعاني التي تحملها رائعة الأنصاري، لا أجدني إلا مضطرة لوضع كل الجمال الطاغي للحرف والسحرِ الذي لايقاوَم لجلال الكلمة، مضطرة لوضع كل هذا جانبا لأقول: كل هذا كان خادما أمينا للمعنى الذي أراد الكاتب إيصاله، وقد نجح فعلاً، وأدى الحرفُ -سِحراً لم يطغَ على ساحره- خِدمةَ المعنى على أكمل وجه وأفضل صورة.

رواية كشف المحجوب

تعليقات الفايسبوك