ترتيب الأولويات: هل حان الوقت للتخلى عن بعض العلاقات؟

ترتيب الأولويات: هل حان الوقت للتخلى عن بعض العلاقات؟

- ‎فيإستخدم عقلك
التعليقات على ترتيب الأولويات: هل حان الوقت للتخلى عن بعض العلاقات؟ مغلقة

تقديم الموضوع: جميعنا نهدر الكثير من الوقت بسبب سوء ترتيب الأولويات أو ربما حتّى نخسر علاقات كانت تستحق أن تمنح الاهتمام بالدرجة الأولى لأجل أخرى لا فائدة منها على الاطلاق، الوقت محدود، والعمر قد ينتهي في أيّة لحظة، لذلك يجب أن نضع بعض النقاط المهمّة على الحروف!

زيد..


زيد دائم الشكوى من ضيق الوقت وتضخم برنامج دروسه/ زيد يقضي خمس ساعات في اليوم يحدق في هاتفه/ أم زيد تشكو من تقصير زيد.

أبو عمرو لا يكف عن الشكوى من الخذلان والوحدة/ عمرو كثير من أصدقائه المفضلين خذلوه في أيامه السوداء/ عمرو يكفي أن تضيفه على الفايسبوك لتصبح _دون إذنك_ صديقه المفضل/ عمرو يكبر في غياب أبيه..

ريما..

ريما تستطيع أن ترسل لك رسالة طلب خدمة في أي وقت/ ربما بالكاد تعرفها بشكل سطحي لكنها سترسل لك رسالة عتاب طويلة إن أنت لم تلبي لها الخدمة، ويا ويلك من كم العتاب إن أنت لم تفتح الرسالة بعد أيام/ ريما كثيرون يجدون دواءها في تجاهلها لكنها دائما تعود إلى عادتها القديمة/ ريما تتابع الآن دواءً لقرحة المعدة كما ترتاد عيادة الأمراض العصبية.”
“زيد”، “أبو عمرو” و”ريما” مجرد أمثلة للكثيرين ممن يعيشون بيننا، وربما فينا، إذا أردنا تلخيص مشكلتهم فسيكون في كون علاقاتهم تخضع للعشوائية، عشوائيةٌ مكثفةٌ في الترتيب وفي الاختيار وفي رد الفعل، يقضون العمر دون أن يتغيروا، يشتكون من كل شيء، وثمة بالمقابل من يشتكي من تقصيرهم، تقصيرا يدفعون ثمنه إضافيا هو الآخر، كل ذلك يحدث لكونهم يصرفون طاقاتهم بالشكل الخطأ ومع الأشخاص الخطأ، وحتى في المساحات الخطأ.

((كلكم راعٍ.. وكلكم مسؤول عن رعيته)) حديث صحيح:

إذا شبّهنا الإنسان بنجم يتوسط الفضاء، تدور حوله مجموع علاقاته مثل الكواكب، كل منها له مدار خاص به، حيث تترتّب الكواكب/العلاقات حوله، كل في مدارها، حسب ترتيبها من الأهمية..



بقاعدة أصحاب الأولية هم الأقرب (الأهم فالأقل أهمية.. فهكذا..). فإن زيد ومن يشبهونه، سيجمعون جميع علاقاتهم في مدار واحد، بلا أي ترتيب، ثم يختارون بالفرز العشوائي ما يبدؤون به/ أو معه/ أو فيه.. وهكذا عندما يكتشفون مع نهاية اليوم أنهم لم يكونوا خارقين بما يكفي للحضور في جميع علاقاتهم مئة بالمئة، يبدؤون بالتذمر والشكوى، تزامنا مع الشكوى منهم من قِبل آخرين نظير تقصيرهم في واجباتهم الأساسية، مع الأشخاص الأهم وفي المساحات الأولى بالاهتمام..
في وسط عالم ممتلئ بأصحاب الحقوق المضيّعة والمسؤوليات غير الموفاة، ينبغي على المرء أن يضع هذا الترتيب في حسبانه، ويتعامل على أساسه حسب طاقته بأولويات مرتبة جيّدا. باعتباره إنسانا عاديا، غير جِنَّي! وبلا قدرات خارقة. وبالتالي غير قادر على الحضور في جميع علاقاته العديدة جدا حضورا كاملا مائة بالمائة.
يُكرّر الدكتور راتب النابلسي مقولة جميلة.. ((الناس أنت لهم، وغيرك لهم.. لكن أولادك إن لم تكن لهم فمن لهم غيرك؟!)) بعض العلاقات غير قابلة للتعويض بأيّ شكل، رتبتها الأولى غير قابلة المساومة، عندما ألتقي مثلا بزميلتي (التي أرتبها في المدار الخامس) في الوقت الذي تنتظرني والدتي فيه (بالمدار الأول) لأمر أيا كان نوعه، أستطيع المرور بابتسامة عابرة وصباح خير كلاسيكية، كما يمكن أن أعتذر إذا ما استوقفتني لمناقشة أمر ما بأني مشغولة وسنتحدث لاحقا.. ذلك أن المدار الأول أولى.. والأول في القائمة..
مثل هذا الترتيب في الذهن أولا وعمليا ثانيا مهما بدا لنا من الأمور البديهية المعروفة حتى لدى أطفال الروضة (عندما يختارون من بين مسلسلَي كرتون الأكثر متعة ويُضَحون بالآخر الذي يُعرض في نفس التوقيت).. مُنعَكَس مفقود جدا في الساحة العملية بشكل كلما تزايد تزايدت معه الشكاوى من جفاء الأقربين وتضييع المسؤوليات والحقوق. كما تزيد معه عوارض القلق والتوتر وتضييع الأوقات لأسباب يعرف المرء بينه وبينه نفسه جيّدا أنها تافهة أيما تفاهة..
تفاديا لكل هذا الخلط، على المرء أن يعرف قدر نفسه جيدا أولا، وأين تقِف حدوده، ليعرف كيف يتعامل مع كل شخص، وأن يعي بعد ذلك جيدا واجباته وحقوق من لهم حق عليه، أولئك المرتبين في مدارات قريبة ثابتة يستحيل التخلي عنها أو تغيير بُعدِها.. وأن يكون له معيار رشيد في (الاصطفاء) و(الاختيار) لأولئك القابلين للقرب الجميل كما للتخلي الجميل، معيارا قائما على المبادئ لا على الأشخاص. وبالتالي تتغير فيه الأشخاص تبعا للمبادئ وليس العكس.

فتعريف الصداقة مثلا الثابت على أنه أخذ وعطاء وغياب كلفة في ظل وفاء متبادل، لا يعني الصديق فيه شيئا ثابتا إذا لم تكن الصداقة هنا مُصادقا عليها من الطرفين. فإذا اخترت أن أضع في (مداري الثالث) مثلا صديقا قريبا يضعني هو بالمقابل في (مداره الثاني عشر)، فستحدث مشكلة حتما. والنتيجة أن أرى عدم رده على رسائلي تصرفا شنيعا، في حين يراه هو بتلقائية عادية أكثر التصرفات طبيعية، فثمة في رأيه إحدى عشر مجموعة من العلاقات أكثر أولوية مني، قد يكون أثناء انشغاله بها لا يذكر أصلا إن كنت أنا شخصا موجودا فعلا على هذا الكوكب أم لا. وقد يكون ممن يشترطون في تعريف الصداقة سعة الصدر وإيجاد الألف عذر (الأمر الذي لا يتوفر في)، والظالم هنا ليس هذا الصديق كما يذهب غالبية الناس في حكمهم. بل أنا وسوء ترتيبي وتقديري وحدنا. ووحدنا بالتالي من يتحمل النتيجة. ورد الفعل السليم هنا، ليس التشكي والشعور بالإهانة أو الظلم وما شابه، بل أمر بسيط جدا: إعادة الترتيب لشخص قابل للقرب الجميل كما للتخلي الجميل. أو إعادة تعريفٍ للصداقة في رأسي كفائدةٍ من التجربة.


الإنسان نجم فعلا،خلقه الله (ليضيء) و (يشرق) بالعمل في دوائره المشروعة، إشراقا يستطيع في الظروف الطبيعية تغيير العالم إلى الأفضل. وهذا النجم الذي لا يجيد ترتيب أولياته سواء في علاقاته أو بالأشياء حوله، سينطفئ تدريجيا وهو على قيد الحياة، عندما يستنزف الوقت والجهد للقيام بواجبات غير مطالب بها، مُفرِّطا فيما هو مسؤول أمام الله وأمام نفسه وأمام مجتمعه عنه، فيعيش نجما باهتا يصوّب نوره لكواكب بعيدة لا يصله نورها، معطيا بظهره لمن يراه هو مصدر نوره الوحيد.
والحياة تستحق العيش فعلا لمن عرف مقدار نفسه ولمن توضحت له الرؤية بشكل يرى فيه بوضوح ما له وما عليه، وما يستحق من العلاقات الصبر/ وما يستحق التضحية/ وما يستحق إطلاق السراح والتخلي الجميل/ وما يستحق أن يُركَل بعيدا بطرف حذاء بضحكة تلطّف الجو من شدة كون الأمر بسيطا لا يستحق التفاتة.. أمور قد تبدو بسيطة لكنها كفيلة بتخليص العالم من الكثير من التفاهة والعبثية والفوضى وقصر النظر ومن عاقبتهم أيضا من تضييع المسؤوليات والندم المتأخر والانصدام بالواقع، ورفع ضغط الآخرين في أحيان كثيرة.

تعليقات الفايسبوك