كوثر مولي: لماذا تركت الطب وتوجهت إلى الرياضيات؟

كوثر مولي: لماذا تركت الطب وتوجهت إلى الرياضيات؟

- ‎فيأفكار علمية
0
الرياضيات الصرفة

فائدة الرياضيات الصرفة|هل يسرق الرياضيون أموالنا؟

عندما قرّرت ترك الطب والتخصص في الرياضيات، اعتبرني الكل مجنونة، وعندما قلت أنني لن أتخصص في الرياضيات التطبيقية بل في الصرفة، زادت الدهشة ولم يتوانوا في إخفاء انطباعهم ذاك، وفي محاولة لإثنائي عن رأيي عادة ما كنت أواجه بالسؤال: ما فائدة الرياضيات؟ ماذا ستفعلين لاحقا؟

إن كنت مثلهم تتساءل أو مثلي.. يكاد الجميع لا يتوقفون عن سؤالك، فهذا المقال موجود للإجابة.



أولا وقبل كل شيء، الرياضيات نوعان، صرفة وتطبيقية، الرياضيات التطبيقية باختصار تركز على الاستخدامات العملية للرياضيات، في الهندسة، الطب، الفيزياء وكل مجال آخر من مجالات الحياة تقريبا. مهمتها هي القيام بالحسابات وحل المعادلات التي تحتاجها المجالات الأخرى لتستمر، هي رياضيات إطلاق الصواريخ وبناء المباني ودراسة الكون، وإن بدأنا الحديث عن استخداماتها أو كما يقول البعض “فائدتها” سننتهي بتشكيل مكتبة بدل مقال.
في حين أن الرياضيات الصرفة موجودة لهدف الرياضيات فقط، هي تقوم بحل المعادلات لأنها موجودة، تبرهن على الأمور لأن لا أحد فعل ذلك من قبل وتسأل الأسئلة ببساطة لأنه يمكنها ذلك.

إذن إن كانت الرياضيات التطبيقية مفيدة، هل هذا يجعل الرياضيات الصرفة… عديمة الفائدة؟

شخصيا أفضل مصطلح رياضيات لذاتها، لكن عديمة الفائدة ليس بذلك البعد عن الواقع في الحقيقة.
الرياضيات الصرفة، ليست موجودة لتكون مفيدة، هي لا تهدف إلى صناعة حواسيب أسرع أو ضمان نضام بنكي آمن يحافظ على الاقتصاد العالمي. هي ليست مهتمة بالتطبيقات في العالم الحقيقي كما يسميه البعض.
إنها رياضيات الأفكار، رياضيات الأسئلة والأنماط المجردة، إنها أن تسأل “إن كان هذا صحيحا فما هي الأشياء الأخرى الصحيحة؟” أن تحفر عميقا عن الأفكار التي تسبق تزامنا أو تلي الفكرة الموجودة.

ألا يعني هذا أنه في مكان ما هنالك رياضيون يقضون حياتهم في القيام بأمور قد لا تستخدم أبدا ذات يوم؟

الأمر ليس بهذه البساطة بالضبط، فحتى أكثر الرياضيات تجريدا يمكن أن تجد لها تطبيقات غير متوقعة إطلاقا، مثلا فرع الرياضيات المعروف بـ”نظرية الأعداد” اعتبر يوما أحد أكثر الفروع عديمة الفائدة على الإطلاق، لكنه اليوم يلعب دورا محوريا في أنظمة التشفير، لذلك إن سبق لك واشتريت شيء على الأنترنت دون أن تسرق معلوماتك البنكية فعليك شكر هذا الفرع “عديم الجدوى” من الرياضيات الصرفة.
لكن بالتأكيد للإجابة عن السؤال فأجل، أغلب ما يقوم به الرياضيون اليوم لن يرى النور يوما، وأشك أن أيا منهم يقوم به بهدف إيجاد فائدة له يوما ما.
لماذا يقومون به إذن؟ لأنه جميل، لأنهم يدفعون بالمعرفة البشرية إلى أقصى حدودها، لأنهم يحلون ألغازا لم يلمسها أحد قط، ليسوا مختلفين عن الفلاسفة والموسيقيين والفنانين ومحققي الجرائم (عدا أن أحدا ما سيستفيد إن حلت الجريمة)، هم باحثون عن الجمال، هم يحبون أن يتحدوا أنفسهم، فإن لم تحب الألغاز وترى جمالها فلا مكان لك في عالم الرياضيات.

هم يحبون الألغاز إذن، جميل أن تكون لك هواية وتجد شيئا تحبه، لكن لماذا ندفع لهم إن كان الأمر كذلك؟

سؤال وجيه فعلا! خصوصا في ظل الأزمة الاقتصادية، لكن بما أنه يعني أن على صاحبة المقال إيجاد عمل جديد مستقبلا، فدعوني أشتت انتباهكم عنه بقصة صغيرة.
مع بدايات القرن التاسع عشر، أصبح الرياضيون مهووسين بالبراهين، لقد وجدوا أنهم ومنذ بداية التاريخ استخدموا مفاهيم علموا جيدا أنها صحيحة، لكنهم لم يستطيعوا أن يفهموا تماما لماذا هي كذلك.
لذلك ومع بدايات القرن العشرين، مجموعة من الأكاديميين عاشوا على حدود الرياضيات والفلسفة بدؤوا مشروعا لبرهنة كل شيء، وأعني حرفيا كل شيء، لقد أرادوا بناء نظام رياضي متكامل يمكنه فصل الصواب عن الخطاء تماما، ومن هنا جاء كتاب بيرتراند راسل وألفريد نورث وايتهيد الشهير Principia Mathematica، كتاب من ثلاثة أجزاء حاولا فيه برهنة أكثر حقيقة رياضية معروفة، 1+1=2.
هل يمكنكم أن تتخيلوا الآن شيء أكثر تجريدا؟ أكثر بعدا عن الواقع من فكرة برهنة أن 1+1=2، أي تطبيق يمكن أن يأتي من برهنة شيء كهذا والعالم يعرفه منذ بداية البشرية؟
لقد كان ذلك المشروع تعبيرا عن التجريد والفضول البشري في أوضح صورة ممكنة.





مع الأسف فشل المشروع. سنة 1931 قام رياضي وفيلسوف يسمى كورت غودل ببرهنة شيء غير عالم الرياضيات، مبرهنات عدم الكمال، وبما أن المقال لا يهدف إلى شرح الرياضيات أو إدخال القارئ في دوامة، فسأختصر القول أن المبرهنات تنص على استحالة برهنة كل شيء، مهما كانت المسلمة التي ستبدأ بها، ستنتهي بالوصول إلى بيان يستحيل إثباته أو تصنيفه صحيحا أو خاطئ، هو يعرف في الرياضيات ب“undecidable”. مما يعني أن مشروع برهنة كل شيء مستحيل أن ينجح.

إذن لقد كان المشروع كله مضيعة للوقت، أخذتنا الرياضيات الصرفة في دوامات لنجد أن المشروع فاشل في النهاية!

لا أنكر أن معكم حقا إن اعتبرنا المشروع لذاته فقط، لكن كعادة الباحثين هم حاولوا بناء شيء جديد من الأنقاض، ليبدأ مشكل آخر، هل يمكن أن نجد طريقة لنحدد إن كان بيان ما قابل للإثبات أو undecidable.
سنة 1936 قدم رياضي إنجليزي شاب يسمى ألان تورينج ورقة بحثية يحل فيها هذا المشكل، ولا أظنني أبالغ إن قلت أن تلك الورقة صنعت العالم الذي نعرفه اليوم. فكرة تورينج كانت صناعة آلة يمكنها تحديد إن كان بيان ما صحيحا، خاطئا، أو غير قابل للإثبات (undecidable).
فرضياته في تلك الورقة أصبحت ما يصطلح عليه بآلة تورينج، وتلك الآلة أصبحت ما يعرف لدينا اليوم بالحواسيب.
عجيب أليس كذلك! مشروع برهنة كل شيء، أحد أكثر التوجهات تجريدا في تاريخ الرياضيات كلها، انتهى بشيء مختلف تماما، هو بالتأكيد لم يحقق هدفه الذي ابتدأ به، لكن أيا كان ما تستخدمه لقراءة هذا المقال، لقد كان ذلك المشروع هو ما قدمه لك.
لقد قاد المشروع إلى الحواسيب، والحواسيب قادت إلى العالم الذي نعرفه اليوم.

إذن الرياضيات الصرفة اليوم، يمكن أن تعطينا يوما ما ثورة جديدة كالحواسيب؟

ربما نعم، وربما لا. كما قلت سابقا العديد من أبحاث الرياضيات الصرفة اليوم لن ترى النور أبدا، قد يطلع عليها خبير ويشكر صاحبها وينال بعض التكريمات ثم تقع في النسيان. هي ليست موجودة لتكون “مفيدة” لكن هذا لا يمنعها من أن تكون كذلك في عدة حالات.
سبق وقلت أن ما قام به الرياضيون والمنطقيون على وجه الخصوص في القرن العشرين أعطانا الحواسيب، لكن خذ ورقة عشوائية بواسطة أحد منطقيي تلك الحقبة واحذفها من التاريخ، لن يتغير هرم الفكر البشري، هذا لا يجعل تلك الورقة عديمة الجدوى، لكن الأبحاث ليست ورقة واحدة، هي حوار بين عدة أوراق وأبحاث مختلفة.
هي جمع الأبحاث المختلفة ودراسة الأنماط بينها والخروج بأخرى جديدة، كل ورقة بحثية هي مبنية على ما جاء خلفها، وتدفع المطّلع عليها إلى تصور ما يأتي بعدها، قد تكون تلك التصورات مهمة جدا، ذات أهمية صغيرة أو عديمة الأهمية إطلاقا، وحده الزمن يمكن أن يكشف ذلك.
أفضل تعبير عن الفكرة هو هذا المقال، احذف كلمة واحدة منه، أو حتى عبارة، هل هذا سيغيره؟ بعد أن تنهيه حين يطلب منك أحد ما الحديث عنه، هل ستعيد نقل العبارات كما هي، كلا، لا توجد عبارة مهمة يقوم عليها المقال بأسره لكن مجموع تلك العبارات هي ما يعطي معنى للمقال، حذف كلمة أو تغييرها لن يحطمه، لكن كل تلك الكلمات هو ما صنع الفكرة التي شكلها المقال في عقلك.
هذه هي الرياضيات الصرفة، تراكم لعدة أبحاث لا هدف لها إلا المعرفة، قد تفيد يوما ما وقد لا تفيد إطلاقا. باختصار، هي الحاجة للمعرفة، تجسيد الفضول البشري، سحر الغموض والألغاز وإيجاد الحقيقة، يقال أن الطريق إلى الهدف هو نصف المتعة، في الرياضيات الصرفة، الطريق إلى الهدف هو المتعة كلها، لا يهم في ماذا ستستخدم الإجابة، المهم هو الوصول إليها.

في النهاية ولتلخيص كل شيء، الرياضيات الصرفة تولد من الأنماط الجميلة، وتعيش لخلق رؤية ثورية.

تعليقات الفايسبوك

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *