هل جربت أن تعبر حدودا قطُّ؟ | TED في الجزائر – قسنطينة

هل جربت أن تعبر حدودا قطُّ؟ | TED في الجزائر – قسنطينة

في أروقة الجامعة كالعادة، نتسكع مقحمين أنفسنا في متاهات مع سبق الإصرار والترصد، متورطين بكلّ ما أوتينا من شغف نتراشق الحجج والافتراضات، نخضع بعضنا لاستجوابات.. بحثا عن الإنسان، تهوي بنا المغامرة نحو طفولتنا الأولى و يتلقفنا الرشد حينا لنخلص نحو عوالم فوضوية بشكل يستفز الإدراك.. حد الجمال.

قالت الحنان: ما رأيك بتجربة مختلفة هذه المرة؟



كانت تيد TED قسنطينة، دورة تدريبية من تنظيم جمعية طلبة الطب والأطباء الشباب تكنّى بــ “سوك فرع قسنطينة” تحت إشراف لجنة حقوق الإنسان “سكورب” حيث حضر الحفل الافتتاحي أساتذة وطلبة من مختلف التخصصات مما خلق جوا مثاليا للحوار.

لكن الأمر تجاوز الحوار إلى إعادة تكوين مفاهيم جديدة عن أنفسنا، مفاهيم جديدة عن الآخر.. في حضرة مزيج من الأساتذة المثقلين بالخبرة والترقب، المثقلين بكل ما يمكن مشاركته، متلهفين للعطاء قدّموا محاضرات حول الطب، الإنسانية الفن و غيرها.. ففي حين اصطحبنا الأستاذ بلعطار في محاولة لعبور الحدود نحو الآخر شاركتنا البروفيسور بن نعمون قصتها كعابرة لحدود إمكاناتها الذاتية و لحدود الواقع والظروف..

الدكتورة بن نعمون: أن تكون إنسانا.. يا له من أمر شاق!

كان أول تماس لي مع عبارة عابر للحدود مع العم دانيال إيتش بينك، أذكر أني أعجبت بالعبارة بشدة لمدى عمقها، لكن تجليها على الواقع كان أعمق. الدكتورة بن نعمون أستاذة مداومة في قسم الجراحة “أ” في المشفى الجامعي بقسنطينة، إعتلت المنصة وقالت: إن أبشع شيء قد يحدث للإنسان هو خضوعه لحدود اختصاصه، فمزاولة أي نشاط بشكل دوري تفرض على البشر طريقة تفكير معينة تمتد لتستولي على حياته الشخصية وربما تعامله مع ذاته أيضا، تزداد خطورة الظاهرة حين يتعلق الأمر بمزاولة الطب لأن الأمر يتطلّب أن تضحي بإنسانيتك في سبيل أن تصمد.

أغلب طلاب الطب يموتون في السنة الثانية، بعض المقاومين يبقون حتى السنة السادسة.. السابعة أو أول سنة خدمة مدنية، لأن على الطبيب أن يختار في رأيها بين طريقين: أن يصبح مجرما أو بليدا بقيم مستوردة، الطريق الثالث وعر، حافل بالمطبات ونادرون من يسلكونه، طريق أن تبقى على قيد الحياة، قالت: أُخضِعني لإنعاش ذاتي كل يوم قبل المداومة.

الدكتورة بن نعمون

 الأمر كله تختزله حيلة واحدة ..

“أن تضبط عدادك على الصفر”

أغلبنا يفني تفاصيله في منظومة اجترارية مقيتة، يجتر أفكارا مستهلكة، أساليب مستهلكة، وأحاسيس مستهلكة..حد العفن.

أن تضبط عدادك على الصفر، قالت الأستاذة، يعني أن تتعامل مع الحياة كطفل لم ينل الجبن من قلبه بعد.. أن تقتحم حدود منطقة الراحة لديك، بعيدا عن الاستعارات، إنه لأمر بالغ في الصعوبة أن تتجاوز المتوارث والنمطي والمتوفر نحو شيء أقرب إليك..

أكوام الكتب، المصنفات والمؤلفات التي التهمتها قد تساعدك في البدء على تنظيم أفكارك وتجعل في متناولك مهارات أولية لا بد منها، لكن المعركة الأصعب، في رأيها، تكمن هناك.. في أروقة المشفى، هناك في مكتب استقبال المرضى.. هناك لما يضع الطبيب رأسه على وسادته.

إنّها معركة ضارية.. أن تحافظ على كيانك وبعدك الشعوري بكل مقوماته في حضرة ذاك الكم الهائل من الألم، نوع عميق من القوة الاحتوائية التي تجعلك قادرا على مدارات كل ذلك ومواجهته لا الهرب منه عبر حيل دفاعية ومسكنات لامبالاة و تبلد، و إذا كان الهدف الأساس للجندي في خضمّ معركته هو البقاء على قيد الحياة، فهدفنا نحن كجنود نواجه معارك أشد ضراوة هو البقاء على قيد القضية، ستشعر بالوحدة، قالت، ستشعر بعدم جدوى ما تبذل، ستمر عليك لحظات يهتز فيها إيمانك بك، إيمانك بفقرتك.. اضبط عدّادك على الصفر وحاول مجددا.

ذاك ما أعنيه بعابرة الحدود، عابرة لحدود الواقع، لحدود ما هو متوفر نحو ما يجب أن يتوفر، عابرة لحدود الممكن التي يرسمونها بإحكام في عقولنا تحت ذريعة “الواقع” نحو عالم أشد تماسكا نحو إنسان أقوى و أكثر احتواء، نحو قلب سليم من التصدعات و التشظي.

تربيت على يد سيد فرونكفوني معتق ورغم محاولاته المريرة في أن يعجّم لساني لا أزال أمج لغته مج لائك غير مستسيغ، لكن هذه السيدة في دقائق معدودة حقّقت ما لم يحققه أبي في سنوات، وجدتني ألهج بلغتها في أوج انفعالي منبهرة بمدى روعة ما بجعبتها لا هم لي سوى أن أحملها على مشاركتي المزيد المزيد من فرائدها. بعفوية لبقة استطرَدَت:  قضيت أياما في المشفى كمريضة وكان الأمر أشبه ما يكون بكابوس.. يتمدد الزمن في الليالي هناك و يصبح للوحدة صدى مرعب، علمت حينها الفرق بين أن تلج الغرفة كمريض و بين أن تلجها كطبيب.

الأمر لا يصدق، تجليت في حضرتي بشكل يفوق استيعابي كطبيبة، لم يتسنى لي إلا أن أكون “أنا” بكل أبعادها، تعلمت مذ حينها أن البقاء على إنسانيتي يتعدّى كونه معركة ذاتية نحو عامل قد يرجّح كفة الحياة في معارك أخرى.. الأمر أكبر مما خطّطت له، قالت باندهاش..

دعيني أخبرك بشيء أيتها الشابة.. إن أسخف ما يمكن أن يواجه به أحدنا انكساره، أن يحاول مقاومته.. الانكسارات لا تقاوم، اللانكسارات تُفهم.. الأقوياء لا يلغون ضعفهم إنّهم يرهفون السمع.. يتصالحون معه.

تلك كانت قصة بطلتي البروفيسور بن نعمون في محاولتها لاحتواء حدود اختصاصها، في محاولتها لأن تصبح إنسانا أقوى بمعايير أعمق.. تشبه آلاف المعارك التي نواجهها يوميا في محاولاتنا لتجاوز البرزخ بين ما هو موجود و ما هو الأقرب إلينا..

الأستاذ فيصل بلعطار: الأمر ليس بذاك التعقيد

أستاذ أدب فرنسي في المدرسة العليا للأساتذة بقسنطينة، فنان قاص و كاتب، ماجلاني يجوب العالم في يخت مع طائفة من الملهمين من شتى أصقاع العالم.. في مهمة البحث عن الإنسان.

الأستاذ فيصل بلعطار

كصوفي مستبصر ألقى على مسامعنا قصة السبب، اشرأبت الأعناق لتفصل في خبر الشاب الذي عرضت عليه القوة والثروة والفردوس لكنه رفضها جميعا ولم ترس همته إلا على شيء أعمق، شيء لديه القدرة على أن ينتشله من عبثيته ويبعث في تفاصيله الحياة.. السبب.

قال الشاب: ذاك ما أحتاجه، سببا جوهريا أقتبس منه شغفا كلما طال بي المسير..

السفر علمني أن أرمم الجسور نحو الآخر “الإنسان”

عابرا للحدود السياسية والفكرية يلقن الأستاذ مريديه أن يتحلوا بالشجاعة لمواجهة الآخر، إذا كنت واثقا بما في جعبتك من محتوى فكري اعتقادي وحتى روحي لِم تخاف أن تواجه به الآخر، لِم نبرع في تهميش الآخر وتصنيفه وتشييد الأسوار و الحدود..؟  نحن قوم يفزعنا الاختلاف.

 بدل إلغاء الآخر أو اتهامه أو تصنيفه كتعبير منا عن الخواء الداخلي وعن مدى هشاشتنا.. علينا أولا أن نكون راسخين في العلم حينما يتعلق الأمر بما نعتقد، قال الأستاذ ، ثم أن نتحّلى بالقوة الكافية لاحتواء الآخر دون إخضاعه إخضاعا تعسفيا لمعاييرنا.. نقدك وتحليلك ومسلماتك احتفظ بها لنفسك بينما يمكن لأفكارك أن تتسرّب للآخر عبر سلوكك، فنُّك أو أبسط تفاصيلك، حين تسافر تستشعر مدى أهمية الاحترام في التواصل مع الآخر، إحترام موضوعي دون انبهار و لا استصغار ففي النهاية، كل إناء بما فيه ينضح.

 وحين نحترم الآخر يتسنى لنا أن نتواصل معه، تواصل واع، تواصل انتقائي يجعلنا ننفذ بأسرع طريقة ممكنة نحو الإنسان بداخل الآخر، تلك مهمتنا كرساليين.. أيا كان تخصصه هذا الآخر، أيا كان مذهبه، انتماؤه.. لديه شيء ليعلمنا إياه.. لديه شيء قادر على استقطاب دهشتنا.. وترميم نظرتنا لما يسمى “الإنسان”.. لديه شيء ليضيفه للوحة.

السفر علمني ان أرمم الجسور نحو الآخر “الجماد”

عليك فقط أن تراقبي عن كثب.. التفاصيل لديها الكثير لتقوله لكن ليست كل عين ترى، قال مولانا جلال الدين الرومي.

بنبرة زوربية يستطرد: “الكتب ليست إلّا البداية.. وصفات الفكر المحبوكة تلك لن تمنحك إلا نظرة أولية عما هو موجود لا عن جوهر ما هو موجود”

نحن نبعث الحياة بطريقة ما في الأشياء حين نتفحصها، طريقة استيعابنا لها وللمواقف من حولنا وطريقة احتوائنا لها.. الفطرة فينا أن نعمق هذه النظرة لأن الأولى في البصر أن يرقى به صاحبه لمنزلة البصيرة، كذلك الشأن بالنسبة لكل حواس الإدراك.. استنطاق الجمال في كل شيء يجعل أي تماس لنا مع الحياة ..تماسا منتجا.

ذكرني حديث الأستاذ من حيث لا يدري بفعل القراءة الواعية، قراءة كل ما بوسعه إعمال العقل والوجدان.. إذ قبل أيام في الملتقى الدولي لتدبر القرآن، اعتلت أستاذة ما المنصة وقالت “إقرأ باسم ربك الذي خلق” القراءة والخلق إنهما فعلان متلازمان ” وددت بشدة أن لو أسهبت.. لكنها تعمدت الاكتفاء.

باقي فعاليات التظاهرة

أكمل طلبة الطب دورتهم تحت إشراف الدكتورة هانا آويل وزميلتها مايا فناندر، تم تلقينهم في مدة خمسة أيام مهارات التواصل خاصة مع الأطفال وذوي الاحتياجات الخاصة والخطابة والتخطيط  كما حظوا بتدريبات لتعزيز مهاراتهم الطبية بالإضافة إلى دروس توعوية حول حقوق الإنسان في بعدها النظري والتطبيقي على المستوى الوطني والعالمي.

شكرا بحجم السماء لرفيقة المغامرة الكاتبة حنان منزل غرابة، شكرا لكل السكوربيين والسوكيين الذين رغم المداومات والامتحانات أبوا إلّا أن تتم المبادرة الأولى من نوعها في الجزائر، خالقين جوا وديا منقطع النظير، شكرا للأساتذة الملهمين، شكرا لصديقتي سيرانو دو بارجراك “الشيماء مسؤولة التنظيم” دام عطاؤكم جميعا. فكرة ممتنة لكم..

تعليقات الفايسبوك

3 Comments

  1. أروع مقالة على مجلة فكرة , شكرا جزيلا للكاتبة هاجر دهيمات مزيدا من التألق.

    1. من ذوقك ..شكرا جزيلا لينة

  2. مقال جميل حقاا

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *