رجل على محك الموت: اليأس اختيار الجبناء!

رجل على محك الموت: اليأس اختيار الجبناء!

- ‎فيأفكار تنموية
التعليقات على رجل على محك الموت: اليأس اختيار الجبناء! مغلقة
اليأس اختيار الجبناء - حقوق الصورة: anishاليأس اختيار الجبناء

قبل سنتين، كنت واثنين من زميلاتي في غرفة أحد المرضى بالمستشفى أثناء واحدة من حصص التدريب، كان التشخيصُ يشير إلى أن نوبة الألم الحادة التي أصابت المريض كان سببها تحصٍّ صفراوي (أحد مضاعفات تجمع الحصى في مرارة الكبد)، مما يستوجب لأجلِ العلاجِ جراحةً على وجه السرعة لاستئصالها، سرعةً نسبية على غير ما هو معتاد في مثل هذه الحالات، نظرا لكون المريض متابعاً صحيا على مستوى القلب أيضاً مما يجعل المشكلة الصحية مضاعفة بشكل تعجيزي، فصمام قلبه الاصطناعي لا يسمح له بتحمل نوبةٍ إضافية، وقلبه أضعف من تحمل مخدر قوي لأجل جراحة طويلة.



كان الرجل في الخمسينات من عمره، رجلا من عامة الناس الذين يمكن أن تلتقي بهم في مستشفى حكومي عادي، الجميل في كلّ ما في الحكاية أنه روى لنا يومها الجزء الآخر من قصته الذي لم يكن لِيُسَجَّل في الملف الطبي، النصفَ الثاني المملوءَ من الكأس الذي لم يكن أحد غيره يراه في المكان –لأن المكان مستشفى، ولأن الوضع كان فعلا صعبا جدا-. أخبرنا وهو يروي ما حدث له كم كان رجلا سعيد الحظ، وكيف أنه اهتدى أثناء الحادثة إلى إيقافِ السيارة قبل أن تشتد عليه نوبة الألم، وقبل أن تُغطى عنه الرؤية ويفقد وعيه، وكيف ساعده أحد أهل الخير بعد ذلك مباشرة ونقله بسرعة إلى المستشفى الأقرب لمكان الحادثة. أيّ شخص مكانه كان سيخبرنا -صادقا- أن المشكل الصحي الجديد مخيف بالنسبة إليه، وأنه يعاني بما فيه الكفاية بسبب تعب قلبه ومتابعته الصحية له، وأي شخص مكاني ومكان زميلاتي كان سيستمع إلى الشكوى دون تذمر وبتعاطفٍ فطري، فالمكان مستشفى، والمرض أحد أصعب لحظاتِ الابتلاء التي يمكن أن يتلقاها إنسان على سطح هذه البسيطة. لكن الأيام مرت بعدها وعولج الرجل فعلا وأجريت عمليته بتقنية حديثة لا تتطلب جرحا عميقا، واستُؤصِلت المرارة، ومرّ المشكل الصحي بأهون شكل يمكن أن يمر به. واكتشفنا جميعا أنّ النصف من الكأس الذي لم يكن يراه أحدٌ غيره، كان الكأس كلها، وأنه بعد تلاشي كلّ شيء، بقي شيءٌ واحد كان يحمله الرجل معه منذ البداية، حمله معه في داخله وغادر.

%d8%b1%d8%ac%d9%84-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d8%aa%d8%b4%d9%81%d9%89

عندما ألتقي بأولئك العابسين على مدار الفصول الأربعة، الذين لا يبتسمون مهما حدث، والذين لا يمكن أن تسمع منهم غير الشكوى والتذمر على كل شيء يحيط بهم، أتساءل حقا، المشكلة في ما يحيط بهم فعلا؟ أم في نظرتهم للأشياء في داخلهم أصلا؟ من أكثر المشاكل  تعقيداً أن يكون المرء عابسا كئيبا ثابتا على نفس درجة اكتئابه على تقلّب الأيام، فلا هو سيستطيع تقييم الأزمات الحقيقية، التي من ثوابت الحياة أن تصادفه من وقت لآخر، بمقياس موضوعي، ولا هو قادر على الاستمتاع بلحظات الصفاء كما تستحق اللحظة.

عندما أتذكر الأيام التي قضاها الرجل صاحب الصمام الاصطناعي في المستشفى، لا أتذكره إلا مبتسما هادئا لطيفا جدا، وربما السؤال الذي يجب أن نطرحه قبل أن نتساءل عن مصدر قوة احتماله وصبره التلقائي، هو كيف كان قبل مرضه؟ كيف كان يرى الحياة وهو في حال الرخاء والصفاء؟ وكيف كان يتعامل مع أزماته التي صادفته على طول السنوات الخمسين التي عاشها من قبل؟

الحديث عن الرضا والسعادة والقلب الممتلئ طمأنينة حديث يطول. لكن، بعيدا عن نقاط افعل كذا ولا تفعل كذا، وبعيدا أيضا عما يشبه عبارات أنك جميل ورائع ولا تستحق الحزن. أحيانا أنت تستحق الحزن جدا! وأحيانا كثيرة أخرى ستكتشف بعد فترة أنه لولا مساحة الحزن تلك لما وصلت إلى ما تمنيت الوصول إليه. ما يجب أن تعرفه بشكل لا يقبل المساومة، هو أن الرضا مثل أي رزق، لا تُمطِرهُ السماء مثلما لا تمطر ذهباً ولا فضة، الرضا هبة من الله يمنحها، وهو العادل، لأهلها، لمن تعبوا لأجلها، في النهاية كل ما في الحياة لا يُنال إلا بالكفاح والتعب. حتى الدعاءُ الطويل، الذي يكون بمثابة فتيلِ الشمعة وبداية النور المشير إلى حيث خارج النفق في أحلك لحظات الارتباك المخيف، لن يفعل لك شيئا إن أنت اكتفيت به وبالنوم وبالنحيب، فالله جلّ جلاله إن سألته أن يُعلّمك كيف تواجه الحياة لم يَرُدّك: (أنا عندَ ظنّ عبدي بي) وقال: (ومن تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً) رواه مسلم أما إذا سألته أن يُنزّل عليك من السماء عُلَباً من السعادة وأنت على بؤس ويأس وجُبنٍ أخبرك أنه  (يكره البؤس والتباؤس) أخرجه الحارث عن زهير بن أبي علقمة-

ربما يستحق حزنك اهتماما أكبر، وربما يحتاج جرحك في لحظات الضيق _بدلا من التذمر منه_ أن تنتبه له أكثر، ألا تقفز فوقه وتتجاهله كأنه لا شيء، وأن تعتني به بلطف حتى يبرأ. وربما يستحق الضيق الذي تشعر به بشكل روتيني عندما لا تشكو فعليا من شيء أن تسأل نفسك: هل تفيدك كثرة الالتفات والتمسّك بما يشدك كل مرة إلى أسفل أكثر؟ وهل لم يحن الوقت بعد للتخلص مما يملأ الفراغ بلا جدوى ويُثقِل القلب بلا داعٍ؟

كتاب الكون عامرٌ بالحِكم لمن يريد القراءة ممن يريد أن يتعلم. تعلم من أخطاء الآخرين واستفد من خبراتهم، زر المستشفى، زر مراكز إعادة التأهيل، قابل آباء ذوي الاحتياجات الخاصة، وتأمل ابتسامات الذين يفوقونك محنةً وابتلاءً. واقرأ رسالتها الصامتة الجميلة التي تقول بعمقٍ ودون الحاجة إلى حرفٍ واحد: ” الله واسعٌ كريم.. واليأس اختيارُ الجبناء”.

تعليقات الفايسبوك