لماذا الجزائر لا تقرأ؟ هل نشتري كتابا لنأخذ سيلفي؟ | نكتب لك

لماذا الجزائر لا تقرأ؟ هل نشتري كتابا لنأخذ سيلفي؟ | نكتب لك

- ‎فيقراءة وكتابة
التعليقات على لماذا الجزائر لا تقرأ؟ هل نشتري كتابا لنأخذ سيلفي؟ | نكتب لك مغلقة
الجزائر لا تقرأ

لماذا الجزائر لا تقرأ؟  هل يمكننا الحصول على إجابة دقيقة؟
“لماذا تقرأ؟” سؤال يواجهه كل قارئ، لكنني لم أنتبه لمعناه الحزين حتى جذب أحد الأصدقاء انتباهي للفكرة، فهذا السؤال، وإن كان يطرح بريئا فهو يحمل في طياته تذكار أن القراءة فعل دخيل على هذا المجتمع، أنها أمر غريب يحتاج تبريرات لفعله، فليس من الطبيعي أن تجلس وبيدك كتاب في الجامعة بين الحصص، أو في الحافلة أو في إحدى حفلات الزواج (حسن ربما يكون هذا مبالغا فيه)، أنت عليك أن تبرر الفعل، أن تقدم أسبابا للقراءة، وإن كان جوابي شخصيا هو “لما لا؟” لكن السؤال لا يزال تعبيرا عن كل البعد الثقافي الذي يحمل المجتمع أوزاره. نحن اليوم في مقالنا هذا -وبناء على طلب صديق الصفحة “إسلام ثابت”- لن نناقش ذلك السؤال فقد سئمناه، بل قررنا طرح السؤال المعاكس “لماذا لا نقرأ؟”



لماذا الجزائر لا تقرأ؟ | عائق اللغة

هنالك قصة في كتاب كليلة ودمنة، عن غراب أعجب بمشية الحمامة فحاول تقليدها وما نجح، حتى إذا أراد العودة إلى مشيته الأولى وجد أنه نسيها، وهكذا أصبح للغراب أسوء مشية بين الطيور.
ما الغراب في القصة إلا نحن، شعب طبعت عليه لغة غريبة عنه، فلا هو أتقنها ولا هو ذكر لغته الأولى، وإن كانت اللغة ضعيفة عند الناطقين بها فمن أين نأتي بقرائها؟ كيف نطلب من شخص ما أن يقرأ بلغة لا يفهمها، وكيف نتوقع منه أن يفهم إن حدث وقرأ، المشكل ليس في اللغة العربية وحدها، بل في اللغات الأخرى كذلك، بيد أن حتى المتمكنين من اللغة العربية قد يجدون أنفسهم أمام عدة حواجز بانتظار ترجمات قد لا تأتي أبدا إن لم يعلموا أنفسهم لغة أخرى إلى جوارها، وهنا لا بد من طرح تساؤل: كيف لشخص قضى اثنتا عشر سنة يتعلم العربية (إلى جانب أنها لغته الأم فرضا) وتسع سنين في تعلم الفرنسية، وسبعة في تعلم الإنجليزية ألا يتقن أيا من اللغات السابقة؟

النظام التعليمي

علّنا جميعا نذكر ذلك المشهد أمام باب الثانوية عند نهاية كل عام عندما يعمد التلاميذ إلا تمزيق كراريسهم احتفالا بنهاية السنة، وهو مشهد يدمي القلب ويعبر بمثالية عما تعلمنا إياه أنظمة المدارس، “كيف تنجح في الامتحان”، فهؤلاء التلاميذ لم يعد لكراريسهم أي معنى لديهم بعد الامتحان، ما عاد العلم الذي تحويه -والذي قضوا السنة كاملة في تحصيله- كافيا ليشفع لها كي تبقى سليمة لأكثر من بضعة دقائق بعد نهاية العام الدراسي، وأكاد أقسم لو سألت أحدهم صبيحة اليوم الموالي عما كان في امتحان الأمس ما أجابك. نحن تعلمنا كيف نخدع النظام، كيف نحشو عقولنا مؤقتا ونردد كالببغاوات ما يكفي للنجاح، لكن هل أحببنا ما كنا نقوم به؟ هل تعلمنا شيئا يمكن أن نذكره اليوم؟ هل يمكن لأي منكم أن يخبرني ما هو القانوني الثاني لكبلر، أو يعدّد لي المدارس الفلسفية الأكبر؟ أن يخبرني من هو الرئيس المسؤول عن مخطط حرب النجوم؟ من هم شعراء التوجه الرومنسي؟ هل يمكن حتى أن يذكرني أحدكم من هو جون بول سارتر (أستغرب فعلا حين يخبرني زملائي أنهم لا يعرفونه بعد أن قضينا سنة الباكالوريا نردد اسمه!)



الدراسة

نحن نسينا أغلب ما تعلمناه إن كنا تعلمنا شيئا بالفعل، وعلى هذا الأساس ولد جيل لا يقدر التعلم، لا يحترم العلم، لا يرى ضرورة لصقل عقله مادام لا يوجد امتحان ليحاسبه على ذلك، فلماذا تراه يرهق عقله بالقراءة في الفلسفة أو التاريخ أو الفيزياء المعقدة مادام لن ينال علامة على ذلك؟

وتبقى المصيبة الأكبر، هي حين يصبح من “تعلم” بهذه الطريقة أستاذا، وعلي وعليكم السلام هنا! ففاقد الشيء لا يعطيه، أستاذ لا يقدر العلم، كل ما لديه أخذه تلقينا بلا حكم أو نقد ولا محاولة للتوسع، لو سألته عن شيء خارج البرنامج أو بعيدا عما لديه ضمن الورقة التي حضّرها في يده لاحمرّ واخضرّ وصرفك (وما أكثر هؤلاء الأساتذة مع الأسف، وإن كنت لا أهمش الأساتذة الأكفاء الذين لهم مني كل احترام)، وأي نوع من التلاميذ سيخرجه لنا هؤلاء؟ آلات تردّد بلا فهم غير قادرة لا على الإبداع ولا على التعلم، وكيف نتوقع من آلة أن تقرأ أو تفهم شيئا لم تبرمج عليه.
البكالوريا نقطة للوصول أم جسر للعبور؟

القراءة كموضة

أتتبع كما لا بأس به من صفحات القراءة الغربية ولم أر قط منشورا يقول “القارئات هن الجميلات” أو “تزوج من فتاة تقرأ”، لم أر في حياتي يابانيا وضع صورة يده بجوار كتاب، وكتب “أوكيناوي يقرأ” ثم نشرها على مواقع التواصل الاجتماعي. لماذا؟ لأن القراءة لدينا موضة، شيء يدعو للتفاخر، لكنها لديهم ضرورة، جزء من الروتين اليومي.

الرواية

لماذا الجزائر لا تقرأ؟ 
هذه الفكرة لدينا هي نفسها ما منحت القارئ العربي تلك النظرات الغريبة التي يتلقاها إن قرأ في الأماكن العمومية، كما لو أنه يتفاخر على من حوله، كما لو أنه يصرخ في الآخرين “أنا جزء من الطبقة العليا، أنا مثقف، أنا أفضل منكم جميعا”، أغلب القراء العرب متضررون من هذه الصورة، لكنهم أنفسهم (أو أغلبهم) ساهموا في بنائها بتلك الأفكار السطحية التي يقومون بالترويج لها، مما خلق كما لا بأس به من أشباه القراء، أكاد أقسم أنهم غطوا على القراء أنفسهم، أشخاص يشترون الكتب لأنها تلائم ديكور البيت، يتصورون معها لتنشر في الصفحات، يحبون كتبا لمجرد أنه من “الجيد” أن تحبها (وأكاد أقسم أن أغلبهم لم يقرأها) ويكرهون كتبا لمجرد أن الرأي العام يكرهها (هنا أنا أقسم فعلا أنهم لم يقرؤوها)، تذكرت الآن حادثة تركت بعدها مجموعات القراءة العربية كلها: قامت فتاة في إحدى منشوراتها بعرض قول نسبته للفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه، الآن بغض النظر عن أن الفيلسوف لم يقل قط ما نسب له، فقد كانت طريقة عرضه أكثر استفزازا: “أنظروا ماذا يقول الفيلسوف الملحد المعادي لكل الأديان…”، وعندما أشرت إلى أن عدم قراءتها لمؤلفات الرجل يفقدها الحق في انتقاده..

%d8%a7%d9%86%d8%b4%d8%aa%d8%a7%d9%8a%d9%86

كما أنه لا يجوز تقديم شخص ما بتلك الطريقة، خصوصا إن لم تعرف عنه إلا اسمه (لست أدعو لمساندة الرجل لكن إلى عدم الانتقاد بلا معرفة، فالانتقاد عن علم مرحب به دوما)، إنهالت علي اللعنات فدعوني بالملحدة (كما لو أن اختلاف المعتقد أمسى سُبَّة) وبالداعية لقراءة مؤلفات سيئة، وأوصاف ما كنت لأدرجها في مقالي من أشخاص لم يقرؤوا للرجل كتابا واحدا، الشخص الوحيد الذي تحدث معي باحترام كان شخصا مطلعا على كتابات نيتشه ووافقني في أن القول لا يمكن أن يكون له مع أنه لا يوافق آراءه، وهذه حادثة من مئات الحوادث الأخرى التي نراها جميعا في ذلك النوع من التجمعات، فمن انتقاد كتب لا نعرف عنها شيئا، إلى ترديد أفكار كاتب ما كالببغاوات ومنشورات من مثيل “حجابي سر سعادتي” و “هل تقبلين أن يكون مهرك كتاب؟” فكتب الغراميات وأفكار المؤامرة التي تظهر عشرين مرة في اليوم، لست أخبر الناس ما عليهم أن يقرؤوا، لكنني أتمنى فعلا أن نوقف مهزلة موضة القراءة هذه، فالقراءة كشرب الماء لا سبب يدعوك للتفاخر بها على الصفحات، وبالتأكيد لا داعي للتظاهر فهذا لا يفعل شيئا غير إكساب الفرد رضا زائفا عن نفسه سيمنعه من أن يقرأ فعلا.
الرواية: موضة أم مصدر للثقافة؟

الخوف من التغيير

الأفكار كالمياه، إن بقيت محبوسة لمدة طويلة صارت عكرة، لذلك من المهم أن تطلع على أفكار جديدة دائما، من المهم أن تقرأ ما تخاف منه، ما يخالفك، ليس لتقتنع به (وإن كان هذا واردا جدا) بل كي تملك حجة عن سبب مخالفتك له، أغلبية المجتمع تعادي نظرية التطور مثلا، ولكنها ستصمت في أول نقاش للنظرية، لذلك على الأقل إعرف ما تعارض، إقرأ كتبا محايدة عن النظرية، على الأقل إقرأ كتاب “أصل الأنواع” نفسه، وبعدها لك أن تعارض ما تشاء، وستكون عارفا بما تنتقد، الأمر ينطبق على كل شيء آخر، أفكار إبن تيمية مثلا، فلنقل أنك تعارضه، حسن لك ذلك، لكن ماذا قرأت له كي تعارض؟ ما هي حجتك إن لم تكن كلام منتديات؟
إن جهلك بفكرة معينة يفقدك الحق في معارضتها، فتوقف عن حبس نفسك في قوقعتك خوفا من التغيير، فالتغيير لا بد منه، إما للأفضل أو للأسوأ، وإن كنت محافظا على آرائك لأنك تخاف من أن تسمع غيرها فهذا يسمى جهلا وليس اقتناعا. كتبت مقالا سابقا على مجلة فكرة عن المثلية الجنسية، وتلقيت قدرا لا بأس به من الأوصاف التي لا أحبذ تكرارها من أشخاص لم يقرؤوا المقال حتى، فهل هو الخوف من أن تتغير أفكارهم حول الموضوع إن اطلعوا عليه أكثر؟

How to be a successful writer
توقفوا عن الخوف من كل ما لا يوافقكم، فلن تجدوا بعد هذا إلا السب والشتم والشخصنة (مغالطات منطقية: 24 مغالطة لا ترتكبها في النقاش) لتهربوا من كل رأي معارض، ولا أحسبني إن شتمتك حين تقول أن الليل أسود سيغير هذا لونه إلى الأرجواني.
إقرؤوا عما تتبنونه كي تعرفوا لماذا ترونه صوابا، واقرؤوا عن الفكرة التي تعارضونها كي تجدوا حجة لمعارضتكم لها، والأهم لا تخافوا من التغيير إن وجدتم أن آراءكم ما عادت مقنعة بخصوص موضوع ما، ففي النهاية، آمن البشر كلهم يوما ما أن الأرض مسطحة، فأين كنا لنكون الآن لو رفضوا جميعهم التغيير!
أشباه المثقفين على مواقع التواصل الإجتماعي

العجرفة

“مشكلة العرب أنهم يعتقدون أن الدين أعطاهم كل العلم! عرفت شخصا لمدة عشرين عاما، ولم يكن يقرأ إلا القرآن. بقي هو ذاته، ولم يتغير”، هذا ما قاله المستشرق الياباني نوبواكي نوتوهارا في كتابه “العرب وجهة نظر يابانية” بعد قضائه أربعين سنة تجولها في البلاد العربية.
لست أنتقد الدين، ولا السيد نوبواكي نوتوهارا فعل ذلك، لكن المقصود هنا هو فكرة الاستعلاء على التعلم، كيف وصلت بنا العجرفة أن نؤمن يوما ما أننا شعب الله المختار على الأرض وبذلك فنحن نعرف كل شيء ولا حاجة بنا للتعلم.
نحن نملك كل العلوم في أدياننا فلا حاجة للقراءة والبحث، نحن نعرف كل شيء ومع ذلك نتعالج بأدوية أتى بها “الغرب الكافر”، ندرس مناهج ألفها “الغرب الكافر”، نستخدم آلات صنعها لنا “الغرب الكافر”، وننشر مفاخراتنا بمعرفتنا المطلقة على شبكات تواصل اجتماعي يديرها “الغرب الكافر”.



العباقرة: أشهر 8 شخصيات قرّروا قتل أنفسهم
العباقرة: أشهر 8 شخصيات قرّروا قتل أنفسهم

إنه أمر محزن فعلا.. رأيت في إحدى صفحات القراءة العربية في شهر رمضان تحديا للقراءة، وتم عرض كتب مختلفة، ليصرخ المعلقون أن رمضان شهر لقراءة القرآن، كما لو أن الجمع بين الاثنين مستحيل. رأيت أشخاصا يسألون عن كتب علمية ليجابوا بأن قراءة كتاب الله تكفيهم! لقد قضينا أربع عشرة قرنا نقرأ في كتاب الله وهو أمر جميل، وما أجمله لو جمعنا بين الدين والعلم كليهما، لاحظوا معي أننا لم نتقدم ونبني حضارة إلا في العهد الذي قرأنا فيه كتبا أخرى بجواره، فالقرآن في حد ذاته لفهمه نحتاج إلى قراءة التفاسير، قد تجعل من القرآن أسلوب حياة ومرجعا أخلاقيا، لكن لا توجد الرياضيات في القرآن ولا قوانين الفيزياء لنصنع مركبة فضائية ونجاري العالم، عصرنا الذهبي لم يأت إلا في العهد الذي نقلنا فيه كتب الإغريق “الكفار” وتعلمنا منها، لم يقل إبن الهيثم حينها لن آخذ من أرسطو لأنه قائل بالدهرية، لم يقل الرازي يكفيني كتاب الله شفاء ولا أحتاج للطب، لم يقل الخوارزمي لن ألمس كتب إقليدس فهو وثني، لم يقل أحد لنبني مساجد جديدة بدل صرف المال على بيت الحكمة، لم يقل أحد يكفينا القرآن لنعرف كل شيء، لم يقل أحد يكفيك أن تدرس الدين ليكون لك الحق بالحكم في كل المسائل، لكننا نقولها اليوم بعد ستة قرون، نقول يكيفك أن تقرأ القرآن وكتب التابعين، نقول لا تقرأ لهوكنج وسارغان فهما ملحدان، نقول لا تتحدث عن إنجازات نيوتن وأينشتاين فهما كافران ولنا ما يغنينا عنهما، لكن العلم لا يجزأ على أفراد فلا وجود لعلومنا وعلومهم، يوجد العلم، ومن يرغب في التعلم. وهذا هو الفرق بين ما كان وما صار، العجرفة والعلم لا يجتمعان في فرد واحد، نحن لا نعرف كل شيء، ولا نملك كل شيء، ونحن بزعمنا هذا نكسر الحدود البشرية، لا يوجد بشر يعرف كل شيء، لكننا نحاول أن نفهم ونعرف كل ما نستطيعه على الأقل.



وفي الختام، أدعوك إلى أن تقرأ… لأن الحياة أقصر من أن ترى فيها كل شيء، لأنك ستعرف شخصا فيك لم تكن تعلم حتى بوجوده، إقرأ لأنك مدين لمجتمعك بهذا، مدين لكل من ضحوا لأجل المعارف الموجودة في تلك الكتب كي تصلك، لأنك مدين لنفسك بهذا، فشعب يقرأ، هو شعب حر، شعب لا يستعبد ولا يغسل دماغه، شعب يقرأ هو شعب لا يظلم ولا يجوع.

المقال جزء من مبادرة #نكتب_لك في إجابة على سؤال صديق الصفحة إسلام ثابت “لماذا الجزائر لا تقرأ؟
أنتم أيضا يمكنكم أن تشاركونا آراءكم حول المقال في التعليقات وتطرحوا أسئلتكم لنجيب عنها في مقالات قادمة.
نقترح عليك قراءة هذا المقال: سبع حيل لتجعل القراءة فنّا ممتعا

تعليقات الفايسبوك