العمل التطوعي ليس إطعاما للجوعى فقط | أفكار جادة لانتشال الغباء

العمل التطوعي ليس إطعاما للجوعى فقط | أفكار جادة لانتشال الغباء

- ‎فيمجتمع وأخلاق
2992
3
العمل التطوعي

الله جل في علاه جبل النفس البشرية على حب فعل الخير و العمل التطوعي منذ الأزل، فأنزلت الديانات السماوية واحدة تلو الآخرى لتعزز هذه القيمة الشريفة في نفس الإنسان وتدفعه لبلوغ أعلى المراتب من خلالها، كيف لا وأكثر الأمم تحضرا وتطورا قد عرفت أن أفضل استثمار هو استثمار الطاقات الإنسانية وإطلاق العنان للإيجابية المنبثقة من باطنها.

منذ فترة كنت قد اعتكفت أمام حاسوبي من أجل إنجاز مذكرة تخرجي الموسومة بدور الفيس بوك في نشر ثقافة العمل التطوعي لدى الشباب الجامعي، وسرت فيها مسار أي باحث علمي وصولا إلى الجانب الميداني، كان عليّ البحث عن أهم حملات العمل التطوعي التي انتشرت عبر الفيسبوك وكانت كلها تبدو نمطية تقليدية: مساعدة المحتاجين، زيارة المرضى، تنظيف المقابر، إغاثة المنكوبين، بيد أني صادفت مشروعين خيريين تجاوز فيهما أصحابهما النمط المألوف، مازلت لليوم أستشعر في روحي ندبة أحدثتها رجفة الإنذهال آنذاك، البعض وصل لدرجة من الوعي جعلته يبدع في ما يقدم للانسانية، كان يسأل عما تحتاجه في حين تساءل الآخرون: هل تحتاج؟ وشتان بينهما.

“الإبداع يتطلب الشجاعة في التخلي عن الثوابت” ايريك فروم.

أول ما يلمحه الدارس لهذين المشروعين أن المتطوعين فقهوا أين تكمن أزمة الانسان واحتياجاته، ليس في الخبز والمأوى الذي يلهث خلفهما هذا الشعب المخدوع، إن أفضل مشروع خيري يقدمه الإنسان للإنسان هو إغاثة عقله.

شباب عين البيضة الناشطين على صفحتهم  كانوا قد أدركوا أن المريض لا يحتاج للدواء فقط، فقاموا بتأسيس مكتبة لمرضى الأورام (قسم النساء) بأحد المستشفيات في المنطقة، لا أعرف كيف كانت ردة المريضات هنالك وهن تشاهدن ميلاد عاطفة جديدة يتضامن بها أحدهم معهن، لكني أعي جيّدا أيّ حياة تمنحها لنا الكتب وكيف تنتشلنا من ضعفنا إلى حيث أجرام الجمال والنشوة.

وكنت قد عثرت أيضا على صفحة لشباب من تيزي وزو “L’école des réfugies” يعمل أصحابها على تقديم دروس للاجئين الأفارقة، في اللغة اللاتينية -كما كان يبدو في الصور- تظهر مجموعة من الشباب ببشرة بيضاء يساعدون أطفالا سمرا في تلوين رسومات تارة وتارة أخرى يظهرون واقفين أمام لوحة تدريس في الشارع يلتم حولها شباب في مثل سنّهم أو أكبر ممن هربوا قبل أن تحصد الحرب أرواحهم.

أتممت بعد فترة بحثي وبقيت تلك القيمة الانسانية العظمى الذي تفرد بها هؤلاء الجزائريون دون غيرهم من الشباب، عالقة في ذهني، الأمر تعدّى بالنسبة لهم كونه عملا صالحا يجازي به الله ولو كان مثقال ذرة، هؤلاء أظهروا ثقافة العمل التطوعي بحلّة جديدة تغنيهم عن التفكير في الأثر الفوري لها ذلك المتمثل في ابتسامة أو دعوة في ظهر الغيب إلى أبعد من ذلك ما قد يظهر بعد سنين في صورة مجتمع متحضر.

تلك الشعوب التي سبقتنا حضارة وفكرا كان تعريفها للعمل الإنساني غير تعريفنا نحن الذين علّمونا أن العمل التطوعي تبرع وأن التبرع أكل ولباس، في حين عرّفوهم هم بأنّه حياة، وعلى سبيل المثال فقط ألمانيا التي فتحت أبوابها للاجئين السوريين لم يكن الأمر عبثيا البتة، هي تدرك تماما أن الشعب السوري أكثر الشعوب العربية نشاطا وإجادة لحرف متنوعة، ألمانيا الذكية تعرف كيف تستثمر مشاريعها الخيرية، في حين ما نزال نحن نتعامل مع اللاجئين كجوعى.

نصيحة هامة: العمل الخيري لا يحتاج بالضرورة أن تنفق مالك، ولا أن تستهلك جهد عضلاتك، قد يتطلب منك (تخمام) فقط!!

العمل التطوعي: إليكم بعض الأمثلة حول بعض الأنشطة التطوعية المبتكرة

– إكفل طالبا يدرس تخصصا صعبا يحتاج إلى نفقات، على سبيل المثال يمكنك التوجه إلى كليّة الطب والتحدث مع طالب تثق فيه ليدلّك على صديق له يحتاج المساعدة لإنهاء سنواته الدراسية، ستشعر بأثر عظيم في نفسك، أنك ساهمت في تخرج طبيب! الأمر ليس مكلّفا جدا، ربما بضعة آلاف الدنانير شهريا ستكون سندا ممتازا له.
– وأنت تقرأ هذا المقال على الأرجح أنك صاحب مستوى ثقافي مقبول على الأقل ما جعلك تواصل قراءة المقال إلى هذه النقطة، يمكنك أن تفكّر في تخصيص بضعة ساعات لتديرس أبناء جيرانك محدودي الدخل، سيذكرونك بالخير دائما، وستشعر بالفخر حين تراهم قد حققوا شيئا في مستقبلهم.
– حسنا.. شيء آخر لا يتطلب إلّا القليل جدا، إبحث عن كتاب ذو قيمة معرفية جيّدة ثم ابدأ تسجيله بعد أن تتأكد أن لا وجود لنسخة صوتية منه على الانترنيت، يمكنك الاستعانة بصديق مكفوف بسؤاله عن أي كتاب يحبّذ أن تقرأ له..
– تطوّع لهذه المجلة التي تقرأ سطورها الآن.. لن يتطلب منك الأمر أن تضع أموالك في جيوب مدير المجلة، فقط يمكنك رعاية فكرة إبداعية ما، كأن تموّل مسابقة لأجل الشباب المبدعين.. على سبيل المثال: يمكنك أن تقترح على طاقم المجلة أن ينظّموا مسابقة حول أحسن عمل تطوعي وتكون أنت اليد الخفية التي تكرّم الفائزين.
– الأفكار التطوعية المبتكرة مصدرها تفكيرك الإبداعي.. إستحدث أيّة فكرة إيجابية تستطيع العمل عليها لإحياء العمل التطوعي ، لكن فقط أرجوك:

إذا لم تكن قادرا على بذل ابتسامة فتوقف عن التكشير والعبوس في وجوه من تقابلهم.

تعليقات الفايسبوك

3 Comments

  1. Avatar

    موضوع رائع وافكار جميلة جدا، ذكرتني بشاب اجنبي يحب مساعدة الناس، فكان يسال كل من يقابله حتى لو لم بعرفه ابدا اذا كان يحتاج مساعدة ما في اي شيء. كنت دائما اقرا ان التطوع احد طرق الشفاء من الامراض العقلية. يعطيك الصحة بشرى

  2. Avatar

    عبد الحق

    من المقالات التي تجبرك على ان تضع لنا ردا وابتسامة عضيمة مقالة تحفيزية رائعة تنقولون هذه المجلة الى مصاف اكبر و اعلى . . . رقي افكار وكلمات . . . الشكر لكل من يساهم في جمع هذه الاقلام واخراجها بهذه الصورة الرائعة . . . دمتم رائعين وموفقون بإذن الله . . .

  3. ‎تنبيهات ‫:‬ العادة السرية: هل هي مفيدة للصحة فعلا؟ | بين العلم والخرافات

‎التليقات مغلقة‫.‬