المعريفة: ضياع الحقوق وموت الانسان | المحسوبية

المعريفة: ضياع الحقوق وموت الانسان | المحسوبية

- ‎فيمجتمع وأخلاق
1837
التعليقات على المعريفة: ضياع الحقوق وموت الانسان | المحسوبية مغلقة
@مجلة فكرة - IDEA Magazine
المعريفة

المعريفة: عبارة من اللهجة الجزائرية بمعنى أنك بحاجة لمحسوبية.

لازملك المعريفة” هذه الجملة هي واحدة من مسببات الحساسية الاجتماعية التي أعاني منها منذ مدة، حساسية تفاقمت بشكل رهيب منذ دخولي الجامعة العام الماضي. ذلك لأني فشلت في أن أجد أي فقرة في الدستور الجزائري تنُصُّ على أن المرء عليه أن يعرف فلانا في كل مصلحة إدارية حتى يعامل كإنسان، ناهيك عن أن تتم خدمته وقضاء مصلحته! ولازلت –كأغلب المواطنين هنا- أفشل!

المعريفة حتى في بطاقة التعريف!

فمثلا بطاقة التعريف الوطنية، حق من حقوق المواطن المكفولة في الدستور، يستغرق استخراجها ربما 48 ساعة لكن هذه المدة تقصر وتطول على حسب عدد الأشخاص الذين تعرفهم في الدائرة.  في مصلحة الخدمات الجامعية أيضا، سيرفض العاملون -رغم أن ذلك يسهل عملهم- أن يضعوك مع زميل من اختيارك وأنتما متتاليين في طابور الانتظار لأنك لا تعرف أحدا منهم، لكنهم لن يجدوا حرجا في إفراغ غرف فردية لتلاميذ لم يكلفوا أنفسهم حتى عناء الحضور؛ فقط خدمة لفلان وصديق فلان. هذا وقوارير الدواء التي يحتاجها مريض مستعجل في المستشفى، والتي كانت لحد الساعة مقطوعة، تصبح متوفرة بلمح البصر وبسحر لا يستطيع الأشخاص العاديون مثلي تحمل كلفته؛ فورما يحتاجها السيد الفلاني. كما أن مـِنَح المتفوقين في الشهادات الثلاث والمتميزين في الأنشطة الرياضية تتغير قيمتها، تمنح أو لا تمنح؛ حسب هوية المكرمين والممنوحين، فابنة السيد اكس قد تحصل على رحلة لبلاد أجنبية مقابل معدل 7 من عشرة، أما ابن شخص ليس سوى إحصائية ما، المتحصل على 10 من 10 قد يتحصل على محفظة، ليتها جيدة الصنع حتى! مسابقات التوظيف في جميع القطاعات؛ مقاعد الدراسة في أيما تخصص دون استثناء؛ المقاعد في الطائرات؛ مواقيت الرحلات وعددها؛ السكنات الاجتماعية الممنوحة؛ جوازات الحج والمقاعد في العمرة؛ بطاقات الإعفاء من الخدمة الوطنية، الحليب وحتى القهوة (كما أشار إليها اليها الدكتور كريم بوقمرة في كاريكاتور سابق على مجلة فكرة) كلها تعتمد على الأشخاص الذين تعرفهم ووزنهم هناك. ولا شك لدي، كائنا من تكن، أنك على الأقل كنت مثالا هنا، في يوم ما.

الإشكالية لا تتوقف عند الوساطة في حد ذاتها، بل في أن معتنقيها.. يعتبرونها وسيلة استرجاع الحقوق الضائعة وأنهم بحكم حياتهم البائسة “يستحقون” هذه التسهيلات، الإشكالية أنهم يبررون ذلك كأنما يقنعون العالم أن هذا الأمر طبيعي وعادي: كأَنْ تقتل أنتَ عصفور أخيك مثلا لأن الدنيا مليئة بالعصافير، ولأن الناس جميعا يقتلون. وهذا خطأ!  وفكرة أن أشرح لماذا ذلك خطأ بحد ذاته أمر فظيع!  إنني وقلبي يعتصر، أعجز عن مواجهة أشخاص لم يتحصلوا حتى على شهادة الباكالوريا يشغلون مناصب لا يحلم بها الباحثون الذين حفظتهم المخابر وقاعات المحاضرات لسنوات، ثم يفتخرون بذلك على أساس أن محنتهم الدراسية انتهت بهم في مراتب أعلى من المتفوقين. كم أراهم صغارا، أولئك الذين يسردون نجاحاتهم الشخصية والمهنية، وقصص ترقيتهم وصعودهم السلم درجة درجة، ليختموها بقولهم “لتفعل مثلي، لازملك المعريفة”، كأنما أصبحت وسيلة شرعية قانونية للتقدم. كما أنني أخاف على بلاد 70% من موظفي قطاعها العمومي معينون محاباةً[1]، وأخاف أن يلهمني مدرس أو ممرض، لأنه ولربما حصل على منصبه مجاملةً ومحاباةً.  هذا ويخنقني – وكثير من أبناء شعبي- الأشخاص الذين لا يرون سوى أنفسهم: منصب الجندي الذي أدخلت فيه ابن أخيك كان ليكون لطفل ينقذ أمه وإخوته اليتامى من معيشة الفقر المُكَفِّـــرة. وعملية صديقك التي تدخلت لتسريعها في المستشفى الجامعي، كانت على حساب مريضة عشرينية وحيدة أمها، توفيت دقائق قبل موعدها الجديد، هنيئا لصديقك الذي سمّى الأمر “قدرًا” ولكَ أنت الذي توافقه. وحتى علب الحليب التي خبأتها لجارك يوم انقطع الحليب، وحرمت منها ذلك اللاجئَ؛ فإنه لم يمت من الجوع جسديا، لكنه مات ألف مرة كلما سمع دموع أبناءه جوعا. كيف لأبٍ أن يشرح لرضيعه، أنه ليس صديق بائع الحليب!

هذه المنظومة العفنة التي بُنيت عليها الإدارة اليوم، والتي تدوس بأقدام من حديد على الكفاءات الدراسية للشباب وتقتل مواهب مدفونة قبل أن ترى النور حتى، تشعرني بالقرف العظيم: قرف من ازدواجية المعايير، قرف من القوة الجائرة في يد الجاهلين وقرف من ضياع خلقي خالص. فكيف لنفس الشخص الذي استنكر أولئك الذين حرموه منصبه في الدكتوراه ألا يتردد ولو للحظة حين يتصل بأخيه ليسهل عملية استخراجه لوثائق، وكيف للأم التي سُرقت أحقيةُ ابنها في الحصول على سكن اجتماعي أن تنسى دعواتها عليهم حين يتعلق الامر بقبول ابنها الآخر في المدرسة العسكرية، كيف لها ألا تخاف دعوة أم مجروحة مثلها! شعب عاطفي نحن، هكذا كان يقول أبي، إننا نكره الفساد الإداري والمحسوبية المتفشية في كل مكان هنا، إلى أن نحتاج أحدهم في خدمة ما فيصبح الأمر مقبولا، ثم يعود لكونه أمرا خطأ إلى المرة القادمة والقادمة… لتجد الناس تدور في حلقة مفرغة من الضياع. كانت الحلقة لتنتهي لو وضع كل شخص نفسه مكان الآخر، وسأل سؤالاً واحدا: ماذا لو كنت أنا؟ ماذا لو أنني أعطِّل شخصا آخر، وكان هذا الشخص أنا! ماذا لو أن الشخص الذي أخذت مقعده في الطائرة لن يستطيع رؤية أبيه المحتضر في الموعد المحدد، وكان ذلك المشتاق  للأبد أنا! ماذا لو أنني فقط بالتحاقي بهذه الكلية -ولو كان كل ما ينقصني ربع نقطة- أحطِّم حلم شخص آخر، هنيئا لأولئك الذين يصبرون على تحطيم أحلام الآخرين!

في قصيدة “إن أردنا”،التي أرى أن نحفظها اليوم قبل الغد، يقول محمود درويش:
سنصيرُ شعباً, إن أَردنا, حين نعلم أَننا لسنا ملائكةً وأَنَّ الشرَّ ليس من اختصاص الآخرينْ.

 أظن أن هذا ما أحاول أن أقوله أنا أيضا، وأن هذا ما يريد أن يقوله المضطهدون مثلي، لأن إشكالية المحسوبية ليست إشكالية شخص آخر أو شعب آخر بل هي مشكلتي أنا وأنت وصديقتي وصديقك والجميع، إشكالية شعبنا نحن! نحن الشعب، المهضومة حقوقنا بالمحسوبية، لكننا لا نمانع أكل حقوق الآخرين بنفس الملعقة. وأنا أتفهم بكل كياني الزوايا الضيقة التي تحشرنا إليها الحياة أحيانا، والتي تبدو المحسوبية كمخرج واسع منها، بينما هي في الحقيقة ليست سوى حل مؤقت لا جذري.الشفاء الحقيقي للأمة لن يكون إلا بتنازلي أنا اليوم، وأنت غدا، وغيرنا وغيرنا، إلى أن تعود “المعريفة” الى تعريفها الحقيقي: عملا مشينا نادرا واعتداءا على المبادئ السامية كلها، وفسادا إنسانيا حادا. الحل الجذري سيكون بتضحيات كبيرة، لكنها في تصوري النهائي المثالي للعالم دون محسوبية، تضحيات جديرة
! أعيد في النهاية قولي أن الأمر خطأ، بكل المقاييس خطأ؛ وأن الطريق نحو التطهر من عفن المحاباة هو الإيمان فعلا، بأن التغيير يبدأ منا نحن، لأننا في النهاية لسنا ملائكة؛ والمحسوبية ليست (ولم تكن يوما) شرا من اختصاص الآخرين.

[1] الاحصائية سجلها المكتب الوطني للرابطة الجزائرية للدفاع  لحقوق الإنسان سنة 2015، نشرت في جريدة الإخبارية الجزائرية.

كاتب الموضوع: سلمى دباش.

تعليقات الفايسبوك