كيف نُبعِد أنفسنا عن وباء الغباء | تعطّل المنطِق تحت المجهر

كيف نُبعِد أنفسنا عن وباء الغباء | تعطّل المنطِق تحت المجهر

- ‎فيإستخدم عقلك
1657
التعليقات على كيف نُبعِد أنفسنا عن وباء الغباء | تعطّل المنطِق تحت المجهر مغلقة
الغباء

قصاصة من الذاكرة:

من الأحداث التي تذكرني بأيام الدراسة في السنة الرابعة من المتوسط، ذلك الوافد الجديد الذي أدخله المدير علينا في أول يومٍ من الفصلِ الثاني، كانت فتاةً مُحوّلة من مدرسة ثانية من المدينة لأجل أن تُتم بقية السنة الدراسية معنا. تساءلتُ وقتها بفضول الخائف: لماذا يا ترى الآن في منتصف العام؟!. قضت صديقاتي في الصفِّ اليومَ الأول يتهامسن على مدى جمالِها في غلاف مدى غرورها بما تظنّه جمالا وهو ليس سوى عينين خضراوين قبيحتين كعيني القطط! البائس في الأمر أنهن كنّ يضفن إلى ذلك أنها لم تأت إلى مدرستنا إلا لكونها متفوقة جدا لم يُرضها ما يبذله أساتذتها السابقون، فلاذَت بما سمعته مما يشاع بأننا مدرسة تُسخّر أفضل الأساتذة للتلاميذ المقبلين على الشهادة. ديدَنُ صديقاتي واتساع مخيلاتهن أعرفهما. لكنني لطبيعة الواقع لم أكن لأكذبهن. كلامهن كان مطابقا لحدسي، وهذا كان كافيا لأبتلع خوفي المتضاعَف على رُتبتي، وأكتفي بـ “آه.. حقا؟!” بنبرة لا مبالية حينا من الزمن.

لم أصبر طويلا، تقرّبت من الفتاة من باب التعرف وأنا أُخطط للسؤال الصريح. لم تكن الفتاةُ مغرورة أبداً، كانت على العكسِ من ذلك طيبةً بسذاجةٍ تجعلها تفتح قلبها على مصرعيه لأي شخص يبتسم وهو يقول كيف حالك! أخبرتني أنّ والدها رائعٌ ومتفهم جدا لأنه هو من حرص على إحضارها إلى مدرستنا لتهتم بدراستها كما يجب بعيدا عن القيل والقال. بيد أنّ والدتها قاسية في كثيرٍ من الأحيان، إذ أنها لا تزال مضرِبةً عن النظر في وجهها بعدَ ما سمعته عنها مؤخرا. إنها لا تفهمها، ولا تضعُ أيّ وزنٍ لمشاعرها النبيلة جدا تجاهَ صديقها النبيل جدا هو أيضا، لولا أنّ الناس لا يعرفون عنه سوى أنه تاجر تبغٍ وصاحب سوابقٍ ذي سمعة معطوبة. مع أن قلبه في الواقع طيّبٌ جدا، وأبيضُ جدا، ويحبّها جدا أيضا!. لكن هم (الآخرون الأنانيون) لا يصرّون للأسف سوى على ألا يعرفوه على حقيقته!. قالت كل هذا رغم التأثر بسلاسةٍ وكأنه درس تاريخٍ تحفظه عن ظهر قلب! دون توقفٍ وبدون نبرة تعجب واحدة. لم أكن قادرة على استيعاب ذلك كله لهول صدمة الفرق بين ما جئت لأجله وما سمعته. لكنها كانت تؤمن بيقين بكل ما قالته لدرجة جعلتني لا أكرر خطأ (الأنانيين الآخرين) الذين نصحوها، وألوذ بصمت مطبق حتى لا يظهر على ملامحي كل ذلك الكم من الدهشة وعلامات التعجب.

كم عدد أشباه صديقتي الذين يحيطون بك؟!:

 لاشكّ وأنك التقيت من قبل بشخصٍ من شاكلة صديقتي، شخصا عرفتَه متعصبا لاختيارٍ ما، أو قرار ما، ومتشبثا به بكل ما أوتي من قوةٍ رغم كونِه خطأً لا يختلف عليه اثنان سليما العقل والمنطق. كلّ واحد منا صادَف على الأقل قصة واحدة توقف أمامها مذهولاً فاغر الفاه يتساءل: ما الذي أدى بهذا الشخص إلى الإيمان بكل هذا الزيف الصارخ بالزور وهو في هذا العمر وبكامل قواه العقلية؟!.

 ربما الإجابة الأقرب إلى الإيمان بها بشأن قصة صديقتي هي أن هذه عوارض مراهقة عابرةٍ سرعان ما ستزول. لكن هذا لا يقدم إجابة شافية للسبب الذي جعل هذه الأعراض تصيب شخصا معينا دون غيره: ما الذي يؤدي بالمرء إلى ”ألا يرى” ما يُرى في الأحوال الطبيعية بوضوحٍ دون جهد يُذكر؟!. والنتيجة؟ لا أدري حقا. لم ألتقِ بزميلتي بعدها ولا أملك أي معلومات عما صارت إليه، لكن لنفترض أنها لسبب ما اختارت أن تستمر هكذا، وسنتخيل تتمة القصة على أفضل احتمال في حال استمرارها على نفس الطريق: “ستكبر الفتاة وستتزوج بائسَ الحظ وستنجبُ طفلا. ثم تنتبه فجأة! هنا سيتوقف حد التغابي، الأمومة كفيلة بفتح العينين جيدا هذه المرة. حسنا، ماذا سيحدث؟! سيكبر طفلها، ستنفر من أبيه وتحاول بجهدٍ أن تحميه منه، وأن تجعله ملاكا على عكسه. سيكبر. وسيصرخ في وجهها ذات طفح كيل: لماذا اخترتِ لي أبا بهذا السوء أمي؟!” عند هذا الحد سنتوقف مرة أخرى، ترى هل سيشفع لها جواب أنها “كانت غبية وقاصرة نظر”! إنّ هته الحجة مردودة في الواقع حتى من قِبَل أرحم الراحمين يومَ الحساب. الأغبياء الغافلون على طولِ الخط، مثل المتّبعين آباءهم على غير تمحيص ولا تفكير، مثل المستكبرين عما أنزل الله؛ المستغنين بمنطقهم الجميل وما يُخيَّل إليهم لغرورٍ فارغٍ من أنهم الأفهم والأعلم والأذكى على الإطلاق، بل حتى الضعفاء اللذين حملهم ضعفهم على أن يتبعوا سبيل الذين استكبروا، جميعهم في كتاب الله نقرأ كل مرة بأنهم سيُلاقون المصير نفسه: العقاب يوم القيامة إذا ما لقوا ربهم دون سابق توبة نصوح.

كيف نُبعِد أنفسنا عن وباء الغباء! :

الأكثر بؤسا من قصة صديقتي، ورغم تباين ردّة فعلنا على هذا النوع من القصصِ بين استغرابٍ وسخريةٍ وغضبٍ ونصحٍ صادق، هو أننا في واقع الأمر ننسى في كثير من الأحيان أن نسأل الله العافية. الوضع –بلا تزوير ألوان- مخيفٌ فعلا. وأن يفقد أحدنا البصيرة على رؤية البديهيات بوضوح هو آخر ما يتمنى المرء الوصول إليه. ولأن الوصول إلى هذا الموضع يتم عبر خطواتٍ مختارةٍ ولا يتنزّل من السماء ابتلاءً هكذا، إليكم بعضا من أسباب تعطل المنطق التي تؤدي إلى اختيار طريق الغباء والرضا به:
التركيز على حماقات الآخرين أكثر من التركيز على أخطائنا: الحقيقة التي تغيب عن الكثيرين هي أن “لماذا يبدو الآخرون أغبياء؟!” سؤال لن يسألنا عنه ربّ العباد حين نقف بين يديه. وحريّ بنا أن نتعب بدلا عن ذلك لإيجاد إجابةٍ عن سؤال: “لماذا نحن ما نحن عليه؟”. رؤية ”حماقات الآخرين” وتكرار السخرية مما يقعون فيه من أخطاء ”تافهة” أسهل ما يستطيع ابن آدم فعله، لكن مجرد خطوة الالتفات إلى أنفسنا والتفكير فيما نحن عليه وفيما نسير إليه، تعتبر خطوة عظيمة تحتاج جُهدًا قلّ من هو مستعد لدفع ثمنه.
الاستناد إلى الانفعال العاطفي في نفيٍ تام للمرجعية النقدية: يتم ذلك باللعب بورقة الاستمالة العاطفية. في واقع الأمر يحدث هذا على نطاقٍ واسع جدا، بدءاً من الأساليب الكلاسيكية المتّبَعة لخداع مراهِقة ساذجة، وصولا إلى توجيه فكرِ فئاتٍ من الشعوب بكاملها إلى الإيمان بالوهم. وهكذا في عُلوِّ كلمة الشعارات والمفردات العاطفية بشكلٍ يُغَطّي على غياب دليل المسؤولية الملموس عن هذه الأخيرة، يدخل المرء في صفّ المستغنين عن تحليلهم المنطقي. ويصنع من مُستغِلّي عاطفته “أوثانا معنوية” محميةً تماما من النقد حتى حين.
الكسلُ عن التفكير!: يقول سيدنا علي رضي الله عنه “من تفكَّر أبصر. والمحبوب السهل تُسرع النفس إليه، وتَعجلُ بالأقدام عليه، فيقصر الزمان على تصفحه، ويفوت استدراكه ليقضي فعله، فلا ينفع التصفّح بعد العمل، والاستدراك بعد الفوت”. الركون إلى السهل المألوف، دون السماح لأي فرصة لتفكيرٍ جدي، فيَصل المرء في الأخير إلى التفكير عند تصفّح التحصيل الحاصلِ، أمامَ النتيجة بعد فوات الأوان. وحتى هنا، لا ندري هل يتم تسجيل الاعتراف بالقرار الغبي أم يتم تعليق كل شيء على شماعة القدر والحظ العاثر! ربما يبدو الوضع كما لو أنه بؤسٌ مطلق خُلِق بلا حلّ للوهلة الأولى، لكن ما أورده د.فريد الأنصاري في كتابه “مجالس القرآن” يعتبر حلاً عمليا بسيطا نعرفه نظريا جميعا وإن كنا كثيراً ما نغفل عنه -رغماً عنّا- في وسط زخم الأحداث المتشابكة: «تخصيص وقت خالص -من حين لآخر- للخلوة إلى النفس، لتنظر فيما بينك وبين ربّك؛ حتى يصفو لك النظر إلى سيرك؛ فترى موقعك من صراط الله المستقيم؛ قربا أو بعدا، واستقامةً أو حيداً، فتحاور نفسك وتناقشها، مساءلةً عما فات، وبحثاً فيما أضمرت من مقاصِدها لما هو آت، على سبيل التقويم والمحاسبة (…..) حتى إذا رأيت ما رأيت من نفسك وأحوالها، وشاهدت ما شاهدت من أمراضها وأدرانها، رسمت خطتك للانتقال من حال إلى حال، ووضعت طريقتك للتدرج من مقام إلى مقام. »
الاستغناء بالبصر عن البصيرة في غياب مرجعيةٍ عُليا تُسنِد العقل: كثيراً ما نتشبث بشدة باختيارٍ نصطدم بجدرانه مرة بعد الأخرى ونصرّ على أنه الأصح والأفضل والمستحق لكل تضحية، لكن ما يجب ألا نغفل عنه، هو أننا لا نبصر جيدا إلا بذلك الرابط، بتلك الصلة التي تمنحنا القدرة على الوقوف في وجه الضباب مرة بعد مرة، بفضل من يمنحنا نعمة الرؤية لحظة الالتباس، وبمن بقدرِ استلهامنا للسير منه نسير بلا انخداعٍ بالشعارات والأغلفة للعديد من الأشخاص والمساحات ومفترقات الطرق. نحن -وإن حرصنا- لسنا ببالغي الكمال المطلق، مهما عوّلنا على منطقنا وخبرتنا ورؤيتنا للأمور. بدليل أن رؤيتنا في حد ذاتها يغيرها نُضجنا مع مرور الزمن. خلقَ الله المخلوقاتِ كلها، وميز من بينها ابن آدم بالعقل، وأمره بالتفكّر والتدبّر، وأثابه على ذلك في الدنيا قبل الآخرة، لكن الحقيقة التي يجب أن نقف عندها مليا، هي أن الله وقد منحنا عقلا، وقلبا، وإرادة حرة، لم يتركنا نتخبط بلا دليل، بل أنزل علينا رُسلا ورسالاتٍ تدعو إلى الاستقامة التامة على أمره، رسالات يحتكم البشر إليها منذ وجدت البشرية إلى أن ختَم برحمتِه برسالة رحمة للعالمين. ولو كان هذا العقل كافيا كمرجعية مطلقة لا تستميلها وتلعب بها الأهواء يمينا وشمالا، لكان الله، وهو الخالق المحصي، قد أنزَل الرسل والكتب على البهائم والزواحف والحشرات! وحاسبَنا على توافق عقولنا ومنطقنا مع الصواب لوحدِهما دون أن يُنزّل علينا «فَاستَقِم كَمَا أُمِرت»1 في أكثر كتابٍ أُرسلَت آياته لقوم يتفكرون ويعقلون وأولي ألباب. وهذا مهما بدا للبعض معروفا وبديهيا، يبقى الإشكال المطروح هو: هل نعمل فعلا بهذه البديهية المطلقة أم نكتفي بالمعرفة النظرية؟!

ختامًا، قد تكون قائمةُ الأسباب المذكورة هنا، لتفسير سبب غياب صوت العقل واستفحال الغباء، قائمةً مفتوحة، لكن ما يجب أن نتّفق عليه، هو أن الغباء ليس ابتلاءً ولا قدَراً لا فرار منه، الغباء اختيار محضٌ نتحمل نتائجه كاملةً برسومها دون أي نقصان، سواءً كان اختيارنا له مدروسا أم عشوائيا، لا يُهم، نحن لم نُخلق عبثاً ولا عزاء لمن يقضي حياته في اللهو واللعب. كما أنه لا عزاء لمن منذُ سجد لِصنَم غرورِه بعلمه الناقصِ لم يقُم.

مُجدّدا: منحنا الله عقلا، وقلبا، وإرادة حرة، ولم يتركنا نتخبط بلا دليل، بل أنزل علينا رُسلا ورسالات نحتكم إليها منذ وجدت البشرية إلى أن ختَم برسالةٍ رحمة للعالمين. فكيف لا يتوه في الدنيا ولا يحاسَب في الآخرة من رضي بكل هذا ديكورًا والتجأ إلى ما يمليه عليه هواه وحده؟! سواءً هروبا من التفكير أو رضوخا لأهواءٍ لا تخضع لقيمة جمالية ولا لمنطق. سؤال يستحق التدبر قبل أن يُطرح بعد فوات الأوان.

1- سورة هود 112

تعليقات الفايسبوك