العقل الإسلامي.. بين القيود والتحرر

العقل الإسلامي.. بين القيود والتحرر

- ‎فيإستخدم عقلك
971
التعليقات على العقل الإسلامي.. بين القيود والتحرر مغلقة
@مجلة فكرة - IDEA Magazine
العقل الاسلامي

إني مؤمن بشيء واحد وهو أن كل شيء يبدأ من عالم الأفكار، وأن كل ما نراه من مظاهر إنما له أصول في عالم “الأفكار والمثل”، فكل مخرجات الحضارة الغربية وما وصلت إليه في عالم الأشياء إنما هو نتاج إديولوجيات وفلسفات كان توجهها الأول إلى عالم المادة مع صرخة “فرانسيس بيكون” وأثره على “الإبستيمولوجيا” – نظرية المعرفة- وانحصار منابع العلم والمعرفة في الملموس المادي، وتفسير الشعور وما وراء المادي والملموس على أساس “فيزيولوجي”، ما كان له أثر آخر على النقد الأدبي ومناهجه، وقراءة النصوص البشرية وكذلك الدينية أو المقدسة وإخضاعها إلى معايير تُقَدِّم العقل على النقل وجعل من النص نتاج ثقافة وفهم البشري بما يحتويه من خلفية إجتماعية وتاريخية وسياسية.. وعلى العموم كان الركض نحو الإنساني، نحو “الشيء في ذاته”، نحو المتعين في كل فلسفة وكل فكر سواء من الوجودية إلى فلسفة الحياة والوجود هو محاولة الإستغناء عن المطلق -أو الله- وعن تعاليمه والبحث في مباحث “أنطولوجية وجودية” ذات أسس لا تستند إلى الإيمان بأي غيبي، وكان من نتاج ذلك ظهور موجات إلحادية ولا دينية ولا أدرية وعبثية.. ولا يُلَام كل من استند إلى فكر من هذا وذلك لعدم وجود البديل، ولا أريد أن أقول هنا ببلاهة “أن الإسلام هو الحل البديل” كإجابة معلبة وجاهزة، ولكن قصور روح الشرق وتعلقها بمادية الغرب جعل من الأخير يرى نفسه أنه صاحب الحقيقة، وحق له أن ينظر إلى كل ما له علاقة بالسماء أو الروحانيات على أنه تخلف ورجعية وظلم لـ “الوغوس” –العقل-.

وهنا نأتي إلى ما لدينا نحن كمسلمين من فكر وإيديولوجية، ولا أقول دين لأن الآخر لا يعتبره كذلك بل يرى الدين ككل ما هو إلا أساطير و”ميثولوجيا”، لدينا فعلا وبصفة عامة تحرز من العقل في المنظومة الفقهية والتشريعية مما أوقف الدين في قرون متأخرة لم يتجاوزها، على أن المتأمل في تاريخ الفكر الإسلامي يرى مثلا أن هناك قول إسلامي قديم فحواه أن العقل مُقدَّم على النقل وهو كلام “المتكلمين”، وأن النصوص ذات المعاني إنما يصل إليها العقل بعد التأمل والتدبر، ولكن يقف في وجه هذا الكلام من ينفي مثلا المجاز من القرآن! أو من يقول أن دلالة النص هي ظاهره.. والقول الأخير هو الغالب عند المسلمين، بل إن المتأمل في منهجية الأئمة الأربعة رحمهم الله يرى كيف أن الإمام مالك وأبو حنيفة كان لهم نصيب من الإستناد إلى العقل في فهم النصوص وخاصة الأخير وما عُرف عنه في موضوع القياس، ومع الشافعي وأحمد ابن حنبل رحمهم الله تأخر دور العقل وحل محله الأخذ بالسنة -الآحاد- ومحاولة إرجاع حجية أحاديث الآحاد رغم أن أبو حنيفة كان يقدم عليها القياس القطعي وكذا مالك يقدم عمل أهل المدينة وهو ما فهموه من النصوص ومن جوهر الدين.. وقد دبت مع إعادة الإعتبار لحجية أحاديث الآحاد مع الشافعي الذي ساوى بين السنة والقرآن في التشريع أمور وشرور، ومنها أن أصبح من ليس بأصل في الدين أصلا. وزاد الطين بلة ما كان من الإمام أحمد رحمه الله من أن ساوى بين القرآن والأحاديث وقول من سلف! وهنا أُزيح العقل المسلم من أكبر جزء من الحياة وهي الحياة الدينية وأُغلق باب الإجتهاد لولا أن ظهر بعض الأعلام مثل الشاطبي وغيره كومضات وإن لم يكن لها كبير أثر. وما التكفير والتفسيق والإنقسام الذي تعانيه الأمة اليوم ومظاهر التفتت ما هو إلا نتاج فكرة ومنهج فقهي إسلامي في الأخير وفهم للنصوص!

ومع ذلك مازال إلى الآن ممن لم يفهم طبيعة الأزمة الإسلامية من المسلمين ومن يريد أن يجرنا إلى الماضي بجوهره وبعره، بلبه وقشوره، ورغم المحاولات اليسيرة التي قام بها كل من جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ومن عاصرهم في لحظة إحتكاك العالم الإسلامي بالعالم الغربي وشعوره بتأخره وحتمية تجديده، إلا أن اصطدامها بالموروث جعلها لا تُؤخذ وإن أُخِذَت فمن أجل أن يُشهَر بها على أنها ضلال وكفر! فما بالك بمحاولات أكثر جدية تمس الموروث الإسلامي من العادات التي حشرت في الدين وأصبحت دينا وتحد للعقل!

لن تجدي كل تلك المحاولات ما دامت تثير كل مرة مشكلة ومحور، بل يجب إعادة تشكيل العقل المسلم وجعله عقلا واقعيا يتعامل في حدود الحقيقة لا الوهم والخيال، وإعادة تشكيل الرؤية الدينية البسيطة والتي ترتكز على القيم لا على المظاهر أما غير ذلك فهو علاج جزئي ونسيان لأصل الداء.

كاتب الموضوع: صحراوي محمد الأمين.

تعليقات الفايسبوك