المخدرات: زلّة تجربة.. وأصدقاء سوء

المخدرات: زلّة تجربة.. وأصدقاء سوء

- ‎فيعلوم, مجتمع وأخلاق
1695
4
المخدرات

المخدرات.. إحذر الوقوع فجأة !

وُلد سليم في الحي الشعبيِّ نفسه الذي وُلِد فيه والده.. وحين أصبح في الثالثة من عمره أصبح يقضي ثلثي اليوم في اللّعب مع أبناءِ الحيّ خارجا. سعادةُ والدتِه لتصدير الفوضى خارج حدود البيت الأنيق كانت كافيةً لتكتفي من ابنها بثلثِ اليوم المتبقّي. أما والده، فقد كان في بداية الأمر منشغلا بأشياءَ أخرى أهمّ، ثمّ حين انتبه،لم يكن لِيعترض على ما هو أمرٌ طبيعيُّ أساسا! ما المشكلة في أن يقضيَ طفل حديثُ العهدِ بالحياة جُلّ يومِه في الشارع؟ لا يزال صغيرا ولا مسؤوليات ولا واجبات على عاتِقه تمنعه من الاستمتاع بوقته في اللهو واللعب مع أصدقائه، وإن كانوا أصدقاءَ اختارتهم له بيئته -أو فرضتهم عليه-، أمّا بخصوص ما بدأ يطرأ على طباع الصبيّ من ألفاظٍ “غير صالحةٍ للكلام” وحركاتٍ غريبة، فستتكفل توجيهات والدته وتعليماتها الصارمة بتعدِيلها، وعندما تيأس من جدوى ذلك، تترك مهمّة التهذيب للمدرسة التي سيلتحق بها قريبا. سيتغيّر أصدقاؤه الذين لا يُعجبون والديه تلقائيّا، وستتكفّل واجباتُ دروسِه بتغيير طِباعه حين يتفرّغ لها. هكذا كان التمني، وظلّت الأمنيةُ كذلك لفترة..

للاستماع إلى التسجيل الصوتي للنصّ:

تغيّر أصدقاء سليم فعلا مراتٍ كثيرة، لكنَّ عشوائِيّةَ اختيارِهم آخرَ مَرّة كانت ذاتَ طالعٍ أسوءَ بكثيرٍ من سابقاتِها.. وعندما كان أقرانه يتقدّمون لاجتيازِ شهادة الثانوية، كان هو جالسا بوجهٍ أصفرٍ وجسمٍ هزيلٍ أمامَ مكتبِ الطبيب، يضغط على يديه تارةً وعلى أسنانه تارةً أخرى، يُحاول بجهدٍ أن يجيب على أسئلته:

– ما هذا الجرحُ العميقُ على مِعصَمك يا سليم؟

– أثر محاولةِ انتحاري قبلَ شهر..

– والآثارُ على صدرك يا سليم؟

-……..

– كم نوعا من الحبوب تتعاطى؟ كم جرعةً في اليوم؟ منذ متى؟

– (…….)

– لماذا يا سليم؟!

– مشاكلٌ كثيرة.. و.. زلّة تجربة وأصدقاء سوء..

– لكنها سمّ يا سليم..

– أعرف.. أعرف ذلك أكثر منك.. لكن.. (الله غالب)

مُلخَّص الحوارِ نفسه يتكرّر حرفيا مع جميعِ نزلاءِ مركز معالجةِ الإدمان. كم من شخصٍ وُلد سليما وجاء إلى المركز يرتجف، يشكو سوادَ عيشته، اكتئابه المزمنَ الحادّ، ضَعف صحّته، قِلّة نومِه، أو هلوسة وأشباح.. وجميعهم –سواءً جاؤوا بإرادتهم أو مقبوضا عليهم-يُجيبون الإجابةَ نفسها “زلّة تجربة.. وأصدقاء سوء”..

كم تكلّف كلمة “لا” إذا قيلت في البداية للأشخاص الخطأ، إذا ما قارنَّاها بحجمِ الجحيم الذي يوصِلُ إليه السير مع التيّار والاطمئنان إلى البيئةِ وصُدفِ الحياةِ لاختيارِ أصدقاءِ العمر بعشوائية؟

إحصائيات المخدرات في الجزائر.. أرقام تستدعي الوقوف عندها!

أرقامُ إحصائياتِ الثلاثيّ الأول لهذه السنة-2016- في الجزائر مرعبة:6964  مشتبه فيه مقدم للعدالة، 5 أطنان و375 كلغ و706غ من القنب الهندي، 145غ من الهيروين، 4 كلغ و814غ من الكوكايين، و  112937 وحدة من الأقراص المهلوِسة! هذا طبعا ما تمّ حجزه فقط!، مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ السبعة آلاف المشتبهَ فيهم لا يشملون سوى تجّار ومروّجي المخدرات فقط، وإذا أضفنا إلى هذا الرقم المجرمين المُروّجين الذين لم يُلقَ القبضُ عليهم بعد، والمُدمِنين “الضحايا” لنا أن نتخيّل إلى كم سترتفع نسبَة الحاملين لهذا السمّ بيننا.. لا عُذرَ أبدا، لا رِفاقَ بالوراثةِ ولا بحُكمِ الجيرة ولا بظاهرِ الشّكلِ والقول. “المرءُ على دينِ خليلِه فلينظر أحدكم من يخالل”[1]: فلينظر، وليتَحَرَّ وليحسن الاختيار. لأنه لن يشفع له في مصيره سوى حسن اختياره، ذلك لأن سنن الله لا تحابي أحدا مهما راهَنّا على فَهمٍ أو قانون. وتبقى في النّهايةِ معادلةُ حاملِ المسك الذي تأخذ مِنه ولو طيبه، ونافِخِ الكِير الذي ستحمِلُ من رائحته شِئت أم أَبَيت: سيّدة قوانين علم الاجتماع، معادَلة ثابِتة لا يُغيّرها ولا يتعدّاها أحد.

معَ ذلِك، ورغم سوداويّة الواقع ورغم كميّة البؤس الطاغيةِ على حياةِ سليم ورفاقه، هناك في المركز أو خارِجا ممن لم يلتحقوا -أو لم يُجبروا على الالتحاق بعد-، يبقَى ثمّة بصيصٌ من نور في أن يُقاوَم ويُهزَم إدمانُهم، ويتعافوا ولو تدريجيا ويبدءُوا بترتيبِ حياتهم على بصيرةٍ من جديد. خاصّةً وأنّ القانون لم يعُد يعاقب سوى “المجرم” مُروِّج وتاجِرِ المخدرات، في حين يكتفي بمتابعة المُدمِن “الضحية” صِحّيا في مراكز معالجةِ الإدمان حتى يتعافى من إدمانِه. ومهما كنّا سُعداءَ جِدًّا بذلك، تبقى الحقيقة التي لا مناصَ من تجاوُزِها أنّ الوقايةَ أسلم وأسهل وأضمن، وأنّ الانتباه إلى شرارةِ البداية وإطفاؤها أسهلُ بكثيرٍ من إطفاء حريقٍ جامح يجتاح غابة عامِرَةً في ليلةٍ ظلماء عاصفة. “سليم” ليس بريئا بطبيعة الحال عندما لم يُحسِن الاختيار، إختيار الصديقِ واختيار الطريقِ معا. لكِن في النهاية جميعُنا معنِيّون، المعركةُ ليست معركةَ سليم لوحدِه، ومثلَما تشملُ دائرةُ الضّررِ جميعَ من يضمُّه المجتمع نفسُه، تبقى مَهمّة التوعيةِ والإرشاد أقلّ ما يمكن للواحد منا تقديمه -في إطار من يعرف على الأقل-، بكلمةٍ طيبة أو نصيحةٍ صادقة، قد تكون سببا في إنقاذ روحٍ وإحيائها وإطفاء شرارةِ بداية، بدلا من إلقاء آلافِ الكلمات هدرا في لعنِ تُجّار ومُروِّجي المخدرات بعد أن يقع الفأس ويُتجاوز المحظور.

من المؤكد أنّ كلّ شخص منا يعاني بطريقة ما من بعض العادات السيئة على الأقل، فيما يلي سنتعرّف سويا عن السبل العلمية الممكنة للحصول على عادات جيدة والتخلي عن العادات السيئة التي تضرنا باستمرار: العادات السيئة: الأسباب والعلاج | دراسات وأبحاث علمية

[1] حديث نبوي

المصادر:

  • إحصائيات سنة 2016 من موقع مديرية الأمن الوطني.
  • الجريدة الرسمية رقم 49 : القانون رقم 07-229 في 30 جويلية 2007  بشأن الوقاية وقمع الاتجار في المخدرات والمؤثرات العقلية.

تعليقات الفايسبوك

4 Comments

  1. ‎تنبيهات ‫:‬ العادات السيئة: الأسباب والعلاج | دراسات وأبحاث علمية

  2. Avatar

    أرى أنه يوجد خطأ في الموضوع أو أن الكاتب يعيش في جزائر غير التي أعيش فيها و الخطأ في قوله ” خاصّةً وأنّ القانون لم يعُد يعاقب سوى “المجرم” مُروِّج وتاجِر المخدرات في حين يكتفي بمتابعة المُدمِن “الضحية” صِحّيا في مراكز معالجةِ الإدمان حتى يتعافى من إدمانِه ” حيث أنني لم أرى هذا القانون يطبق في حياتي بل يعاقب “الضحية” بعقوبة السجن النافذ لمدة سنة و يمكن أن تصل إلى ثلاث سنوات إلا إذا قام بدفع رشوة أو يملك ‘معريفة’ فلا تمارس عليه أية عقوبات و لأعطيك مثال أحد أبناء حيينا أمسكوا بحوزته حوالي 2 غرام من المخدرات (طرف تاع خمسين دج) و هو يعتبر ‘ضحية’ كما أسميته و ليس بائع و حكم عليه بعامين سجن نافذ …. وبالحديث عن موضوع المخدرات في الجزائر فقد أخذ منحنا كارثيا فقد أصبح أول شيء تتعلمه و تراه منذ صغرك في الشارع هو المخدرات في الصغر سترى أن هذا الشيء خطير و مضر …. بعدها تبدأ في النضوج و ترى ” الحقرة ” التي تحدث في البلاد و أن عليك أن تكون فتاة أو غنيا لكي يكون لك نصيب في شتى مجالات الحياة كالدراسة أو العمل فلا تجد في يدك شيء لتنسى به هذه المشاكل سوى المخدرات التي أعلم أنا و أنت من يدخلها إلى الجزائر .

    1. Avatar

      أنفال مغيث

      القانون موثق في الجريدة الرسمية يمكنك الاطلاع عليه، إذا كان قُبض على جارك قبل تاريخ تعديل القانون، فهو بطبيعة الحال لم يكن من الذين مسهم القانون بكل بساطة.
      يمكنك الذهاب في زيارة إلى أقرب مركز مكافحة إدمان إليك لترى بنفسك كيف يتعامل الأطباء وأعوان الأمن مع كلا الصنفين لتتأكد بنفسك.
      أما بالنسبة لموضوع الحقرة لا أدري فعلا بما أرد عليك، هل يفترض بي مثلا أن أقول “يا آباء ويا أمهات ويا مثقفين أخبروا أبناءكم أن المدخرات الحل الوحيد للنجاة من حياتهم البائسة، وحتى وإن لم تكن حلا أخبروهم أنهم بائسون ويستحقون الموت وفقط. وأن المظلومية تشفع لأي تصرف مهما كان حقيرا وجبانا وغير أخلاقي”
      الموضوع يعالج المشكلة بشكل واقعي سيدي/سيدتي، ويطرح حلولا واقعية أيضا، ويحاول وضع حل مبدئيي يفيد من يدرك جيدا إلى أي حد يفتك هذا السم بهذا الوطن وأبناءه.
      إذا كنت ترى أن الأسباب التي ذكرتها كافية للاتجاه نحو المخدرات والاكتفاء بالنحيب فأتمنى أن تراجع نفسك. واعلم جيدا أنه لا سنن الحياة ولا حساب الله يحابي الجبناء الذين يلجئون للخطيئة باسم “الحقرة” و المظلومية.

      1. Avatar

        كون أن المخدرات مضرة من جميع النواحي و أنها ليست بحل للنجاة من هذه الحياة البائسة هو أمر لا يتجادل فيه إثنان لكن أنا أتحدث من قلب الشارع كل من يتعاطونها يعلمون أنها ليست سبيلا للخروج من مشاكلهم و يعلمون أنها تضرهم أكثر مما تعلمه أنت لكنهم يلجؤون إليها أملا منهم أن تخفف عنهم ألم هذا الواقع المرير الذي يعيشونه لأنهم جربوا شتى سبل التغيير في حياتهم لكنها لم تنفع في هذه البلاد ربما أنت لا تعلم حتى شدة كرههم لهذا السم فهم يعلمون كل العلم بأنهم خاسرون في الدنيا و الاخرة …….بمعنى أخر هذه الطبقية و الحقرة التي نعيشها هي سبب إنتشار أفة المخدرات أي أن الحل الفعلي لهذه القضية واضح و هو المساواة بين أفراد الشعب و محاربة الرؤوس الكبرى التي تدخل هذه السموم و ليس الباعة الصغار ” أنشروا المساواة بين أفراد الشعب و اقعطوا رؤوس من يدخلها من مغنية و سترون التغيير ” …… و بالحديث عن القوانين فكما تعلم فهي تبقى حبرا على ورق… و شكرا على الرد

‎التليقات مغلقة‫.‬