اللجوء السياسي: أكثر وجوه الحرب تعفنا

اللجوء السياسي: أكثر وجوه الحرب تعفنا

- ‎فيإستخدم عقلك, مجتمع وأخلاق
895
التعليقات على اللجوء السياسي: أكثر وجوه الحرب تعفنا مغلقة
@مجلة فكرة - IDEA Magazine
اللجوء السياسي

اللجوء السياسي ..

كان الأساتذة دائما يحدثوننا عن بقايا الحرب، وعن كثرة عدد الحروب التي قضت علينا، تسللت الكلمة إلى دفاترنا، وصنعت لنفسها حقلا من الكلمات: “ملايين القتلى، آلاف الجرحى، آلاف اللاجئين…” وكنت أعتقد مخطئة أن أكثر الكلمات إيلاما هي كلمة “قتلى”، كنت أعتقد أن أقسى ما يمكن أن تفعله الحرب بنا هو أن تأخذ أرواحنا منا، وأن يقف الرصاص ما بيننا وبين نهايات حكاياتنا. فادحٌ كان خطئي، فالموتى ينقطعون عن الحياة، ولا يحملون من آلامها سوى آلام “ما قبل الحرب”، لا يتذكرون كيف يأخذ علم جديد مكان علم بلادهم، ولا كيف يضيف الصحفيون في الأخبار كلمة “المحتلة” إلى إسم بلادهم ، يموت الشهيد خفيفا، كروح بلا جسد وكنسمة حلت ثم اختفت. والجرحى ستشفى جروح أجسادهم وتبقى شهادة حية على ما مروا به، تبقى الذاكرة لكنهم يبقون على الأقل هناك؛ يتنفسون هواء “ما بعد الحرب” ويُعْلمون أعداءهم أن أجسادهم لازالت تشهد على انتماءها لهذه الطينة لا لغيرها. أما اللاجئون… اللاجئون يضيعون في فسحة زمنية بين ما قبل الحرب وبعدها، حياة محددة باللحظة التي قرروا فيها اللجوء دون أن يعلموا هل هي النهاية أم بداية حياة أخرى.. شبه حياة.

ظننت حينها، أن اللجوء ما هو إلا مغادرة البلد نحو بلاد أخرى، مخطئة أنا ويا لفداحة خطئي!




أن تكون لاجئا، أي أن تحمل معك بلادك في أيما جهة تذهب إليها، الوطن.. ذلك الشيء الذي لا يغادر قلبك المكسور سلفا: شجرة الزيتون والصنوبر، ضحكات الأطفال، صوت الأذان من 5 مساجد في آن واحد، وصديق الطفولة الذي أصبح صديق الشباب ثم امتلكته الحرب وأصبح يسمى في الجريدة “ضحية”. لكنك تترك ذاتك هناك، لأنك وأنت تخرج جريا من المنزل المحترق، منزلك، محاولا أن تأخذ ذاتك وقنينة الماء معك، فشلت، وتركت كلاكما في مركز الحدود!

أن تكون لاجئا، هو أن يُصنع لك من قطعة أرض غريبة مخيم، أنت وأبناء جلدتك ثم يُقال لك: لم يعد المكان الذي جئت منه يسعك الآن، فلا تعش على حلم عودة أسطورية إلى نفسك هناك، فلتكتف بهذه السماء هنا فكل السماوات واحدة، وتراب الأرض واحد… عيد ميلادك الآن تغير إلى يوم دخلت هذا المخيم..

اللجوء السياسي: إعلان حرب الدمار النفسي الشامل

أن تكون لاجئا، أي أن تحضر عزائك وأنت حي، ولا أحد يحضر، لا جثة تدفن.. ستجاهد نفسك لتبحث عن أي معنى لهذا، ولن تفعل.. لن تجد معنى لما يحدث ولا شخصا لتكرهه، لأن كل الناس تشاهد، تسمع ثم تغلق التلفاز، لأنها مشغولة بقضايا أهم من ابتسامة طفلة محتها القنابل!

كنت أظن أن اللاجئين في المخيمات، يغطون رؤوسهم، ويبكون بلدهم إلى أن ينظموا إلى قائمة القتلى، لكن الحقيقة هي أنهم يقاتلون.. بكل ما للبشري الوحيد من قوة، يسقون أرض المخيم، لعلهم يصنعون ترابا خاصا بهم، ولعله لطفا بهم، سيفوح بعطر الأرض التي تركوها هناك.. سيرتلون شعر اللجوء، ويتقاسمون الأرغفة تماما كما تقاسموها وقت الحصار.. وسينشدون لمارسيل وفيروز، ويتذكرون آيات البعث والولادة.. وعلى باب المخيم، سيصنعون من البؤس والمعاناة حياة كاملة في فترة (الما بين)، فارغة خارجها، لكنها تكفي لينتظروا الحياة.




تعلمت من أخطائي السابقة، واليوم أعلم، أن اللاجئ وإن تحدته الظروف بقسوتها، وأهانه أخوه الإنسان الذي يضع مذهبه الطائفي وبراميل نفطه قبل قضيته، وإن قرر الإتحاد أن المكان لا يكفي له اليوم، أنهم سيختارون الحياة.. ولست مخطئة، لأني أعلم، أنهم لن يرحبوا بالموت إلّا في أحضان أشجار الخروبة.. فوحدها تعرف من هم، أين كانوا وإلى أين يمضون.. وحدها الخروبة سترفع معهم شعار الحياة، ويصبح اللجوء احتضانا للوطن!

كاتب الموضوع: سلمى دباش

                                           



تعليقات الفايسبوك