الرواية: موضة أم مصدر للثقافة؟

الرواية: موضة أم مصدر للثقافة؟

- ‎فيأدب
1637
التعليقات على الرواية: موضة أم مصدر للثقافة؟ مغلقة

الكثير من النَّاس يقولون كلماتٍ/مصطلحات تحملُ في طَيَّاتِهَا كمًّا هائلا من المرجعيات الفكرية والمعاني التي لا يعرفونها، ذلك لأن الكلمة التي يَتَفَوَّهُونَ بها هي في قَرَارَةِ أنْفُسِهِمْ غَيْرُ حَقِيقَتِها وماهِيَّتِها، وَهَذِه المُعضلةُ لا تختَصُّ بطائفةٍ مُعيَّنة من النّاس فقط، بل هي مُشْكلة تَجِدها لَدَى الفئات جميعا من صغيرها إلى كبيرها، من عامّتها إلى خاصّتها، تُعاني منها الشُّعوب بعد تناقل علومها فيما بينها خاصَّة بالنسبة للإنسان العربيّ لدى استيراده من ثقافات الدول الأخرى إما بالترجمة أو بغيرها من وسائل نقل المعرفة، كلُّ هذا يحصل في ظِلِّ تِيهٍ بين الماضي والحاضر، والعجز عن الخروج من الماضي بالشكل السليم واستقبالِ الآتي وفق مبادئ وقوانين تحفظ وجودَهُ وتراثَهُ الفكريَّ في غَيْرِ تعارضٍ مع مواصلة الحياة، فَبَقُوا على إثْرِ ذلك واقفين على الخط الفَاصِلِ بَيْنَ الماضي والحاضر، في أحجية لا حصرَ لمشاكلهم فيها، ومن بين هذه المشاكل مشكلتهم مع الأدب وفنونه، وللتركيز أكثر على نقطة مُعَيَّنَة: مشكلة تَلَقِّيهِمْ للرواية كجنسٍ أدبي، تحت إشكالية: هل الرواية موضة أم مصدر للثقافة؟ وقبل التَّطَرُّقِ إلى سؤال الرواية والموضة؛ دعنا نجيب عن التساؤلات الآتية: ما هي الرواية؟ وما هي الموضة؟ وما هي الثقافة؟ لأنَّ معرفة معاني هذه المصطلحات كلاًّ على حِدةٍ حقيقٌ بأن يقود ذِهْنَ قارئِ هذا النص إلى ما أتحدث عنه، فالموَاضَعَة والاصطلاح على الخطوط العريضة في اللغة ومعانيها وقواعدها أهم شيء لإنجاح التواصل بين أطْرَافِهِ.
• الرواية:
بعيدا عن النظريات التي تضرب في أصول وجذور هذا الجنس الأدبي، وبعيدا عن التعقيدات الفلسفية والنقدية وتعقيدات المصطلحات، وبعيدا عن نظريات المحاكاة الأريسطية، فالرواية من «أهم الأجناس الأدبية التي حاولت تصوير الذات والواقع وتشخيص ذاتها، إما بطريقة مباشرة وإما بطريقة غير مباشرة قائمة على التماثل والانعكاس غير الآلي. كما أنها استوعبت جميع الخطابات واللغات والأساليب والمنظورات والأنواع والأجناس الأدبية والفنية الصغرى والكبرى، إلى أن صارت الرواية جنسا أدبيا منفتحا وغير مكتمل، وقابلا لاستيعاب كل المواضيع والأشكال والأبنية الجمالية.»(1)؛ فالحِمْلُ الذي ترزأ تحته الرواية إنما هو تصور الكاتب للعَالَم مِنْ حوله انطلاقا من زاوية مُعَيَّنَةٍ، ذلك لأنَّ الرِّوَائِيَّ لَـمَّا يكتب روايةً مَا فإنّه يَكْتُبُ العَالمَ وِفْقَ نَتِيجَتِهِ الَّتِي وَصَلَ إلَيْهَا هُوَ، وَمَهْمَا يَكُنْ مِنْ أمْرٍ فإنَّ مدى صِحَّةِ هذه الرّؤية من عدمها راجعٌ إلى الكاتب نفسه.. ويمكن للرواية أن تَكُون صورةً لمجتمع ما في حقبة ما، ذلك لأنها جنسٌ أدبي يتمتع بتصوير الأشياء بسيطها وعظيمها على أدق صورةٍ شَاءَ الكاتب ذلك أم لم يشأْ. وأيضا فإن طولَ الرواية يَسْمَحُ لَهُ أنْ يُكْثِرَ الوصفَ وأنْ يُورِدَ كُلَّ ما في ذِهْنِه لِيَخْدِمَه، هذا إذا افترضنا أنَّ الرِّوَائِيَّ يُرِيد أنْ يَتَحَدَّثَ عنِ التَّفَاصِيلِ الدَّقِيقَةِ، أقْصِدُ بِهَذِهِ التفاصيل كُلَّ مَظاهرِ الحياة، كأن يقول الكاتب:
«(…) لا أبالغ إن قلت أنني رأيت الكويت ترقص فرحًا في الخامس والعشرين من فبراير.
أخذني غسان في جولة عبر محبوبته، كما يسميها، سيارته الـ لانسر البيضاء، إلى الشوارع جهة البحر. الهواء بارد رغم أن الطقس كان مشمسا. بدأ الازدحام يزداد مع اقترابنا من المنطقة الساحلية. الأعلام، بأحجام مختلفة، ترفرف فوق السيارات. صوت الأغنيات الوطنية يتعالى من النوافذ (…)»(2)، ففي الأجناس الأخرى مثْلَ الشِّعر أو القصَّة القصيرة؛ قد لا يكون الحديث عن الأعْلامِ ومَارْكَة السَّيَارة ولونِها مُهِمًّا لدرجةِ إيرادِه للقُرَّاءِ في كِتَابٍ مَا، لكنَّ الرِّوَايَةَ أمْرٌ آخر.. هذا مِمَّا يُعْطِيهَا نَفَسًا أكبر، كما يجعلها جِنْسًا أدَبِيًّا يُحَاكي الواقعَ أقْرَبَ محاكاةِ كما لا تُحَاكيه أكثرُ الأجناسِ الأدبية الأخرى، يقرأ نصوصَها قارئٌ مُتَخَصِّصٌ ومُؤَوِّلٌ مِنَ الطّراز الرّفيع أو ذُو خيالٍ أوْسَعَ بِكَثِيرٍ مِنْ أخْيِلةِ العَوَامِّ مِنَ القُرَّاء، فخاصّيةُ الرِّوَايَةِ البارزةُ مِنْ هَذِه النَّاحِيَةِ بُعْدُهَا عَنِ التَّنميق والإغراق في المُبْهَمَاتِ غالبًا وانفتَاحُهَا على القارئ بكل ما تُطِيقُه اللغة من دلالات، وذلك حقيقٌ أن يجعلها مرآةً للواقعِ، أصْفَى للناظر وأبينُ من أكثر الأجناس الأدبية الأخرى التي تحاكي الواقع، فهي -الأجناس الأخرى- إنَّمَا تحاكيه بِمَا هو أضْعَفُ مِنْ مُحَاكَاةِ الرِّوَايَةِ له وانْفِتَاحِهَا عليه، أو بالأحرى انفتاحِها على هذا الواقع وفق منظور الكاتبِ نفسِه، وكثيرا ما كان التأثير في الأدب أنْجَعَ بِكَثِيرٍ حين تكون كلمات النصوص وإيحاءاتُهَا قريبةً من حياة الناس في غير مبالغة مُتَكَلَّفة ولا ابْتِذَالٍ مُمِل، ولا نَجِدُ هذا في كثيرٍ منَ الأجناس الأدبية الأخرى كالشعر، وما يزيد هذا الرَّأْيَ ثِقَلاً ورُجْحَانًا هو “تَدَبُّرُ حَالِ الشعر العربي القديم”، وَكَيْفَ أنَّهُ كَانَ دِيوَانَ العَرَبِ وَجِنْسَهُمُ الأدَبِيَّ الَّذِي يَتَدَاوَلُهُ الصِّغَارُ والكِبَار، ذلك بِأنْ «فُطِرَ عَرَبُ الجاهليةِ على البساطة والبُعْدِ عن التَّصَنُّعِ أو التَّعَمُّلِ في كلّ شيْءٍ»(3) ونجاحُ شعرهم في محاكَاة طبيعتِهم وواقعِهم الذي عاشوا فيه راجع -كما قلنا – إلى صدقهم في أوصافهم دون التصنع المبالغ فيه والذي غالبًا ما يُقَارِبُ حدَّ البعد عن الذات والموضوع أي النفس والواقع(4) وَيَكُونُ مَدْعَاةً لِلنُّفُورِ من العمل أو السُّخْرِيَّةِ من صاحب العمل (هل شاهَدْتَ أفلامَ بُوليوود الهِنْدِيَّة؟ هل رأيت مشاهد العراك مثلا؟ قسْ عليها، لأن الأفلام في الواقع ما هي إلا من وحي المحاكاة، مِثْلُهَا مِثْلُ الآداب والفنون، وَكثيرا ما تَحَوَّلَتْ بعضُ الروايات إلى أفلامٍ تُعرَضُ على شاشات التلفزيون)، وهذا حال جنس “الرواية” في زماننا هذا: أي بُعْدُهَا عَنِ التَّصَنُّعِ وامتثالُها للبساطة والمعاصَرَة، إلا فيما خرج فيه الكُتَّابُ عن هذا الحيِّزِ، فأولئك كُتَّاب مُتَكَلِّفُونَ شأنهم شأن الشعراء المتَكَلِّفِين، وَقَدْ تَحَدَّثْتُ قَبْلَ قَلِيلٍ عن الأفلام الهندية “بوليوود”؛ الأمر شبيه بهذا أيّمَا شبه، فهذه الأفلام تَتَّخِذُ مِنْ مَشَاهِدِ الرَّقْصِ وَمَا فِيهَا مِمَّا يَعْلَمُ مُتَابِعُوهَا، وَسَائِلَ جَذْبٍ واستقطابٍ، ومِنَ الرِّوَايَاتِ شبيهاتٌ بهذه الأفلامِ تتخذ لنَفْسِهَا السَّبِيلَ ذَاتَهُ في غالب الأمر، والرِّوَايَاتُ أنْوَاعٌ عديدة، من بين هذه الأنواع الرِّوَايَات الهابطة!..
• الموضة:
مَهْمَا تَكُن المرجعية المعرفية/الثقافية التي نَنْظُر من مُنْطَلَقِهَا إلى هذا المصطلح، فهو يدل على “النسق/الطريقة/الأسلوب/السواد أي الطغيان والانتشار”؛ فمصطلح موضة في موسوعة ويكيبيديا الإلكترونية يعني: «العرف السائد أو نمط من اللباس والأداب. فالموضة مظهر يعبر من خلاله الشخص عن فكرة أو للظهور بمظهر جيد أو للبروز بين الناس وهي تُعتبر فن واسع من الألبسة من جميع أنواع الأقمشة وهي تجمع ما بين جميع ثقافات العالم من الشرق إلى الغرب وهي تعبّر عن الإنسان وطريقة عيش البشر وطريقة لباسهم(…)»(5)، وكلمة “Mode” في معجم Larousse: (هي الوضع السائد أو المهيمن في مجال ما، وفي الموسيقى هو شيء شبيه بالإيقاع في بِنَاءِ المقطوعة، أو بُنْيَةُ المقطوعة الموسيقية أو جزئياتها الصوتية التي تنبني عليها (structure)؛ فهي النَّسَقُ، وفي مجال الإحصاء تعني كلمة “Mode”: القيمة المُهَيْمِنَة أي القيمة المتكررة بشكل كبير أثناء العملية الإحصائية في المجتمع أو في الدائرة التي يُجْرَى فيها هذا الإحصاء(6))، وتعني كلمة Mode في قاموس المعاني (قاموس إلكتروني): «أُفْنُون؛ أسْلُوب؛ بِدْعَة؛ زِيّ؛ سِيْرَة؛ شَكْل؛ صَرْعَة؛ صُورَة؛ صِيْغَة؛ طِرَاز؛ طرِيقَة؛ غِرَار؛ قاعِدَة؛ كَيْفِيّة؛ مَنْحىً؛ مُوضَة؛ مِنْوال؛ نَحْو؛ نَسَق؛ نَمَط؛ نَوْع؛ هَدْي؛ وَتِيرَة؛ وَجْه»(7)
• الثقافة:
على الرغم من أن الباحثين لا يضعون تعريفا مُتَّفَقًا عليه لمصطلح “ثقافة Culture”(8)، إلاَّ أنَّ هذا لا يمنع من مقاربةٍ تُغَطِّي بعضَ النُّقْصِ على سبيل أنَّ ما لا يُدْرَكُ كُلُّهُ لاَ يُتْرَكُ جُلُّهُ. أغلب الباحثين يُجمِعون على أن الثَّقَافَةَ هي نِتَاجُ الإنسان الذي يُمَيِّزُهُ، فهي تلك المُخَلَّفَات الَّتِي يتركها الإنسان أو هي تلك السلوكات أو هي تلك المُدَاوَلات بين بني الإنسان بما هي المميِّزَاتُ التي بها نُمَيِّزُ أفعاله عن غيرها(9)، ولعل هذا الكلام عن الثقافة لا يوفيها حَقَّهَا فِي تَمْهِيدِ سَبِيلِ الإلْمَامِ بحقيقة مفهومها، لأنَّ الحديثَ في مفهوم الثقافة، سواءً عند الأنثروبولوجيين أو غيرهم يطولُ دون أن نُمْسِكَ بتعريفٍ متفق عليه بين جميع الباحثين، ولكن مهما يكن من أمرٍ فإن مُعْظَمَهُمْ مُجْمِعُونَ على أنَّ الثقافة هي ما يُمَيِّزُ الإنسان عن سائر الحيوان.

الرواية موضة أم مصدر ثقافة؟

لا يَتْرُكُ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في الأسطر الماضيةِ إلا حَصْرَ الاحتمالات ضِمْنَ أقَلِّ عدد من النِّقاط وأضْيَقِ مَدًى فِي غَيْرِ تفريط؛ لَعَلَّهَا تَكُونُ كَمَا سَيَتِمُّ ذِكْرُهُ فِي الآتِي:
إذا كانت الثقافة هي ما يميز الإنسانَ عن سائر الحيوان، فإنَّ الرواية تَخْرُجُ في قَالَبٍ لُغَوِيٍّ يَخْتَصُّ الإنسانُ بإخراجه، وبالتالي فَإِنَّ اللغةَ مِنَ الأشْيَاءِ التي يتميز بها هذا الإنسان، وإنَّ كُلَّ ما يميز الإنسانَ يُعَدُّ ثقافة. لكن! هل كَوْنُ الشيء من ثقافة الإنسان يُعَدُّ مصدرًا للثقافة بشكل عام؟ بعيدا عن التجريد والأحكام الفلسفية التي وجدت نفسي أغرق في قليل منها، إن الرواية كَجِنْسٍ أدبي جزء من ثقافة الإنسان بما أنها نتاج يخصه، يساهم كغيره من الإنتاج البشري في تبيين نوعية ثقافة الجماعة التي تتداولها (أعني الرواية)، وبما أن الثقافة ليست مشروطة باحتوائها على الحقيقة وعلى العلم الصحيح، فإنها يمكن أن تكون مصدرا للثقافة كذلك مهما كانت هذه الثقافة ومهما احتوته هذه الرواية، فكون الشيء مظهرا من مظاهر الثقافة أو مصدرا من مصادرها منوط بالقارئ، أي منوط بسؤالنا: كيف وبأي عقل يقرأ؟ أي بسؤالنا عن: هل القارئ يترصد قصدية النص أم قصدية المؤلف باعتبار أن النص لما يخرج إلى الساحة الفكرية تصير له قصدية منفصلة عن قصدية المؤلف مما يستوجب أن نضع في الحسبان أنه من الأفضل أن نزاوج بينهما(10) شرطَ ألا نغرق في هذا أو ذاك ونهمل الشقَّ المقابل، لأن اتخاذ القارئِ لموقعِه إزَّاء العمل الفني/الأدبي/الروائي يحدد قيمةَ هذا العمل في نفسِ القارئ مهما كان، فإذا كان هذا القارئ يعي جيدا الفرق بين:
• “الشيءُ مظهر من مظاهر الثقافة”.
• “الشيءُ مصدر من مصادر الثقافة”.
فسيسهل عليه أن يعرف حينها أن الرواية كجنس أدبي تتفرق من أديب إلى آخر، على اعتبار أن هذا الجنس الأدبي فيه من الحرية ما فيه، ذلك بأن الروائي الفلاني قد يؤلف رواية لغرض الإمتاع، فتكون بذلك مجرد مظهر من مظاهر ثقافة المجتمع الذي يعيش فيه هذا الأديب، فتكون أداة جيدة تساعد الأنثروبولوجي الذي يأتي في المستقبل لكي يفحص هذا العمل الأدبي ويحكم على المجتمع الذي أُلِّفَ في خِضَمِّهِ هذا العمل الأدبي ويحكم على أوضاع هذا المجتمع من خلاله، فإذا قلنا أن القارئ الذي يقرأ هذه الرواية يقرؤها لأنه يريدها أن تكون مصدرا لثقافته فستكون كذلك، أما إذا كان يقرؤها قراءةَ الباحث الذي يريد استكشاف ثقافة شخص ما أو مجتمع ما فإنها حتما تكون مظهرا من مظاهر ثقافتهم، ومعرفة ثقافات الناس يُعَدُّ من التَثَقُّفِ، وبالتَّالي تكون هذه الرواية مصدرا من مصادر الثقافة بِطَرِيقةٍ ما – وإن بدا لنا أنها كانت مظهرا أكثر منها مصدرا –، ولك في الشعر العربي الجاهلي مثالٌ على أن الأعمال الفنية هي سبيلُ الأمم القادمة بَعْدَنَا لمعرفةِ حياتنا ومَظَاهِرِ ثقافتِنَا وَغَيْرِهَا الكثير مِمَّا لا يُمْكِنُ أو مما يصعبُ حَصْرُهُ، وبهذا المعيار أيضا نحكم على الرواية التي يمكن أن تكون مصدرا للثقافة، هذا إذا قلنا: إنَّ هناك روائيا قد يؤلف روايةً ظاهرُهَا الحكي وباطنُها إبراز حقائق من نوع مَا (مثلا)، كأنْ تكونَ روايةً سياسية، يَخْشَى صاحبها على نفسه من البروز على مِنَصَّةِ الإعدام فيكتب روايةً يوهم من خلالها أنَّ كلامَهُ قِصَّةٌ عابرة ولكن هي في الحقيقة كُتِبَتْ لتَسْقُطَ يوما من الأيام بين يدي قارئٍ مُؤَوِّلٍ وَمُطَّلِعٍ على شيء من الوقائع التي لَمَّح إليها هذا الكاتب وكان له ما يساعدُه على رصد هذه الوقائع وإسقاط وقائعِ الرواية عليها والمباشرة في ربط الوقائع الأخرى بما رصده في داخل الرِّوَاية كجنس أدبي(11)، فتكون مصدرا من مصادر المعرفة كذلك، وهذا الكلام عن الرواية في حال كونها مصدرا من مصادر المعرفة لا ينفي كونَها مظهرا من مظاهر الثقافة أيضا، فالأنثروبولوجيون (كمثال) لا يهمهم الدافع الذي أخرج العمل إلى الساحة الفكرية، بل ما يهمهم هو طبيعة هذا العمل وما يمثله في ثقافة شعب ما..
أمَّا الموضةُ؛ فإذا اسْتَمَرَّ مُعْظَمُ النَّاسِ فِي تَصَوُّرِهَا مُصْطَلَحًا يَمَسُّ–بسوءٍ–قِيمَةَ العلمِ والمعرفةِ والثَّقافةِ بِشَكْلٍ عامٍّ فإنه يَجِبُ أن نتواضع/نصطلح/نتفق على معنى “الموضة”، وهي تُقَابِلُ مصطلح Mode، وقلنا أن المصطلَحَ يحمل في داخله معاني النَّسَقِ السَّائِد، وَأسلوب حياة، إذا كان المصطلح في ميدان الألبسة فهو مظهر اللباس، فإذا قلنا إن اللباس ينتمي إلى تيار الموضة فإننا نقول إن هذا اللباس يَغْلُبُ كثيرا على أُناس هذا العصر، أي أن اللباس بات هو الشائع بينهم، وإذا قلنا إن الرواية هي موضة الأدب في هذا العصر فإننا نقول إن الرواية هي الأدب الشائع في هذا العصر، وإذا قلنا إن القصة موضة الأدب الآن فإننا نقول إن القصة هي الجنس الشائع في هذا العصر وهو الجنس الذي يتقبَّله النَّاس أكثر من غيره، فمن الضروري جدا أن أشير إلى أنه لا ضرورة من ربط كلمة “موضة” على ما تحمله من مرجعيات فِكْرِيَّةٍ مُشَوَّهَةٍ بميدان “الأدب وفنونه”، ذلك لأن المصطلح الأنسب للاستخدام في هذا المجال عِوَضَ كَلِمَةِ “موضة” هو مصطلح “المُعَاصَرَة”.

المراجع:
• د. جميل حمداوي: مستجدات النقد الروائي، ط1، 2011، ص11.
• سعود السنعوسي: ساق البامبو (رواية)، الدار العربية للعلوم ناشرون، ط1، 1433هـ/2012م، ص204-205.
• جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، ج1، دار الهلال، د ط، مراجعة د. شوقي ضيف، د س ن، ص73.
• ينظر: جرجي زيدان، تاريخ آداب اللغة العربية، ص73-77.
• ويكيبيديا، الموسوعة الحرة.
• ينظر
• ينظر
• د. فاروق مصطفى إسماعيل: الأنثروبولوجيا الثقافية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، الاسكندرية، 1980، ص93.
• المرجع نفسه، ص92.
• ينظر: أومبرتو ايكو: التأويل بين السيميائيات والتفكيكية، ترجمة: سعيد بنكراد، المركز الثقافي العربي، ط2، 2004، ص77-88.
• ينظر: أومبرتوايكو: المرجع نفسه،ص64-70.

تعليقات الفايسبوك