الدنيا: هل هي مزبلة حقا كما يصفها رجال الدين؟

الدنيا: هل هي مزبلة حقا كما يصفها رجال الدين؟

- ‎فيإستخدم عقلك
1437
1
@عاصم ظريف
الدنياالدنيا

مجرّد قراءة سطحية لكتب الوعض الديني تبرمج ذهنك على أنّ الدنيا مزبلة نتنة وأنّ الواجب.. كرهها والابتعاد عنها! هل هذه هي حقًّا نظرة الاسلام للدنيا؟! وإن كان لا.. فمن أين جاءت هذه النّظرة وما هي العوامل الّتي شكّلت هذا الفهم؟ هذا ما ستتعرفون عليه في هذه المقالة..

ثقافة ذم الدنيا

في عقلنا الجمعيّ ثقافة كاملة قائمة على ذمّ الدنيا وتحقيرها وما فيها، والمنشغلين بها والمشتغلين فيها، هذه الثّقافة التّي تملأ رفوف بيوتنا (بلا مبالغة) تمثّل أكثر من 60% من الخطب التي نحضرها كلّ جمعة، وغالبًا ما تتستر هذه الثقافة تحت ما يسمى بالزهد وأعمال القلوب (تجاوزًا).

أكبر مثالٍ حيّ على هذه الثّقافة: فصل ذمّ الدنيا من كتاب إحياء علوم الدين للإمام أبو حامد الغزالي، وهو على الأغلب أوّل كتاب يفتتح باب ذمّ الدنيا ويخصّص جزءًا خاصًّا لذمها وللتحذير منها… ودعونا نأخذ بعض الأمثلة من هذا الكتاب:
قال يحيى بن معاذ: الدٌنيا حانوت الشيطان فلا تسرق من حانوته شيئا فيجيء في طلبه فيأخذك.
قال بعضهم: الدٌنيا جيفة، فمن أراد منها شيئًا فليصبر على معاشرة الكلاب.
ويقول صاحب الكتاب: … وهي (يقصد الدُنيا) كامرأة تتزين للخُطّاب حتى إذا نكحتهم ذبحتهم.
كما يكثر في الكتاب وصف الدٌنيا بأنها مزبلة ونتنة وخنزيرة وما شابه…
هذا ما تيسّر من الأمثلة وغيرها الكثير الكثير ولمن شاء الاستزادة فليطالع كتاب ذم الدنيا كما أسلفت.

ماذا عن رأي القرآن؟
إنّ أغلب من يكتب أو من يتحدّث عن ذمّ الدنيا يستبعد النصوص القرآنية عن عمد أو عن غير عمد.. هذا ما سيوهم المتلقّي بأنّ الأمر محسوم و أنّ موقف القرآن من الدنيا هو الإعراض عنها و ذمّها… لا، إطلاقًا!

في القرآن فصل وفرق واضح بين لفظتيّ الدّنيا والحياة الدّنيا

دعونا نأخذ أمثلة عن لفظة الدّنيا:

  • فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ ﴿١٤٨ آل عمران﴾
  • اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ﴿٤٥ آل عمران﴾
  • وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ﴿١٣٠ البقرة﴾
  • وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴿٢٠١ البقرة﴾

  هل هناك أيّ ذم؟!

لننتقل الآن إلى لفظة الحياة الدنيا:

  • زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ﴿٢١٢ البقرة﴾
  • وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴿١٨٥ آل عمران﴾
  • مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَٰذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ ﴿١١٧ آل عمران﴾
  • زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ﴿٢١٢ البقرة﴾
  • فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴿٨٥ البقرة﴾

    اتّضحت الصّورة الآن؟ الحياة الدنيا هي المذمومة في القرآن! و هي حسب الآيات نمط متدنٍّ من المعيشة، نمط تافه … لهذا هي مذمومة!
أمّا الدّنيا فهي حسب القرآن موضع استخلاف وما تقدّم من الآيات يخبرنا بأنّ فيها ثوابًا دنيويًّا (غير ثواب الآخرة). كما أنّ الدنيا في الإسلام شيء جميل، فكما ورد في الحديث الصّحيح : ( إن الدنيا خضرة حلوة، وإن الله مستخلفكم فيها…) صحيح مسلم/ص214.

  • إن كانت الدّنيا مذمومة في القرآن وهي مزبلة كما ذكر البعض فكيف يكون نبي الله عيسى وجيهًا فيها/في شيء قذرٍ مثلها!؟ (اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرةِ) ﴿٤٥ آل عمران﴾

   يقول الدكتور أحمد خيري العمري: لو أنّ الجيل الأوّل ومن تبعه من أجيال الفتح كان يحتقر الدنيا، لما انطلق ليصارع كسرى وقيصر على دنياهما… ويأخذها منهما ويعيد ترتيبها كما يجب…

إذًا من أين جاءت هذه الثقافة؟
ليكن في علم القارئ أنّ الفترة الّتي تمّ فيها التنظير والتأصيل لذمّ الدنيا كانت فترة الانحطاط حين تحوّلت الدولة الإسلامية إلى دويلات متنازعة متفرقة، و كتاب ذم الدنيا الّذي عرضنا أمثلة منه كُتب في فترة من أحلك وأسوأ فترات الأمة الإسلامية على الإطلاق! كُتب إبّان غزو الفرنجة لبلاد الشام وإبّان احتلال بيت المقدس وكان أبو حامد الغزالي في بلاد الشام آنذاك..

   يُمكن أن نعتبر أنّ ذمّ الدنيا ذلك الوقت هو بمثابة جرعة مخدّرٍ تبعدك عن الواقع المعاش وتخفّف من وطأة الوضع الطّارئ على الأمة… إن كانت دنياك بيد الفرنجة فلا بأس! هي أصلًا مزبلة… فليأخذوها وليلاقوا جهنّم!

ثمّ تأصّلت و تجذّرت هذه الثقافة في العقل الجمعي للأمة أجمع..
ربما حان الوقت أن نكف عن طرد الدنيا بحجّة أن الدين يبغضها، لذلك سأتركك مع تساؤل آخر في السياق ذاته… هل الفن يُعتبر من وسائل المتعة والتعبير عن الذات غير المباحة في نظر الاسلام؟ هل هو شيء مذموم من الدنيا؟ أترككم مع هذه المقالة:

الفنّ والإسلام هل هما عدوّان؟

تعليقات الفايسبوك

‎تعليق واحد

  1. Avatar

    مقال أكثــــــر من رائــــــــــــــع

‎التليقات مغلقة‫.‬