الحب: بين مطرقة القلب، وسندان المجتمع..

الحب: بين مطرقة القلب، وسندان المجتمع..

- ‎فيمجتمع وأخلاق
1507
1
الحب

لطالَما اتُّخِذَ الحب -إستنادًا لعقليّة المُجتمعِ- رُكنا مرتعشًا هشا، لا يُؤمَنُ اقتحامُهُ ولا حتّى الحومُ حوله بمجرد الكلام فقط متأبِّطا الأعذار السَّمجة ذاتها -العرف والتقاليد المزعُومة-، التي تعمدُ إلى تشغيل زرّ عقلك الباطن ليحمِلَ ما يستعصِي على الوعيِ حمله حيثُ لا فُسحة للأعذار هُناك!

ويا للصدفة! عمّرت ‘‘ الحاءُ والباءُ ‘‘ طوِيلًا بمنأى عن التفكِير الصّائب، بعيدًا عن التّوازنِ والاعتِدال، لم تُسْقَ كِفايَة لتصِير وارفةً، تظلّلُ القلبَ دفئا وأنسا وتلقِّنهُ منطِقَ المشاعرِ الغامرَة.. وبدل ذلك اجتاحتها لوثةٌّ فظِيعة، لوثةٌ أودت بكلّ جميل حمَلهُ حرفان اصطفَّا جنبا إلى جنبٍ، حرفانِ كان من المفرُوض أن ينعشا العالمَ بدل تفتيتِ الشَّوك وذرِّه في أعينِ كلِ من يقربُ منطقتهُما المحرّمة.. هِي حربٌ إذن: حرُب الوعي واللاوعي.. حربُ القلبِ والمجتمعِ! لم أفلحْ فِي توزيع أدوارها لكنّها حتما حربٌ ذات عواقبْ.. تنوب فيها الغنائمُ عنِ فداحةِ الخسارة.

لا تُنكر الأمر! فعلى بُعدِ نظرة واحدَة تستطيع أن تختبِرَ ضراوة الواقعِ المحيط بكْ، نظرةٌ حقيقيَّة عبر نافذَة رُوحكَ المعجُونة بماء الحبِّ تجعلك ترى أنّ الأجواء من حَولكَ باتتْ مشحُونة، إمشِ في الشَّارع المحاذِي لبيتكْ، ذاتَ مساء دافئ.. ستلتصِقُ بكَ ذبذباتٌ ودِيعةٌ، وأخرى صارخةٌ بالإثمِ، سترى أرواحا موسُومة تبذلُ الحبّ يمينا وشمالا، تستجدِي من يتلقَّفه، وأخرى تبحثُ عن بدائلَ لمشروبِ مُسكر أو قُرص مخدِّر! فـتأثيرُ الحبِ دوما أقوى وألذ، مُعدٍ إلى أبعد الحدُود.. والكلّ يصرفُ وجههُ تلقاء اللذّة مُستقبلا غُرز الشَّوك المدمِية فِي بؤبؤ عينيه، يسكتُ الآباء والأمَّهاتُ والمربُون ولا بديل عن الشَّارع معلِّما لتقاليد الغراميات، لا يهمُّ على أي هيئة يتمُ تعاطيها -نظيفة كانت أو مُتَّسخة- لا ضَيرَ من خوض التّجربة، مادامتِ التوضيحاتٍ غير كافِية!

وعلى كَثرة المُتكلّمين في زماننا، لم يستطع أحدٌ أن يداوِي علَّة المُجتمع في فهمه للحبِّ، في ممارسته كحقٍ له، كانعكاس لإنسانيته.. ورغمَ تارِيخنا العربيْ الحافل بالمُحبِّين الحُكماء الذين تنقِّي قصصهم الروح من الشَّوائب الحسِّية القذرة، يختارُ الكثيرون الطّريقَ المؤدِّيَ إلى رغباتهم متنازِلِين عن جوهر الحبِّ الحقيقيْ، منساقِين وراء مفاهِيم مُبهمَة شحذتها الثقافة المجتمعيَّة والعرف السائد!

الكلُ يخوض الحرب مُغمض العينين، مكمَّما، ولو قلَّ العتاد، ولو استحالَ النصر!

تمَادَى الفهمُ المُعْوَجُ في حفر المبادئ والعقُول وآل الوضعُ إلى حصر الحُبِ جملة داخلَ مُربَّعٍ سخيفٍ مُقسَّم إلى نصفينِ: نصفٌ مُبالغٌ فيه حيثُ التعلُّق حدَّ الجنُون الذي يستنزفُ أصحابه، ونصفٌ مرتبِكٌ حيثُ النُّفُور بعد تجربة جارِفة لم تُخلّف سوى عدم الاكتفاء!  مذبذبِين بين هنا وهناكْ.. فيضيعُ المعنَى وتنسلخُ القِيمُ والأخلاق، ولا ترَى أيّا من هذه القصص نورا كافيا لإنارة بقيَّة النفق -الحياة-.

 

في مسيرة البحث عن أسطُورة الحب..

ضاعَ الكثيرونَ: ربَّما اقتربُوا من ماهيته وغايته الطبيعية والاجتماعية والفردية والنفسية، لكنَّ تلك المعانِي فُقِدت على أعتابِ التفاصِيل اليَوميّة وزحام الحياة، وبقِي التنقيبُ قائمًا وكأنَّ لا أحدَ بوسعه أن يصل إلى الحقيقة أبدا.

والحقِيقة أنّ الحب المنتظَرَ لا يعدُو كونه احتياجاتٍ تتطلَّبُها مراحلُ عُمريَّة مختلفة من حياة الإنسان، فأول ما يصبحُ للمراهقِ وعيٌ حول وضعه الجديد ونموِّه الجسماني واكتسابه لكل تلك المشاعر الفوضويَّة دون سابق إنذار، ينطلِقُ بجمُوح بحثًا عن الآخرِ (توأم الروح) متوهِّما أنه مدفُوع بالحب وحده، لكن الحافزَ الغريزِي الهرمُونِي له دوره هُو الآخر في توجيه الدَّفة إذ يكُون في أوجه خلال تلك المرحلة من حياة الإنسان وغالبا ما يكُون الجسد آنذاك محور الولعْ، فِي حين أنَّ فترة ما بعد المُراهقة غالبا ما تكُون مدفُوعة بحاجاتٍ (بيولوجيَّة، نفسيَّة، إجتماعية) قد تُكلَّلُ بالزواج.. والغريبُ أن المرء بعد الزواجْ بفترة يُفجعُ بأنّ الحُبَّ قد خبا وانطفأت جذوته، بعد أن كان محرِّكا يضخُّ قُوى هائلة ومشاعر مخدِّرة من قبل. فكيف يذهب بهذه السهُولة؟ والمُثير في الأمر أنَّ الحاجات تُستنفد، فيطرأ استقرار  واضحٌ على الطرفين.. هل يعنِي هذا بُطلان الأسطُورة؟ هل ينتهِي المطاف بأحدهم وفي جَوفه أسئلةٌ لم تتمخض عن أجوبة؟ يمرُّ العُمرُ ويميلُ الناس لاستحضار الذكريات والمشاعر القديمة عزاء لأنفسهم!

لا عجبَ أنّ أزمَة القرُون جمعاء تلخَّصت هاهُنا، حِين ينفد الجمالُ والقوة، حين تُفقَدُ الحاجاتُ والدوافعُ.. حِين تُشبع الرغبات، ماذا يبقى..؟ مع مُضيِ الأيام يصبحُ العمرُ أكثر برُودا، يميلُ الكبارُ إلى نبذ المشاعر والتسلِيم باضمحلالها، لا غرابة في ذلك: علميا تُعدُ تلك فترة النكُوص الحيوِي، وتراجع مستويات الطاقة في الكيان البيولوجِي، مرُورا بقلة نشاط الأعضاء ومستويات إفراز الغدد ولهذه العوامل تأثير مباشرٌ على التفكير الذي يميل بشكل جلي إلى السلبية!

وما أحوجَ هذه الحالة إلى إبصار نُورٍ يربطها بالحياة أكثر: هُنا يأتي دور الحبِ في غايته النهائيَة المتساميَة عن الحاجات البيولوجيَّة الجنسية، أو الاجتماعية النفسيَّة، للحبِ هُنا معنى راسخٌ، قويٌ، صادق إذ يسندُ النفسَ ويدعَمُها في أحلك ظرُوفها ويمنعها من الاهتراء، يجدِّد فيها روح الإيجابيَّة، ويحيلُ شتاء العمر ربيعا؛ إذا تمَّ بلُوغ هذه المرحلة بنجاح.. أظنُ أن الأحجية تكتملْ!

ختاما، أحببتُ أن أتساءلَ: إذا كان الحب يبدأ بكفاح وينتهِي بكفاحٍ أكبر، لمَ يتمُ ابتذالهُ مُبكرا دُون وعيٍ بقيمته الحقيقية؟ الحقيقة أن السبب يعود إلى كونه مُجرد حُبٍ نيِّء، لم يبلغ تمام نضجه ولن يفعل إلا بعد مرور زمنٍ، وبعد استيفاء حاجيات معيَّنة وفِي إطارٍ رسميٍ واضح هُو ‘‘الزواجُ‘‘..

لاشكَّ أن خالقَ الحب له في خلقه أسرارٌ لا يجُوز إهمالها، دُونَ تريثٍ، لابدَّ أن نترك اللهو جانبا وتفاهاتِ الضمير الجمعِي جنبا ونعمد إلى تهيئَة أنفُسنا لتجارُب لائقَة، تنمِّينا، تبنينا إذا ما انهدمنا آخر العُمرِ.. حِين نصيرُ إلى حالة من الضعفِ والانكسار لا نحتاجُ حُبا مزعُوما بنَى فوقنا سقفا يوما ما ثمَّ انهدَمَ على رؤوسنا بسبب فهمنا القاصر، ولم يخلف لنا سِوَى مزيدا من الضعف والكآبة، وما أكثر الزيجات التي تنتهِي هكذا منطفئة في الوقتِ الذي يتوجَّب أن تتقد فيه، وتضيء أركان روحَين متحدتين إلى أن يُوافي أحدهِما المنيَّة..

فليعطل كل واحدٍ فينا تجربته الحاليَّة، فلنعتزل مشاعرنا لوهلة والعاطفة التي تأكلنا بنهمٍ.. ولنسأل أنفُسنا ماذا نُريدُ من الحُبِّ..؟ بداياتِه المُسكِرة فقط أم غاياته النهائيَّة لتكتمل التجربة ونكتملَ نحنْ؟

لازلتُ أسأل بدورِي، ويعترِيني إيمانٌ جازمٌ بأنَّ التجرُبَة التِي سنَّها الله لنا هِي المُثلَى لتمحِيصِ الحبِ والظفرِ به في أنقى حالاته! ماذا عنك؟ وما تريدُه أنتَ.. أُصدق في سعيكَ نحو الإجابة ستُصادفُ حتما مُرادكَ: [حبا مضادا للصدأ].

المصادر:

 مقالة (what is love)

تعليقات الفايسبوك

‎تعليق واحد

  1. ‎تنبيهات ‫:‬ فيلم Wit: لما عليك أن تبدأ باستعمال ذكائك بدل زيارة المكتبة؟

‎التليقات مغلقة‫.‬