الانسان والأفكار: الحلقة المفقودة في العالم العربي

الانسان والأفكار: الحلقة المفقودة في العالم العربي

صناعة الانسان

الانسان أعظم استثمار!
منذ أكثر من نصف قرن ظلت الكثير من البلدان العربية تلهث وراء الرقي الإقتصادي والإجتماعي، وأصبحت هذه الدول مختبرات تجارب لكل الأنظمة المتاحة التي ظهرت في العالم، فتارة كان التوجه نحو الإشتراكية، وتارة أخرى إلى الرأس مالية واقتصاد السوق، وفي كل مرة كانت هذه المحاولات تلقي بظلالها الأيديولوجية والسياسية على الدول التي تتبناها فكان أثرها على هذا الصعيد غير ذلك الذي وضعت من أجله.
لكن لا أحد من هذه التوجهات أتى بمردوده. وتبين بعد عدة سنوات من التجربة أن الأثر محدود جدا مقارنة به في البلدان الأصلية التي نشأت فيها هذه الأنظمة والنظريات، وطبقت فيها لأول مرة، فبين تجربة الجزائر الإشتراكية وبين التجربة السوفييتية بَوْن شاسع، فالأولى حافظت على نسيجها الإقتصادي والإجتماعي ردحا من الزمن وضمنت تشغيل مواردها إلى اقصى مدى، أما الثانية فلم يكن تبني النظام الاشتراكي إلا هدرا للمال العام في المؤسسات الاقتصادية وشيوعا للبطالة المقنعة مما أدى إلى إغلاق الكثير من الوحدات الإنتاجية وإفلاس الكثير من المصانع، ورغم المخططات التنموية الكبرى، إلا أن الحال بقي كما هو عليه ولم يكن هناك أثر يذكر.
وهنا طرحت الاشكالية: أين الخلل إن كان تطبيق المناهج والنظريات لا يؤتي ثماره؟ الإجابة أن المشكلة ليست في طبيعة تلك الخطط أو الأنظمة ولكن الخلل في الانسان المعني، وهنا الأمر يتعلق أساسا بالعقل والوعي، فأي نظام يتم تبينه يجب تحضير الشعب وتوعيته بما له وما عليه من أن أجل أن توضح الصورة لديه، ولنا في الأدباء الروس، وفي مؤلفات ستالين وفي حركة النشر في الاتحاد السوفياتي واتجاهها نحو تنمية وعي الشعب بكل أطيافه مثال يحتذى به: فإذا أتيت بأي خطة في أي مجال كانت، ثم طبقتها بحذافيرها وبمنتهى الدقة ولكن دون تمهيد لها، فحينئذ تكون هناك حالة انفصال بين الفكرة والمطبق، بين الانسان والعمل.

إهمال صناعة الانسان

وهذا الانفصال كان نتيجة إهمال لصناعة الانسان، خاصة الانسان الذي عانى من ويلات الحروب طيلة عشرات من السنوات، هذا الانسان الذي نسي كيف يكتب أو يقرأ، وليس له من الزاد المعرفي أو الحضاري شيء، فكل مناه أن يسد جوع بطنه ويواري سوأة جسده، ويعيش بروح خارج التاريخ وخارج الحاضر بما يحمل بين طياته من صراع بين القوى والدول، غير عالم بما عليه وبواجبه نحو الداخل، ولا واع لمعنى أن يكون النظام السائد كذا أو كذا، بل واجه الأمر ببلاهة الجاهل، فلم يكن همه من النظام الإشتراكي مثلا إلا أن يأخذ الأجر بلا عمل ويتمتع بزهادة الأسعار… أما الحالة الحقة لهذا النظام والتي كان وجب عليه أن يعيها ويؤمن بها كما آمن السوفييت: أن الوطن فوق الجميع، وشرف الانسان أن يعمل ويتشارك منتوج عمله مع الآخرين، وأن يقيم كل فرد في نفسه وازعا وضميرا يجعله يحب بني جلدته ويضحي بمصلحته الخاصة في سبيل المصلحة العامة… الخ.
ومازال إلى وقتنا الحاضر وفي كل الأقطار العربية تقريبا هذا المشكل، ولم يعالج.. فتهيئة الانسان من أجل خوض غمار الحياة ومواجهة العالم تعاني قصورا حادا، ومزال نفس المشكل في الحلول المقدمة للأزمات سواء الفكرية منها أو الإقتصادية والسياسية، فتطبيق النظام الديمقراطي والانتخابات لم تغير حقيقة الاستبداد، والترويج للحداثة ونشرها لم يأت بحل للأزمة العميقة التي نعيشها، وتطبيق بعض المشاريع الاقتصادية يلاقي الفشل الذريع، فليس المشكل في الحلول ذاتها كما سبق وأن قيل، ولكن المشكل فيمن يُقَدّم إليه الحل… فكل شيء يبدأ في عالم الأفكار لا في عالم المظاهر والأشياء.
كاتب الموضوع: صحراوي محمد الأمين.
شاركنا رأيك على التعليقات
أين ترى المشكلة لدى الانسان العربي؟

إقرأ أيضا: كيف يفكر الشكوبيستاني؟

تعليقات الفايسبوك

3 Comments

  1. Avatar

    Meriem laifa

    Good article. It is basically a true and correct idea. Unfortunately, people are becoming so selfish to care about humanity and try to make a change. Good luck and keep writing….

  2. ‎تنبيهات ‫:‬ التخاطر: الخرافة الأقرب إلى الواقع..

  3. ‎تنبيهات ‫:‬ الطفولة تموت تحت أقدام المصالح الكبرى

‎التليقات مغلقة‫.‬