الاكتئاب: السبب الرئيسي للإعاقة في العالم

الاكتئاب: السبب الرئيسي للإعاقة في العالم

- ‎فيعلوم
1614
5
الاكتئاب

لو أخبرك أن الاكتئاب هو السبب الرئيسي للإعاقة في العالم، قد تتعجب كثيرا، وقد يصعب عليك حتى تخيل الرابط بينهما، ذلك أن كلا المفهومين “الإعاقة والاكتئاب” دائما ما يساء فهمهما عند عامة الناس، هذا ما سنوضحه فيما يلي.

أغلبنا يمر بأوقات عصيبة لأي سبب كان، تسيطر علينا فيها مشاعر الحزن، الغضب، التشاؤم وفقدان الأمل، سرعان ما تمضي كأن شيئا لم يكن، وقد يصف أحدنا نفسه خلالها بأنه “مكتئب” وهنا يبدأ الخلط بين المعاني، فالاكتئاب ليس مجرد حزن عابر يمكن التخلص منه ببساطة، بل هو حالة مرضية قد تمتد لشهور وأعوام إن لم تعالج كما ينبغي، لها مظاهر نفسية وجسدية تؤثر سلبا على حياة الشخص الاجتماعية والعملية والدراسية، يعاني منها أكثر من 350 مليون شخص حول العالم ومن كل الأعمار، وفي الحالات المستعصية تعتبر سببا أولا للانتحار.



مظاهر الاكتئاب:

يشعر المكتئب بالألم والفراغ الشديدين، يفقد الرغبة في كل نشاطاته المفضلة كالتسكع مع الأصدقاء أو قراءة الكتب وحتى النشاطات اليومية، يشرح ذلك الدكتور جوناثان روتنبيرج، بروفيسور في علم النفس في جامعة جنوب فلوريدا: “لماذا يفضل المكتئبون البقاء في السرير طوال اليوم؟ ليس لأنهم يستمتعون بالدفء تحت الأغطية، بل لأنهم لا يستطيعون إخراج أنفسهم منها. تقريبا القيام بأي نشاط يصبح مؤلما جدا، حتى تلك النشاطات البسيطة كالاستحمام أو تغيير الملابس”. فبغياب الحافز، قد يشعرك الاكتئاب أن عضلاتك لا تعمل وبالتالي من الصعب جدا العمل أو التركيز. فيشعر بأنه فاشل، وحيد وأسوء مخلوق على وجه الأرض، يفقد كل ثقته بنفسه، يحتقرها، يعتبر نفسه مجرد عبئ على الجميع، وأن العالم سيكون أحسن بكثير لو لم يكن على قيد الحياة ومن هنا تبدأ الأفكار الانتحارية.

ولكل ما ذكر أعلاه أثر جسدي، حيث يعاني المكتئبون من فقدان أو زيادة في الشهية، وبالتالي فقدان او زيادة الوزن.    فقدان للطاقة وتعب شبه دائم، أرق أو فرط في النوم، صداع ومشاكل في الجهاز الهضمي قد لا تنقص حتى بالعلاج.

أسباب الاكتئاب:

رغم الأبحاث المكثفة، تبقى أسباب الاكتئاب مجهولة ليومنا هذا، إلّا أن العلماء كشفوا عن وجود تغيرات على مستوى المواد الكيميائية والهرمونات في الجسم عند الأشخاص المصابين.

يتشكل الدماغ من آلاف الخلايا العصبية، تتواصل فيما بينها من خلال مواد تدعى “النواقل العصبية”. أظهرت الدراسات أنه في حالة الاكتئاب، تنقص ثلاث نواقل عصبية مهمة جدا وهي السيروتونين، الدوبامين والنورادرينالين ما يؤدي إلى ضعف التواصل بين مناطق الدماغ وبالتالي ظهور أعراض المرض. أما سبب النقص في هذه النواقل مجهول.

كما توجد العديد من العوامل المساهمة في ظهور الاكتئاب:

الجينات: إن إصابة شخص ما من العائلة بالاكتئاب يزيد احتمالية إصابة باقي الأفراد. لم يتم لحد الآن تحديد الجينات المتدخلة في ذلك.

الهرمونات: إضطراب الهرمونات الجسدية كالكورتيزول والنورابينيفيرين المفرزة في حالات الخوف والقلق، والهرمونات الأنثوية خلال الدورات الشهرية والحمل وسن اليأس يساهم بشكل كبير في التقلبات المزاجية وقد يؤدي حتى إلى الاكتئاب، ولهذا تصاب به النساء مرتين أكثر من الرجال.

المحيط العائلي: كفقدان أحد الوالدين او كلاهما، نوعية التربية، العنف الأسري (يرى المعالجون النفسيون أن الأشخاص الذين لم يستفيدوا من عطف الأم أثناء طفولتهم أكثر عرضة من غيرهم للإصابة لاحقا بالاكتئاب).

الضغوطات الاجتماعية: كالبطالة أو حتى الضغوطات التي يتعرض لها خلال العمل، الظلم وإطلاق الأحكام الخاطئة…

المرض الجسدي: تتسبب بعض الأمراض بالإصابة بالاكتئاب من خلال الطريقة التي تؤثر بها على جسم الإنسان، كما ينتج عن الأمراض الخطيرة والمستعصية كالسرطان، وبعض التأثيرات الجانبية لأدويتها.

علاج الاكتئاب:

رغم صعوبة الامر، إلّا أن الاكتئاب مرض قابل للشفاء التام، تختلف طرق العلاج حسب الأشخاص ودرجة المرض، قد يتم وصف مضادات الاكتئاب لمدة يحدّدها الطبيب المختص، أو توجيه المريض للعلاج بالكلام سواء مع أخصائي نفسي أو صديق أو قريب، ويمكن الجمع بينهما في بعض الحالات. إذا فشلت كلتا الطريقتين السابقتين، قد يتم اللجوء إلى العلاج بالصدمات الكهربائية، كما توجد طرق أخرى مازالت تحت الدراسة. ما يجب معرفته والتأكيد عليه أن للاكتئاب علاج مهما زادت درجته، لكن للأسف ثلثين من العدد الإجمالي للمرضى لا يحصلون على ذلك، بسبب الخجل من الاعتراف بالاكتئاب والخوف من ردة فعل المجتمع وصعوبة التحدث عن الأمر، وحتى الخوف من إدمان مضادات الاكتئاب كما هو شائع. هذا ما يجعل الأبحاث حول المرض صعبة نوعا ما.



الاكتئاب والإعاقة:

تُعرّف منظمة الصحة العالمية الإعاقة بأنها حالة جسدية، عقلية أو نفسية تحدّ من قدرة الفرد على أداء وظائفه الطبيعية اليومية، ولأن الاكتئاب يمنع الشخص من أداء دوره الطبيعي داخل العائلة والمجتمع، يعتبر السبب الرئيسي للإعاقة في العالم، فهو يقلّل أو يحدّ من الإنتاج العملي والدراسي لدى المكتئب ما يعرضه للطرد أو الرسوب. كما يؤدي إلى الطلاق وفساد العلاقات مع العائلة والأصدقاء.

الإكتئاب وباء ينخر مجتمعاتنا، لكن للأسف أغلبنا لا يعترف به أو لا ينتبه له. قد يكون المصاب ابنك، أخوك، زوجك أو حتى صديقك، مساعدتك له مهما كانت صغيرة إلا مهمة جدا في التخفيف عنه، فلا تبخل عليه بها.

ختاما يجب أن ننوّه إلى أنّ الإكتئاب “مرض” لا إرادة للمريض فيه، وهذا ما يصعب شرحه للكثيرين، إذ هو مرض نفسي مثل كل الأمراض الجسدية التي تُعالج بالدواء أو التأهيلات اللازمة، وعلى كلّ العائلات العربية أن تكون أكثر حرصا في التعامل مع الأفراد المصابين وعدم أخذ الموضوع من باب الاستخفاف، وقد خصصت بالذكر “العائلات العربية” بسبب نقص الوعي حول هذا الموضوع في مجتمعاتنا، ممّا يستدعي تكثيفا لجهود الجهات الناشطة في مختلف المجالات كالجمعيات والمنظمات الصحيّة، كذلك يبقى الدور محوريا بالنسبة للاعلام الذي لا ينال منه هذا الموضوع إلّا جزءا يكاد لا يُرى، وأنت أيضا عزيزي القارئ… لك دور محوري في نشر الوعي حول هذا الموضوع بين أصدقائك وأقربائك، كما يمكنك مساعدة المصابين بهذا المرض بحسن المعاملة معهم ومحاولة الاستماع إلى هواجسهم، حيث يعدّ “الشعور بالأمان والارتياح”  جزءا مهما من العلاج كلّه، بالمجمل هي مسؤولية كلّ “إنسان”… لأنّ عدم معالجته لوقت طويل يؤدي إلى نتائج كارثية حتمية!


المراجع:

موقع منظمة الصحة العالمية

WebMD

كتاب “الإكتئاب” للدكتور كوام مكنزي- سلسلة كتب طبيب العائلة.

تعليقات الفايسبوك