آدمي أم مارد خارق؟

آدمي أم مارد خارق؟

- ‎فيتحفيز
988
التعليقات على آدمي أم مارد خارق؟ مغلقة
@مجلة فكرة - IDEA Magazine
المارد الخارقالمارد الخارق

‘‘العملاقُ بداخِلكَ !لمَ لاَ تبعثهُ من مرقَده؟ أطلقِ المارِدَ وحرِّر – السوبر – الخارقَ فيكَ‘‘..الخ
أذكُر أيَّامَ كان لهذه التعابيرِ وقعٌ شبهُ مُحفِّز بدواخلِي، رُبَّما لا علاقة لاستِجابتِي لها آنذاك بمدَى صِدقها
أو قُوَّتها، رُبَّما كانتْ العقباتُ وقتئذٍ مِجهريَّة، تحتاجُ فقط دَفعةً عاديَّة.. عقباتٌ صغِيرة يكفِيها خطابٌ مُكرَّرٌ تلوكه الألسنة وإن كان سِلكُه مفصُولا عن القلبِ، وإن فقدَ وهجه منذُ أمدْ.. أعتذرُ لنفسِي مرَّات كثيرة إذ أجبرتُها على اقتفاء أثر السِّنين التي تفلَّتت من عقاربِ السَّاعة على وتيرة واحِدَة، أتأسَّفُ إذ لم تعُد الحياةُ كالحياةِ أمس، ولاَ القناعاتُ استقرَّت على حالها، ولاَ قامُوس العثراتِ الذي لمْ يسلم من التَّغيير والتعديل والتنقيحِ على نَحوٍ مفاجئ لا يتركُ للمتخاذلين مجالاً..هرطقاتُ العمالقَة والخارقِين لم تعُد تُجدِي!

لا لِشَيء، فقط لأنّ ما نحنُ بصددهِ اليَومَ أهولُ من أن تُهونهُ مُسكِّناتٌ منتهِية الصَّلاحِية كالتِي تُحشَى بها عقُول البشر حاليًا، للحدِ الذِي انعدَمَ معه تفاعلهُم مع واقعهم.. ببساطَة تبلَّدُوا وانهارت تركِيبة {الإنسانِ} فِيهم.. واستفزَّتِ الأحادِيثُ الباردَة بقايا الحرارة المقيمة بدواخلهم، حرارةٌ تعوَّدُوا أن يضرمُوا بهاَ الهمَّة وينفخوا بها على ما اعوجَّ منهُم فيستقِيم وينتظمْ وينطلقَ بعد كبوةٍ !

لا يعيبُ الإنسانَ أن يُجاهرَ بتبعاتِ إنسانيته لنفسه! ما يعيبُهُ حقا أن يكبتَ ما يضطرمُ بداخله، أن يخنُقَ حقيقةَ اللحظة وَيزوِّر لنفسه سيناريوهات مبتدَعة، مستعارَةً من أشخاصٍ لَا علمَ لهم به، ولامجالَ لربط تجاربه بتجاربهم..

سيظنُّ أحدهُم أنِّي أقصدُ فريقًا بعينه؛ شخصَا، منهجا معينا .. لكلٍ حريةُ الجمُوح بخيالاته.. ولِي حرِّية تصفيف الأفكارِ على الوجه الذِي يتِيحُ لمن يقرأ أن ينظُر قليلًا إلى السطُور، يتوقَّف، يحكُ رأسه، يصفنَ في الشَّاشة، ليعاوِدَ المُواجهَة من جدِيد، ليُقِرَّ بأنّ داخلَهُ كائنًا مقيتًا من أولئكَ الخارقِين – المزعُومين- لطالمَا آمنَ بصلابتهِ في نقطة من الزَّمن وخذله.. خذله بشِدَّة ! ولم يقِف عندَ هذا الحدَّ فحسب، بل كان معهُ من الجرأةِ ما يكفِيه ليُوهمكَ ويُوهمنِي بأنَّنا لا نصلُحُ لصناعَة نصرٍ يليقُ بنا وبأمتنا.. ولم يلبثْ أن خرجَ ذاك الكائنُ براقا لامعًا لا يُرَى عليه أثرُ الإثم والملامَة.. وتُرِكنا نحنُ في حضْرَة العارِ الذِي لا مفر منه، عار الفشلِ وَالتقوقُعِ علَى أنفُسِنا وجلدِها كأعنف ما يكُون، تُرِكنا فِي حلقَة مفرغة تستدعِي اصصطناعَ خارقٍ آخر وآخر و آخر دُون الالتفاتِ إلىَ ذواتنَا المتوقِّدَة المركُونة جانبًا  – للأسَفِ– بحُجَّة أنَّها لا تُسمن ولاتغني من جُوعٍ، ولم نجد ضيرا من إلتهام الوهم الذِي يُسوَّقُ إلينا حتَّى على ألسنة العوام ممن نعرفهم..

بداخلك مارد، هل يعني ذلك أنك لا تشعر بشيء ولا تضعف أبدا!

منْ أخبَركَ أنّ لصُنَّاعِ النَصر قلُوبا لَا تتحرَّجُ من الإنكساراتِ ولا تألم لها وأن لا دمُوع لهُم ولا سقُوط على دربِ البناء، وأن تلك سُنَّة لم تتغير مذ خلق الله البشر: أخبِرهُ أنَّهُ واهمٌ.. أنهُ يُعمَّرُ في عوالمَ خياليَّة لا تمت لعالمنا بصلة، أخبرهُ أن يدِير رأسه الحجريَّة يمنة ويسرة علَّهُ يأتينَا بثُلة من هؤلاءِ!
المُبالغَةُ فِي تقدِيسِ بعضِ ممَّن مضَوا واقترنت أسماؤهم بصناعة النَّصرِ في تاريخ أمَّتنا، أدَّت بنا إلى الغفلة عن خفايَا نفُوسهم آنذاك، وافترضنا نحنُ أنَّهم كانُوا من طينَة أخرى غير التي نحن عليها وأنَّهم صنعُوا ما صنعُوا بابتسامَة..
لكن من قالَ أنَّ النصر لم يكلَّفهم الكثِير، أو أنه لم يستنزفَ من مشاعرهم القدرَ الكبير، من قالَ أنّهُم تعملقُوا حتَّى استقام على أيديهم ما استقام !؟

دعنا منهم !أنتَ وأنَا.. جيِّدُون يارفيق (ة)، صالحُون للبذرِ، للعطَاء، لإنجابِ أشياء ملهمَة.. فقط لو أعطينا المخاضَ حقَّهُ، على أنَّ ما يترتَّبُ عليه من ألمٍ مبرحٍ وغصَّة خانقَة وصُراخٍ يصمَّ الآذانَ سينزاحُ فيما بعد، سيفصحُ عنْ بِناء صلبٍ ! الماردُ ومُشتقَّاته يعطلُون المخاضَ يُقاومون المجرى الطبيعي للحياة، يمنعُونك  من الوصول للحياة ويقطعُونها هي عنك!

فقط لو منحنَا ذواتنَا فُسحة من الواقعيَّة، بدل التَّحسس المفرط من الفشل المؤقت أو الهُرُوب منه ادّعاءً للإيجابيَّة بينما يعمِّق ذلك الهوَّة بيننا وبين الوجْهة، بل حتَّى بيننا وبين ذواتنا.. قد نصيرُ آلاتٍ لا تعِي ما تنجزُ ولا تُنجزُ إلا ما يتمُ برمجتها عليه، إنجازات متجمِّدة لا بصمة للإبداع عليها!

ختَامًا يا صدِيق (ة)، ثنائيَّة [النصر/ الهزيمة]راسخةٌ إلى أبعد الحدُود في كل ما حولنا، فلمَ علينا أن نتشبَّث بأحد طرفيها ونكون أحاديي القطبِ رغمًا عنَّا، لم نبالغُ في تشويه الإيجابية ونتبنَّى آراء مثاليَّة عنها، والإيجابيَّة كلها متعلقة بالقطبين( نجاحٌ و فشل) لا أحدهما بل كلاهُما وبنسب متفاوتة إن رجحت على كفَّة فسترجح لصالحِ أشدِّ القطبين وطأةً ..

حِين تنهارُ تماما تذكَّر المخاضَ وكيفَ أنَّه مركّب ملهِم في اللحظة التِي يبلغ فيها الألم ذروته، يكُون ميلادُ روحٍ متوهِّجة قيدَ الإنجاز.. ألمٌ وميلادٌ ! لم يخلق الله آدميا على هذا الكون إلا ومنحه من القوَّة ما يكابد به عناء الوصُول، فلا تدع أحدا يلقنك شيئا باهتا، بعيدا كل البعد عنْ مكونات رُوحكَ.. إذا استمسكت بحبل الله لا يضرُّك ما تلاقِي من شقاء، لأنك تعلم يقينا أنه سينعطفُ بك إلى حيثُ تريدْ في نهاية المطاف، وكن أنت بدل أن تكون ذلك المارد ..

{والذِين جَاهدُوا فينا لنهدِينَّهُم سُبُلنَا  وإنَّ الله لمعَ المُحسنِين} [العنكبوت- 69- ]

كاتب المقال: مروة بوحدة

تعليقات الفايسبوك