حقارين…

حقارين…

- ‎فيمجتمع وأخلاق
1737
1
حڤّارين...حڤّارين...

حقارين…

 بغض النظر عما كتبتُ سابقاً في انصافه، هذا لا يمنعني من القول أنّ هذا القوم حڤّار[1]..
سيكون من الصعب على الجميع هضم الجملة أعلاه، بيد أنهم لن يجدوا لذلك أي تعليق سوى الصمت أو انصافي  بعد آخر سطر، لم يكن أيضا سهل عليّ أن أؤرخ لهذا الواقع المّر الذي آلم أفواهنا وعلق فيها لكثرة ما تحدثنا عنه حتى لم نعد نعرف طعماً آخر للحياة داخل هذه الفزاعة غير المرارة.
في كل مرة تضيق بنا السبل نجد أنفسنا هواة عصيان مدني من خلف الشاشات وتحت أسماء مستعارة، نشارك جماعياً في اتهام المسؤولينبحقرة هذا الشعب الأبله المسكين، في كل مرة أحاول تفسيرها لماذا نحن الشعوب الوحيدة التي “تحقرها حكوماتها بينما في بلدان أخرى لا يتجرأ حتى الملوك أن يفعلوا برعيتهم ما يفعله بنا رؤساؤنا، سرعان ما ظهرت لي فكرة في الأرجاء كان يغطيها ذلك الشيء السُلاّلي القابع في داخلنا والذي يقضي بأننا شعب الله المختار! فعلاً أوليست هذه هي الحقيقة! أننا نفتخر بهمجيتنا، بعنفنا في الملاعب وضدّ النساء، يضع أحدهم صورة لإمرأة مشوهة الوجه ويردف قائلاً: “هذه ضربها زوجها لأنها سبت والدته”، ثم يتيح للآخرين الاختيار بين احتمالين إماّ رجولة أو“رخس”، تنزل قليلاً لتجد آلاف الأيدي امتدت بدون خجل وبكل غباء  لتبصم على احتمال الرجولة، هل يعقل أن تكون هنالك ذرة رجولة في شخصٍ يضرب زوجته لأيّ سبب كان ثم يلتقط لها صورة ويدع من هب ودب يتمعن فيها على مواقع التواصل الاجتماعي؟




  ليس غريباً علينا ونحن الذين نردد بفخر: (هذا شعب مهبول) ونضحك وكأنّما الجنون والعنف شيء يدعو للانبساط، والواجب القول: هذا شعب “حقار“، هؤلاء البشر يمارسون الحڤرة جماعياً على القلة منهم دون أن يقف رجل واحد ويقول توقفوا، الكل يشارك في مجازر العرق والأصل والجنس، ويقلبون من جهة أخرى شاشة التلفاز بحثاً عمن يتحدث عن آخر ما فعلته بهم حكومتهم.

مازال البعض يسخر من سكان الأرياف والقرى حينما يأتون إلى المدينة ويتصرفون بطبيعتهم، لا يكفون عن التهامز بينهم والغمز كلما لاحظوا ردة فعلهم العفوية من أي شيء، دون أن يدركوا أن من يشدقون أفواههم عليه من الممكن أن يكون ذا مال وجاه لم يحلموا به هم الذين ربما يسكنون في غرفة واحدة مع الجرذان حتى ولو كانوا أبناء مدينة!، لازالوا يصنفون الناس وفق ما يرتدونه واللغة التي يتكلمونها، والمناطق التي يسكنون بها، مازالت بعض الشعوب تسافر إلى بلدان آخرى ببطاقة التعريف فقط، ومازال أكبر همنا من هم السكان الأصليون للجزائر.

يتصرفون وكأنهم أبناء تكساس! حقارين…




 ها هي الجهوية تنهش هذا الوطن من كل زاوية ونحن نحاول نزعها بيدٍ وبيد أخرى نساعد من يعيد زرعها، أصبحت الجزائر شرقاً وغرباً وجنوب، مع أن الضرر كل الضرر لنا والفائدة تنتقل لحسابات في بنوكٍ خارجية، لو يدركُ هؤلاء الحمقى أننا نستهلك طاقاتنا في محاربة بعضنا البعض أكثر من تلك التي نُكِنُّها “للحقارة الكبيرة” التي تتفنن في إغاضنا، تحتفل بميلاد خطط لسرقات جديدة وتُردي هذا الشعب قتيلاً ليس بالرصاص وإنّما “بالرخس”، لو لمرة واحدة فقط نعترف أن هذا البلاء الذي أنزله الله علينا كان بسببنا نحن الذين مازلنا نصنف هذه عاهرة، هذه بنت فاميليا هذا ديوث هذا مخنث، هذا جيجلي هذا معسكري هذا زنجي، والكثير الكثير من التصنيفات التي إن دلت على شيئ فإنما تدل على أننا وصلنا إلى وِهاد الجهل ولن نرتفع إلا بنبي ورسالة، ولو أنّ الله لم يجعل آخر الرسل محمد -عليه الصلاة والسلام- لكنّا مثل تلك الأقوام التي تقتل رُسلها لتكبُّرها وعدم هضمها لحقيقة جهلها.

  أولئك الذين انتحروا من الجسور والذين أحرقوا أجسادهم، أولئك الذين جنوّا واكتضت بهم الشوارع، الذين ماتوا بنوبة قلبية، اللواتي أصبحن بين ليلة وضحاها بائعات هوى، الآلاف الذي غرقوا في محاولة هجرة، والكثير الكثير من المرضى والكادحين والمصابين بوعكة أمل من الحياة، ليس بالضرورة أن تكون الحكومة سبباً وحيداً في حصول كل هذا معهم، للأبناء والأزواج والأقرباء والناس أجمع نصيبٌ في تكدس كل هذه الجثث الحية والميتة في هذا الوطن، “الحقرة” عرفت أين تحطُ رحالها حينما أصبح الكل يهتف نفسي نفسي.

في الأخير يجب أن أذكر أن هذا المقال عصارة لأفكار كثيرة تدور في رأسي منذ مدة، حرضتني على كتابتها أغنية لرضا الطالياني، مازالت أختي تلحُ أن أسمعها منذ أسبوع كامل.




[1] حقارين: كلمة عامية جزائرية، يقصد بها الظلم والتعسف. حڤرة: ظلم وتعسّف/ حڤار: ظالم متعسف.

تعليقات الفايسبوك

‎تعليق واحد

  1. ‎تنبيهات ‫:‬ Akrem Deba » حقارين…

‎التليقات مغلقة‫.‬