الشعرة الفارقة بين الحرية الشخصية والذوق العام

الشعرة الفارقة بين الحرية الشخصية والذوق العام

- ‎فيفكر وحضارة
1571
التعليقات على الشعرة الفارقة بين الحرية الشخصية والذوق العام مغلقة
الحرية الشخصيةالحرية الشخصية

في يومٍ غير بعيدٍ رأيت شخصين يتجادلان على مقربة من الحافلة رقم “104” – التي تُقِلُّ من الجامعة إلى المحطة العامة للحافلات لولاية سطيف -، وكانا أحَدُهُمَا رجلاً كبيرًا والأخرى شابَّةً في مقتبل العمر، وكان مما سمعتُه من حديثهما (وهو باللغة العامية الجزائرية):
– يا بنتي استري روحك..
– صحا عمو mais هادي حاجَة تخصني..
وكان باديا على الرَّجل أنَّه ما زال بَعْدُ في سنٍّ تسمح له برؤية مفاتن النساء مَفَاتِنًا، أعني ما زال فيه بعضٌ من حاسَّة الشَّابِّ الغريزية إزاء مُحَرِّكَاتِهَا ومُحَفِّزَاتِهَا، كما كان باديا على البنت أنَّها بلغت سِنًّا تَعْرِفُ فيه لماذا تَتَغَنَّجُ النِّساء في الطُّرُقَات؟ ولماذا يَلْبَسْنَ ما شَابَهَ الغِرْبَالَ فيما كان دون ثلاثة أرْبَاعِ الجسدِ من جُزْئِهِ العلويِّ ولماذا يَضَعْنَ أحْمَرَ الشِّفَاه ويُطِلْنَ رُمُوشَهُنَّ بتلك الأداة التي تُشْبِهُ القلم.. وكلاهما (الرَّجُلُ والشابَّة) في سن يسمح لهما أن يعرفا أنهما في مجتمع يدين بالإسلام، لهذا فإن هذا الخطاب الدائر بينهما هو خطاب نابع من كونهما يعيشان في مجتمع جزائري مسلم..
هذه اللمحة البسيطة، وهذا الجزء الصغير الذي سمعتُه من الحوار، لا أريد أن أسقطه على نوايا كل منهما، لا، إنما الذي سمعته منهما في هذه الومضة الخاطفة – لَدَى مروري عليهما في شأنٍ لي أقضيه من أحد الدكاكين– كان بمثابة المُنَبِّه، لِتَتَجَلَّى دَاخِلَ عَقْلِي فكرةُ حُدُودِ الحرّية الشخصية لدى الفرد في مجتمعه..
إن الحرية الشخصية على حقيقتها، هي تلك الخصوصية التي لا تمس غيرك لا في سمعه ولا في بصره ولا في شيء مما يُعَدُّ من حواسِّه، أو هي تلك الخصوصية التي تكون بَيْنَكَ وبين عددٍ معين من الأشخاص، فالحرية إذن على درجات؛ توجد حرية شخصية، وحرية جماعية.. فمن بين الحريات الشخصية التي تخصك ولا يحق لأحد أن يجابهك بنوع من أنواع الاعتراض – مثلا – سَهَرُكَ في الخلاء محدثا الضَّجِيج [أقول في الخلاء]..، أمّا الحرّيّة العامّة؛ فهي أن لا تخرق الذوق العام، فلا يبلغ ضجيجك أسماع الناس فيضايقهم، فَقَبْلَ تلك النقطة تكون نهاية حريتك، ربما يتبادر إلى أذهانكم التوافق بين كلامي ومقولة “أنت حر ما دمت لا تضر”، نعم ربما هذا.. فإنه متى ما اِدَّعَى شخص الحُرِّيَّةَ دون أن يربطها بالأخلاق [كما يحلو لأصحاب الموضوعية تسميتها]، أو بالدين [كما يحلو لرجال الدين تسميتها] فإنها لا تبقى حرية سوى أن يكون آخرها “تمردا وإضرارا وتجبرا” مهما كان موقعُ مُدَّعِي الحريةِ هذا من المجتمع الذي يعيش فيه.. ولكن، مهما يكن من أمرٍ فإنَّ ربط الحرية بالدين/الأخلاق حَقِيقٌ أَنْ يجعل المجتمع مُتَّزِنًا بَيْنَ الواجب والحق، مُنَصِّبًا نفسَهُ عَلَى أكرم منزلة وأصْوَبِ خيار بينَ الشَّرَفِ والنَّذَالَةِ، بين الإنسانية والبهيمية، بين الدولة والغابة، وبين المنزل والاسطبل..

تعليقات الفايسبوك