موعد مع الذات وكسر الروتين

موعد مع الذات وكسر الروتين

موعد مع الذات وكسر الروتين

 كالعَادَة أضبطُ اختيارات برنامج الكتابة على الخطِ المعتادْ، وَأدونُ رقمًا لتحديد حجم الحرُوفْ، أرمِي بِأطرافِ أصابعِي علَى الكيبُورد – لوحة المفاتِيح– في حركَة تلقائيّة، وَأُطالعُ الفراغَ الأبْيضْ على شاشة الحاسوب..!

لا يُفصحُ انتظارِي العقِيمُ سوى عن تكتكَة المنبّهِ المستفِزّة في أذنِي، وَاستعصاءِ الأفكارِ علَى الانزلاقِ خارجِي في شاكِلةِ حرفْ أو ما شابَه! أُمهِلُ الأمر بضعَ دقائِق، علَّنِي أجدُ ضفيرَة الخيطِ الأولَى لأفُكّ عنادَ الكتابَة هذا! أُصابُ بالخيبَة ككُلِ مرَّة أبُوء فيها بذنبِ الكتابَة.

كتابة2

الكتابةُ: عن الكوكبِ، عنِ النَّاسِ، عنِ الخيرِ، عن الشَّرِ، عنِي، عن ذاكرتي، عنْ كلِ ماَ أفقهْ. كأنِي أحاول الكتابة كطفلة لم تعرِف نارا أكبر من عُودِ ثقاب، والآن عليها أن تصفَ غابة بأكملِها تحترق! أرهقنِي التفكيرْ..

         تبدُو الهالاتُ أشدّ اسوِدادا مؤخَّرا، مُتماديَةً فِي حَفرِ أسفلِ عينيْ، يا للهولْ! نظرةٌ خاطفةٌ في المرآة المقابلة كفيلةٌ بصرفِي عن التفكِيرِ فِي شيءٍ آخر بعد، كانَ أسبُوعا كالحا، حَضَرتْنِي فيهِ كُلُ الأسئلة المقيتَة دُون وعدٍ بالجوابْ.

آه.. هذا السَّببُ إذنْ! أنا وأسْئلتي وَمعضلاتي الذاتيَّة المُكرَّرةُ علَى فتراتٍ مُتراميَة؛ تُفقدُنِي توازُنِي لبُرهة، حِينَ أُمضِي أيَّاما فِي مُطالعَةِ الواقعِ من أعماقهِ، كُلَ صباحٍ على متنِ الباصِ البطيء المُهترئ، الباصُ نفسهُ الذِي يُؤخِّرُنِي عن محاضراتِي بسببِ رغبته المُلحَّة فِي تصفيفِ الركابِ ذوِي المزاجِ السَّيء كأعوادِ ثقابٍ منكَّسة فِي علبةٍ ضيِّقةٍ، دُون أن يهتمَّ بتلاصقِ أجسادهمْ بشدَّة، غير مُكترثٍ بصعُوبة اصطيادِ قطرةِ هواءْ نقيَّة داخلَ قطعةِ العذابِ تلكْ.. أتغاضَى عن الأمرِ؛ وَيسكتُ الباقُون عنِ الوضعِ ونسيرُ كلَّنا إلى وجهاتنَا؛ لَا يُمانعُ أحدٌ أن تُستغلّ حاجتُهُ من قبلِ صاحبِ الحافلة وَسيجارته العَفنة -رغم تذمُرهم-، رُبَّما لأنهم مؤمنُون بتكافُئِ النَّوايا، وأنّه مثلهُم يريدُ أن يجدَ في جيبهِ قطعا نقديَّة حينَ ينتظرَ دورهُ في صفِّ المخبزة الطّويلِ لِاقتناء ثلاث أرغفة، أن يُلفي بضع وريقاتٍ من فئة الألفِ دينار يَسدُّ بها فمَ زوجتهِ الثرثارة لشراء قطعَةِ قُماشٍ لطالمَا أغاضتها بها جارتُها وَأنْ وأنْ وَأنْ… الجميعُ يكدّسُ قائمَة الطلبات الرُّوتينيّة في ذهنهِ المنهكِ، ولا يُبالِي!

لا أدرِي عن البقيّة، أما عنِّي لحظة نُزولِي من الباص، أكُونُ معبَّأةً بالتَّساؤلاتِ، بالتَّكهناتِ؛ بالفضُول ينهشُ داخلِي عمَّا يدُور في خلد أولئك الناسْ، ولِمَ يقبلُ أحدهُم – وأولهم أنا- بِاستغلالِ حاجاته المُلحَّة لهذه الدرَّجة دُون أن يقاومْ؟ دُون أن يشهق؟

فوَّهةُ الأفكارِ عندِي غالبًا ما تُسَدُ أول الأسبُوع، بعدَ رحلةِ المواصلاتِ المُثيرَة! حتّى الجامعةُ لا تختلفُ كثيرا عن سابقتها، الكلُ في سباقٍ نحوَ قاعة المحاضرات الضخمَة، قدْ يدهسُ أحدهُم الآخر، أو يدفعهُ -مع سابق الإصرار- بعنفٍ لأجلِ مقعدٍ في الصفُوف الأماميّة: تحجزُ تلكَ مقعدا لرفيقتها الغارقة في النَّوم علَى حسابِ الحاضرين، ويتخاصمُ إثنانِ على أحقيَّة أحدهم بالجلُوسِ مادامَ المعنيُ لم يحضُر بعدْ !.. ويعتملُ في ذهنِي الكثيرُ ، والكثيرُ ممَّا لا أبوح بهْ، ألحظُ الكثير من الأنانيَّة، وَضيق الأفقْ!

بصعوبة ينقضِي اليومُ، أستقلُ باصَ الصباحِ ذاتهُ للعودةِ، أصافحُ الوجُوه ذاتها التِي شاركتني افتتاحية نهاري وقد انكمشتْ وَبدت كدماتُ الإرهاقِ صارخة عليها، تحملُ أرغفة الخبزِ وأكياسَ الخُضرِ الثقيلة وَتتجاهلُ ضيقَ الحافلة وَعُسر الوقُوف مطولا في انتظار المحطَّة التالية للنزولْ..

ببساطَةٍ هكذا يعادُ اللحنُ النَّاشزُ عينهُ كلّ يومْ!..

أتآكلُ جرَّاءَ أسئلتِي اللاذعة، ولا أجدُ جوابا: هل يحتسبُ هؤلاء النَّاسُ كلهم صباحاتهم المنكَّسة، ومساءاتهمُ المُكللَّة تعبا وعرقا لوجه الله حقَّا؟ أم أنَّها قبضةُ الروتِين الخانقَة سحقَتْ كنهَ (جوهر) ارتحالاتهم الحياتية! هل استسلمَ الجميعُ لرتابة الحياة، وصارَ الأمر أشبهَ بعقدٍ إلزاميْ إن لم يمتثلُوا له قُطعت أعناقهُم على طريقة العقُوبات الكلاسيكيَّة؟

159

لا أملك إحصاءاتٍ ولا أتخصَّصُ في علم الاجتماعِ وَلا أمثلُ طبقةً ولا أتحدثُ باسمِ أحدْ، أنا أتساءلُ وَيتراكمُ عطشِي لأعرفْ؛ يعترينِي اليقينُ أنّ هناكَ ممَّن هم مثلِي، همُّهم أن يعرفُوا لمَ صرنا مأسُورين فِي حلقةٍ حديديَّة تضيقُ كلَّ يوم، ومع ذلكَ لا نحركُ ساكنا للتحررْ! يتحجَّجُ أحدهم بأنَّها سُنَّة الله ومشيئتهُ أن نضرب في الأرضِ هكذا لننبتَ شجرا للأمَّة، وَنخيطَ خيمةً لمن لا بيت لهُمْ وهلُمَّ جرْ[1]..!

ما بالُها الأمَّة إذن تختنقُ، كما ترونَ يا سادَة: لا شجرةَ لتلطِيف الأجواء وامتصاصِ أكسيد المرارة الخانقِ الذي يجثم على نَفَسِها منذُ قرُونْ، ما بالُ الذِين لا بيتَ لهُم يشكُون قلَّة الخِيامِ، وشُحَّ الأغطيَةِ؟

ما بالُ الرَّوح خفَّ بريقُها من كلِ ما نعملْ، من كل ما نقُول، من كلِ ما نسعى لتمثيله!

     لا داعِي للاستغرابِ، فساعةٌ على متنِ باص (حافلة) تجرُنِي كلَّ يومٍ لتساؤلاتِي هذه، لا تتركُ لِي رغبة لأقدِم على أي شيْء بعدها، كل ما أعرفه أنَّ رأسي وحده يدُور، وأفكرُ.. أفكرُ.. أفكرْ ..

أُفكِرُ فِي وطنٍ اغْتُصبتْ طاقتُه، وحُمِّل فوقَ استطاعته؛ وطنٌ نطمعُ أن يحتوينا، يَكسُونا وَيطعمنَا وَيفرشَ لنا ظهرهُ نعيمًا لنُدركَ كمْ هُوَ غالٍ وَجديرٌ بالعملِ لأجلهْ، وإلَّا فهُوَ بقعة حقيرةٌ رخيصةٌ، يُتَنافسُ للهرُوبِ منها ولوْ غرقًا في المحِيطْ.

والحقِيقَة أنَّ الوطنُ هُو منْ يستجدِي نظرة العطفِ منَّا، يشكُو لنا منْ تسعيرة البترُول التِي جعلُوها رمزا لأهليَّة الوطنْ، وجدارته أمامَ رقعةِ الأوطانِ المترامية، يُحدِّثُنا عن جوفهِ الخاوِي لفرطِ النهبِ وَضيقه ذرعا بضخامِ البطُون الذِين يُجبرُ على حملهم مُذْ طُرِدَ المستعمر ذاتَ مجدٍ ..

إن كانَ الوطنُ هشَّا لهذه الدَّرجة، فما تقُول في أمّة أعضاؤُها تشكُوا التهاباتٍ وجراثيمَ عصيَّة حتَّى على الكيْ، أطالعها فِي نشراتِ المساءِ وفِي المُوجزِ الإخباريْ وعلى دفتيْ الجريدَة كما يفعلُ كل فردٍ منَّا، أفتشُ كما المجنُونة عنْ تكذيبٍ لما قرأت، لما سمعتُ، لما رأيتْ؛ من قناة إلى أخرى، من صفحة إلى صفحة، من إذاعة إلى إذاعة.. لا جدوَى فحشرجةُ الألمِ تتدحرجُ منْ حلقٍ واحدٍ، حلقُ الأمَّة المتورمْ!

يُطلبُ منِي صبيحة كلِ أَحدٍ والذي يليه والذي يليه… أن أمتطي الباص المُقرف وَأتحملَ بُطأه المتعمَّد وَأبخرة السيجار العفنَة وَبربريَّة الجامعة، والوجوه المتكدِّرة؛ مُطالبةٌ أنا بتحمُلِ كلِ هذا بنفسٍ مطمئنَّة وَتزييفٍ داخليْ يدسُّ المنوّمات لِضميري بأنَّ كل ما نفعله لصالح الأمّة، وأنّنا لا يمكنُ أن ننسى أنفُسنا في غمرة الروتينِ، لن تضيع الوجهة!

يُؤسِفُنِي أن أعلق مشنقَة الإدعاءات الكاذبة دُون جنازة، فالواقعُ يطلقُ صافرة الإنذارِ، ونسبةُ الإغماءاتِ ترتفعُ، لا الوطنُ يحتملُ، ولا الأمَّة ولا بقيَّة الأحياءِ الذين حافظُوا على وهجهمْ -و كُثرٌ  هُمْ-..

الكلُ يمَّمَ السير في طريقٍ مُبهمٍ لافتاتهُ غيرُ مقروءَة، الهمُ الأوحدُ هو كيفَ أعيشُ؟ كيفَ أحشُو سبعةَ بطُونٍ متَّكئة في بيتِي؟ كيفَ أشتريِ حفاظاتِ الرضيعِ المضادة للحساسية؟ كيفَ أُجهزُ ابنتِي لزواجها؟ كيفَ أوفرُ ثمنَ هذا وهذه… لم يسألْ أحدٌ عن نيَّته الموءودة منذُ زمنٍ ولا عنْ روحهِ المحتضرة خلفَ جدار النفسِ الشَّفافْ، ولا عنْ كُبْـرياتِ المآسِي المخيِّمَة تُبصره من علٍ وَتستخفُ بسذاجته.

15413_341031129396775_6328012642285942114_n

أرانِي في حاجَةٍ لأتركَ لوحة المفاتِيح الآن، وأتوقَّف عن مطاردة هالاتِ عينيَّ في كل مرآة، وأن أعتزل الحافلات قليلا، أخرجَ في موعدٍ مع نفسي رُبَّما! وَأتصالحَ مع ذاتِي، أرمِّم شروخَ نيَّتِي المتهالكة، وَألقنَ الروتين درسا لكيلا يعاود ألاعيبه السخيفة ثانيَة، أن أسجُد بعمقٍ لا بروتينيَّة، أن أدعو بسكينة ويقينٍ أن يرُدَّ الله إليَّ بريقَ روحِي وَيمنحَ لحياتِي مجرًى سائغا، مزهرَ الجوانبِ يصُبُ فوقَ جرُوحِ الأمَّة فيطهرُ شيئا من لوعتها الخفيَّة، وَيواسِي الوطنْ، وأن يعيدُ لركابِ الباصِ ابتسامتهم وإقبالهُم على الدُّنيا بهمَّة تسبقُهم لتجهيزِ أُخراهُم، أحتاجُ أن أفرغَ تُرهاتِ التيه الذي أنا فيه، وأكفَّ عن اصطناع الوهمِ، أن أنسلخَ عن قشرتي المتجعدَة وأبينَ عن نضرتِي المتخفيَّة، أن أغرسَ شجرةَ وأسقيها بالحبِ وَالاهتمامِ، وأن أبنِيَ بيتًا لمن لا بيتَ له عوضَ الخيمةِ فالخيامُ كِذبةٌ.

 ألا ترَى أنَّك في حاجةٍ لموعدٍ مع ذاتك مثلِي؟ لا أدرِي صراحَةً الخيارُ خيارُك.. قد يبدأ الأمرُ بجولةِ باصٍ باهتَة وينتهِي بشيءٍ مختلفْ، شيءٍ حيٍ، مُتوهجِ، المهمُ ألَّا تغفِلَ موعدَكَ مع ذاتكْ.

[1] على هذا المنوال

لِـ مروة بُوحَدّة

تعليقات الفايسبوك

‎تعليق واحد

  1. ‎تنبيهات ‫:‬ العادات السيئة: الأسباب والعلاج | دراسات وأبحاث علمية

‎التليقات مغلقة‫.‬