كنّا صغارا… كنّا فلاسفة!

كنّا صغارا… كنّا فلاسفة!

طفولة-كبرياءطفولة-كبرياء

كنّا صغارا… كنّا فلاسفة!

أذكر أيام الطفولة ومشاكسة الحياة، رغم أيامنا المعودة التي مضت في ذلك الوقت… كنّا أكبر من الحياة، أكبر منها بكثير… لم نكن نحصر تفكيرنا في شيء تلقيناه أو قيل لنا، كانت أدمغتنا تسبح في الفضاء تفكّر بكل حرية، تطرح الفرضيات وتحلّلها كيفما شاءت، إنه نوع من الحرية لم يتحدث عنه نيلسون مانديلا ولا مالالا…

رغم تلك الفلسفة التي كنّا ندّخرها في ذواتنا اللامكبوحة، كان لكل منّا طابع يطغى عليه، منّا من كان غبيا… أو عبقريا… من كان ساذجا، أو خوّافا… كنّا ننظر إلى أصدقائنا بشخصياتهم التي كانت تبدو كما هي عليه تماما، لا كما نفعل الآن فنُخفي الجزء الأكبر منها… لذلك لم يكن لواحد منا إسم يُنادى به في غيبته، كنّا نسأل “وين راه الجايح هاذاك…”، “وين راه الصامط هاذاك”… كنا ماهرين في التنكيل ببعضنا، لأنّها عفويتنا التي ترغب أن تعبّر عما تكنه للطرف الآخر بصدق، لم نكن نفضّل أن نكبح ما في أنفسنا… إلّا حين نتعامل مع طرف من العالم الآخر…. إنهم “الكبار” العالم المفترس المكروه بشدة عندنا… الذين لا يحسنون إلّا توجيه الأوامر والصراخ في وجوهنا،  نتساءل… ما بال هؤلاء الأغبياء، أليسوا يحسّون كم الأمر ممتع هو الذي نفعله ويودون إيقافنا… اللعب بالتراب والتمرّغ فيه، إفتعال المشاكل وتحدي الأصدقاء… وهو ما كان يفعله عادة أولائك الأقوياء منا، الذين يجلسون في الطاولة الأخيرة… كانوا قادرين على تحدّي الجميع، الأكثر تحدثا عن القوة والبطش، لكل قسم آنذاك “شقيف”، ولكل قسم طفل مدلّل يبدو لطيفا، يغار منه الجميع لأن معلّمهم يسخر منهم حين لا يُجارونه في حفظ الدروس والتميّز في الرياضيات… كمّا كنت أنا تماما، لقد كانوا يطوفون حولي، ولم أكن أرغب في الدخول معهم في أي صراع، وعادة ما كنت أهرب إلى حجّة العمر، وأقول لمن خاصمني “مانيش قدك، أفحال في نتاجك”، لكن ذلك لم يكن ليرافقني إلّا بضع سنوات، ولم يكن ذلك ليدوم وخلفي أمّ إسمها “مريم”، أمّي كانت تعتني بي بشدة، ترافقني في كل اللحظات، كنت أسرد عليها كلّ ما أفعله في يومي، لذلك لم توافق قيد أنملة على أن يسخر مني أحد… أذكر جيّدا أنّ أمي كانت تقول لي أنّها ستوبخني بشدة إن ظَلمت، وبالمقابل كانت تنهاني أن أعود إليها باكيا، كانت تقول لي “متظلمش وجيب حقّك”، جيّدا أذكر أنها كانت تعلّمني فنون القتال بامتياز، لأنها تعرف أن لا شيء بإمكانها فعله إن عدت إليها باكيا، لأنهم هكذا هم الأطفال… وليس بيدها شيء لتفعله، لذلك طلبت منّي أن “أعضّ” خصمي إن استنفذت وسائل الدفاع، أو حتى أكثر من ذلك… المهم أنّها كانت حريصة على أن لا يبلغ الأذى إدخاله غرفة الإستعجالات، كانت أولى الخطوات نحو الشجاعة المقيّدة بحسن السلوك وترجيح العقل… وأنا أكتب هذه الكلمات، إتصل بي صديق… فقرأت له الأسطر السابقة، فضحك بشدة ثم أخبرني أنّ جدته قد طلبت من خاله أن يفعل الأمر ذاته…. وربّما أنتم أيضا… لكن الغريب في الأمر أن خال هاذا الصديق قد أخبر جدته أنّه لم يستطع أن يعضّ خصمه لأنه قد عافه في قوله  “مقدرتش نعضو… عفتو….”، ضحكت بشدة حين سمعت ذلك… وشعرت بحنين رهيب لتلك الأيام…

الجميل في الطفولة أنّنا كنا نفهم الكلمات كما يبدو لنا ويحلو، هذا صديق آخر لي… عطس ذات مرة فأجاب عليه صديقه قائلا “رحمك الله”، فانهال عليه ضربا مبرحا، وقال له “سنرى من يرحم اليوم…” لأنه كان يسمع هذه الكلمة في الجنائز والتعازي… كان يعتقد أن الرحمة تعني الموت فرفض أن يرحمه الله! هذا الصديق ذاته… كان قد شيطنه أولائك “الكبار” من العالم الآخر… إلى درجة أن الرسائل كانت عنده تعني شيئا محظورا ومحرّما وغير أخلاقي، لأنّه في كل مرة كان ينقلها بين العشاق، إلى ذات مرة… سألته أحد قريباته عن حال أمّه، فأخبرها أنّها مريضة، وفي المرة التي بعدها أرسلت لها أمّه معه ورقة كتبت عليها وصفة إعداد لنوع من الحلويات، سلّمها الورقة ثم سألته إن كانت قد برئت أمه بقولها “برات؟”، وفي اللهجة الأمازيغية يُقال “ثبرات” بمعنى الرسالة وذلك ما خيّل له أنها قالت، فردّ عليها بحملقة عنيفة في عينيها ثم انصرف، وهو يقول في نفسه “أمّي أشرف من أن تكتب رسالة…”.

كل ما كنّا نعتقده كان محرّرا من كل شيء، رغم ذلك كان تفكيرنا يتطور سلبيا بفعل ما نخضع له من التأثيرات المحيطة بنا، تماما كما حصل مع صديقي والرسالة… تلك الفلسفة الجميلة التي كانت فينا، كبرنا قليلا فقتلها المجتمع بعد العائلة… تماما كما كنت أفعل أنا حين كنت أعتقد أن المدينة التي أسكن فيها هي نهاية العالم، كنت أراها آخر نقطة في هذا الكون، لأنني كنت أشاهد في التلفاز عالما مميّزا ومتقدما، كان معي حق… وكان تفكيري أكثر منطقية، إلى أن كبرت وحاولوا إفهامي أن العالم لا يوجد فيه أيّ تدرج، أي أن كلّ منطقة تتموقع في مكانها وكفى… لكنّني مازلت أرفض!  نحن تحت الأرض يا قوم! المهم… لا تقتلوا أطفالكم بإنجابهم “تحت الأرض”… دعوا فلسفتهم تكبر… ودعوهم يكونون على قيد الحياة، لا على قيد الإنتظار…. أو على “لا قيد”…

تعليقات الفايسبوك

2 Comments

  1. Avatar

    مريم يوسفي

    حنين لا ينتهي………

  2. Avatar

    طفُولةٌ حافلةٌ، وماضٍ جميلْ أو على الأقلْ هذا ما نتذكره
    الماضِي يذهب لحاله وحين يعُودُ يدق أدراج الذاكرة نفتحُ
    لأجزاء منه فقط، المرتَّبة والنظِيفة !
    يبدُو أنَّ قلمكَ فعلها وترك رسالة في دُرجِي،
    بِي حنينٌ !!!!

‎التليقات مغلقة‫.‬