فلسفة الخطيئة: آدم، حواء والتفاحة

فلسفة الخطيئة: آدم، حواء والتفاحة

- ‎فيإستخدم عقلك
3858
التعليقات على فلسفة الخطيئة: آدم، حواء والتفاحة مغلقة
تفاحة الخطيئةتفاحة الخطيئة

فلسفة الخطيئة: آدم، حواء والتفاحة..

لا يزال الكثيرون يعزون الجحيم الذين يعانيه جنسنا على سطح الأرض إلى خطيئة آدم الأولى، والبعض الآخر يزعم أن حواء هي من دفعته لذلك توددا إليه، وربما منذ ذلك الحين جاءت مقولة (أقصر طريق إلى قلب الرجل معدته!) هذه المعالجة السطحية لأعظم حدث في تاريخ البشرية إنما يدل على قصور في فهم حقيقة الخطأ في النفس البشرية..

فالوقوع في الخطأ ليس مرهونا أبدا بضيق الخيارات، فسيدنا آدم كان يعيش في جنة عرضها السماوات والأرض، لكنه اختار الأكل من شجرة حرمها الله عليه، علينا أن نقف الآن ونتساءل عن الدافع وراء هذا التصرف؟ لنجد أن إبليس الملعون قد أوحى إليه أنها شجرة الخلد، فسيدنا آدم هنا كان مدركا لحقيقة الفناء، أي مغادرة النعيم الذي كان فيه، ما دفعه إلى ارتكاب الخطيئة رغبة منه في الإقامة الدائمة..

وحين ننظر للأمر من زاوية أوسع، نجد أن الوقوع في وحل الخطيئة إنما يأتي من رغباتنا البدائية، فكما كان دافع سيدنا آدم من أكل التفاحة هو الخلود، نجد بعضنا يسرق في سبيل إشباع شهوة الثراء لديه، والبعض الآخر يعتدي رغبة منه في زعامة أو سلطة، والبعض الآخر يقتل نفسه طلبا للخلاص..

فنحن مهددون من قبل أنفسنا، ففي داخل كل إنسان يوجد عدوه الأخطر، فمهما كان الصّوت الذي يهتف بك لتنحدر إلى الأسفل قويا – كما وسوس إبليس لآدم-، فحالك معه كحال الأرض التي تفتح أذرعها لاستقبال وابل المطر، فتزهر وتخضرّ ولو لم يكن في رحم تلك الأرض بذرة لما انبرت عن شيء..

لهذا جاء الإسلام لسد الذرائع، فالله جل جلاله لا ينكر علينا ما خلقه فينا، بل سطر لنا في كتابه الحكيم الغاية إلى تهذيب هذه النفس وترفعها عن طبيعتها الطينية، فشرع لنا من السبل لإرضاء حاجاتنا ما نحن في غنى عن الإهواء بها في ما لا يرضيه، فأمرنا بغض البصر وشرع لنا الزواج كغاية شريفة، وفتح لنا سبل الرزق الواسعة وأمرنا ببذل الأسباب للتكسب وأعاننا بالدعاء والتوكل عليه، ووعد المحسنين منا بأن يعوضهم عن مصيبة الموت بخلد في دار الأفراح فلا تعب هناك ولا نصب..

خطيئة آدم الأولى ما كانت إلا أول درس ألقاه الله على البشرية جمعاء، درس لمواجهة التحديات التي نواجهها عند كل منعرج، لحظة اختيار نقع فيها دون محالة، بين إرضاء الصّوت النابع منا، وبين التمسك بوعد الله النافذ لا محالة.. سيدنا آدم نسي وأكل من الشجرة، كما ننسى نحن العهود والمواثيق التي بيننا وبين الله، ننسى أنه أمرنا بالسعي ووعدنا بالرزق من خزائنه العامرة، ننسى أنه دعانا للدعاء، وجعل الإجابة حقا عليه، ننسى أنه أوصانا بالعض على نواجذ الصبر، وأن الصبح قريب..

أخطأ آدم فتاب عليه الله ثم عاقبه، وفي هذا الأمر حكمة، فالتوبة تعني أن بابه مفتوح، وأن طريق الذهاب عنه ذاتها طريق العودة إليه، ولعل أكبر نعمة منّ بها الله على عباده أن أشرع باب التوبة في وجوههم، فتصوروا لو أنه أغلقه! تصوروا مقدار التيه الذي سيصيبنا حين تتكدس الخطايا في ذواتنا فتحجب عنا النور الإلاهي!

كما أن في العقاب رحمة، فالله تعالى بيّن لآدم وللأجيال التي من بعده أن لكل خيار جزاء، وأننا لن نستطيع التملص من مسؤولياتنا بهذه السهولة، فالعقاب تهذيب للنفس وتربية لها، لو ترك الله كل مذنب يفلت بخطيئته لعاثت البشرية فسادا، فالعقاب تحقيق لعدله، فكما يجازي المحسن، فهو يعاقب المسيء، ليحقق سبحانه التفاضل بين من أصاب خيرا، ومن رمى سهما فخاب..

مصيبة بعضنا النسيان، وميزة البعض الآخر أنهم يحفظون الدرس ويفهمون الحكمة منه، فكما مد أحد إبني آدم يده على أخيه فقتله، كف الآخر يده عنه..

أمّنوا معي على أحب دعوة إلى قلبي: نسأل الله  ثبات القلب والقدم..

تعليقات الفايسبوك