تمرُّدٌ نابض بالحياة

تمرُّدٌ نابض بالحياة

- ‎فيتحفيز
974
التعليقات على تمرُّدٌ نابض بالحياة مغلقة
@مجلة فكرة - IDEA Magazine
تمرُّدٌ نابض بالحياةتمرُّدٌ نابض بالحياة!

تمرُّدٌ نابض بالحياة
تبدُو الأيام متشابهة بطرِيقة مقيتة، تستنسخُ بعضها البعضَ في شريطٍ لا نهائِي، كأن العالمَ أصبح خاليا من كل جديد ويقُولون أنه عصرُ الحداثَة..
أو رُبما أصِبتُ بخدرٍ داخلِي، فلم تعدْ تغرينِي بهرجة الحياة وضوضاء العابرين.. لا أدرِي ما تغيَّر فيَّ بالضبط، لكنّنِي موقنة أني لم أعُد كما كُنتْ! كم ربيعًا مرْ؟ أو كم ربيعا سيأتِي؟ باتتْ الأرقام تصيبُنِي بفوبياَ رهيبة، والسَّاعاتُ والمنبهاتُ على حدّ سواءْ.. أمَّا التقاويم (ميلادية كانت أم هجريَّة) فقد استغنيت عن تعليقها بالقربِ من مكتبي لأن صفحاتها باتت تتساقطُ بغزارة أمامَ عينيْ قبلَ أن تنذرنِي حتَّى! دُون أن تصْفَرَّ أو تذبل كما الأشجار، باتت تتساقطُ طريَّة غضَّة ولا تسعفُني لأصلح ما انكسر وقتَها..

 أعترفُ أنِّي تلفظتُ ببقايا الإيجابيَّة خارج صدرِي ولا أزالُ أزاولُ الحياة بشكلٍ عادِيْ مثلكَ.. مثلكِ.. مثل الجميع على هذا الكوكبِ، مازلتُ أرمقُ السَّماء برهبة، و أوغل عميقا في تأمل البحر بحبٍ مطلق، لكنَّ قطعة الأرض التي أقطنها لم تعُد تحتوينِي بقدرِ ما تفعلُ مع الآخرِين الغارقين في عوالم ضيقة عليْ.. كنتُ أرتقبُ منذ زمن فترة النضجِ التي ستنعطفُ بِي حيثُ ذاتي الحقيقيَّة، لكنَّها لم تأتِ، وصفعتنِي الحقيقة ذاتَ وهنٍ أنْ لا تنتظرِي شيئا، تمرَّدِي بمفردك أو اركنِي بصمتٍ.

لا أعلم من أين ورثتُ عدساتِيَ الورديَّة تلكْ! ارتديتها قُرابة الثمانية عشر عامًا، لا أنكر كم كانت جميلة أيامي وهي بحوزتي، طَلَتْ كلَّ ما وقع عليه بصرِي بلون الزَّهر المتورد، وقام بفكرِي ما أملته تلك الصُور وأظننِي اليوم قد استنفذتُ مخزون السذاجة لديْ، الذي كان يندلقُ بترفٍ بالأمس ويجُود بما حواه من غيرِ حذر.

حتَّى العدساتُ باتت تدمِي أحداقِي، لا تُخلِّفُ سوى حمرة وضبابيَّة كلما تركتها متسمِّرة على قرنيَّتِي أكثر، حينَ تمردتُ قررتُ نزعها، ولست نادمَة.. أبدا بالعكس، ممتنَّة لكلِ الأحداث البائسة التِي جرَّتني من شعرِي ورمت بِي خارج مجال الجاذبيَّة الكاذب الذي احتوانِي هو وكوكبه الزهرِي الأحمق! أنا اليوم لا أحتاج فحصا يثبت أنِي بصيرة، أنا اليوم موقنة أني أبصر وأحسُ وأنبضُ وأطلق العنان لمشاعرِي دُون كبتٍ أو تزييفْ، أدرك أنها تجليَّاتٌ إنسانيَّة وحان الوقت لتحريرها بعد حرمان طال أمده طالما أنها لاتخالفُ شرعا ولا تنتهكُ حُرمة من حرمات الله.

فِي عالمٍ قاسٍ كهذا لم أعد أجيد التَّصنع، وطمسَ الواقع.. اكتفيت من الترهاتِ ذاتها التي سدَّت منافذ الضَّوء إلَيْ، أمِنَ الضَّرُورِي جدا أن أكُون سعيدة حتَّى أنجز وأنجحَ ويقطر من بين أصابعِي مجدٌ يُخلدْ!؟ أمنَ الضرُورِي أن أكبحَ حُزنِي؟ أن ألجم غضبِي وسخطِي: على نفسِي، على الوطن، على العالمِ، على الطغاة، على مروجي المخدرات، على أصحاب المجازر، على محتكرِي الحياة لأنفسهم دون شفقة!

أليسَ لحالتي هذه أن تطُول قليلا؟ أو أن تعمِّر معِي مثلا دُون أن تُفقدني القدرة على مواصلة الطريق، أو تسلبني انحناءة ثغري على هيئة ابتسامة! لماذا عليَّ أن أغرف من ذات القدر التِي تدفعها لي أيادِي أخرى، ترغمني على التهامها دُون تفكِير، دون أن أتساءل عن محتواها أو تأثيراتها الجانبيَّة؟ أنا اكتفيتُ…

مضَى عامٌ أو يقلْ عن نجاحِي في شهادة البكالوريا ولازلتُ أذكر أن أستاذ الفلسفة علَّمنِي أن الظاهرة الإنسانيَّة ظاهرة يستحيل ثباتها على حال واحد، وأنّنا مهما حاولنا تقنينها رياضيّا ستظل نسبة الخطأ مرتفعة مقارنة بالظاهرة العلميَّة، عجبا لي كيف كنت أتذمر مما أدرسه حينها مدَّعية أنّه عديم النفع، كنت غبيَّة!! اليوم فقط أدركُ أن جزءا من المشكلة يكمن هناك! إن كانت نفوسناَ تتقلبُ أسرع من تقلب الليل والنهار، لما نضعها على طرفِ المعادلة ونحتمُ على الناتج دوما أن يساوي: سعادة، إيجابية وبقيَّة المصطلحات الرائجة… نأسرها داخل كيسٍ لايتسع لذرة هواء، نفرضُ عليها حالة من الشعُور بعينها، نرغمها على المضيِ وإن أبتْ، أراه ذنبا لايغتفر، وحينَ يرتفع الضغط داخل الكيس سينفجرُ ذات يوم كما حدث معِي، سيُجبرُ صاحبه أن يتوقَّف ويلملم بقاياه الذائبة المبعثرة، ليتفاجأ بعالمٍ أكبر مما كان يتخيّله، بمشاكل تفُوق حياته الشخصيَّة، وبمسيرة أطول من أن تلائمها نظريَّة خداعِ الذات!

أخيرا، لايمكنني أن أكون أسعد مما أنا عليه الآن لأن السعادة حين تزورنِي تكُون حقيقيَّة، ولاتطيل المكُوث حتَّى أملَّها، وراضيَةٌ لأنِي أفسح المجال للإنسانة التِي بداخلِي أن تعيشَ بكل التفاصل التي خُلقت معها دُون تضييق الخناقْ عليها، ومؤمنةٌ أنَّنا في أحلكِ حالاتنا صالحون لمخاضٍ عظيمْ، نستطيع أن نتركَ بصمتنا في الكون دُون أن نمكث مطولا في انتظار السعادة ودون أن نكذب على أنفسنا كثيرا.

و إذا كان الله لا يهبنا إلّا حياة واحدَة، دعُونا إذن نعيشها بكل ما تحوِيه من عمقٍ: بصدقٍ، باندفاع، بجمُوح دون أن ننحرفَ عنِ الوجهةِ الخالدَة.

لِـ مروة بُوحَدَّة.

تعليقات الفايسبوك