تقنية النانو: تحوُل الخيال إلى واقع!

تقنية النانو: تحوُل الخيال إلى واقع!

- ‎فيعلوم
2332
التعليقات على تقنية النانو: تحوُل الخيال إلى واقع! مغلقة
تقنية النانو: تحوُل الخيال إلى واقع!تقنية النانو: تحوُل الخيال إلى واقع!

(النص موجه لمسابقة فكرة للكتاب المبدعين 2)

تقنية النانو: تحوُل الخيال إلى واقع!

هل تخيلت يوما أن تذهب إلى الطبيب شاكيا ألما فيُدخل رجلا آليا إلى جسمك ليتجول داخل خلاياه و يُصلح مكان الألم ثم يخرج بكل بساطة و قد اختفى ألمك؟ هل سمعت يوما عن الجيل الجديد في عالم الالكترونيات؟ هل تعلم أن هناك فرصة تاريخية كبرى للدول النامية للحاق بركب التطور العلمي والتقني؟

إنها الثورة العلمية الجديدة، تكنولوجيا المستقبل التي ستُغير وجه العالم في كافة مجالات الحياة كما ستُشكل مستقبل الدول واقتصاد العالم، إنها تقنية النانو التي لا يزال العالم بأسره في بدايات تعامله معها وهذه التقنية الواعدة تبشر بقفزة هائلة في جميع فروع العلم، ويرى المتفائلون أنها ستلقي بظلالها على كافة مجالات الطب الحديث والاقتصاد العالمي و العلاقات الدولية وحتى الحياة اليومية للفرد العادي. قد يَعرفها البعض وقد يجهلها البعض الآخر. قد يخاف منها آخرون، وقد يجد القارئ العادي غير المتخصص تناقضاً في تعريفها وأهدافها.

إلى كل من يُدرك أهمية العلوم و التقنية، إلى كل من يبحث عن مجال للإبداع أهلا بك في عالم النانوتكنولوجي!

  • النانوتكنولوجي Nanotechnology أو التقنيات المتناهية في الصغر علم حديث يبحث في تصميم

أجهزة متناهية في الصغر ويُركزُ أساسا على تعديل البناء الجُزيْئي أو الذّري للمادة للوصول إلى تراكيب جديدة

بتكْلُفة أقل. هي تكنولوجيا مستحدثة مُشتقة من النانومتر، وكلمة نانو كلمة يونانية تعني القزم Dwarf، تُستعمل في الرياضيات للتعبير عن الجزء من المليار من وحدة القياس [1 نانومتر= 10-9 متر]. حيث يبلُغ سمك صفحة من الورق 100 ألف نانومتر، وقطر خلية الدم الحمراء الواحدة نحو 7000 نانومتر.

المواد النانوية عبارة عن مواد صغيرة جداً يتم تحضيرها في المعمل أو تتواجد في الطبيعة بدون تدخل الإنسان، تتراوح مقاييس أطوالها أو أقطار حبيباتها ما بين 0.1 نانومتر إلى 100 نانومتر ولها أهمية إقتصادية عظمى، فهي أكثر المواد فائدةً وأوسعها انتشارا وتطبيقا في المجالات الصناعية والطبية المتنوعة.

  • نبذة تاريخية

ترجع البدايات الأولى لهذا العلم إلى أحد أبرز علماء الفيزياء في القرن العشرين، الأمريكي ريتشارد فينمان Richard Feynman, [1918-1988] الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1965، ففي عام 1959 ألقى محاضرته الشهيرة أمام الجمعية الفيزيائية الأمريكية بعنوان[هناك حيّز كبير في القاع، There’s plenty of Room at The Bottom]، حيث تنبأ بأن العلماء سوف يتمكنون يوما ما من صناعة أدوات متناهية في الصغر ثم يستخدمونها لصنع معدات أصغر منها. وتساءل فينمان عما يُمكن للإنسان أن يفعله إذا تمكن من السيطرة على الذرة وتحريكها بحرية وسهولة لصناعة آلات ومواد ذات خصائص فيزيائية وكيميائة مختلفة عن خصائص المادة الأم، وأجاب بأنه سيكون لدينا عدد هائل من التطبيقات التقنية إضافة إلى طرق وأساليب صناعية جديدة.

وكان أول من أطلق مصطلح [تقنية النانو] الباحث الياباني نوريو تاينغوشي عام 1974 للتعبير عن طرق تصنيع عناصر ميكانيكية متناهية الصغر. وقد استطاع العلماء تحويل أفكار وتصورات فينمان إلى حقيقة عام 1989، حيث تمكن الباحثون في أحد مخابر شركات الإلكترونيات العالمية العملاقةIBM  بقيادة الفيزيائي الأمريكي دونالد ايجلر Donald Eigler وباستخدام المجهر الالكتروني النفقي الماسح، الذي اخترعه الألماني جيرد بينيج Gerd Binnig والسويسري هينريش روهرير Heinrich Rohrer [نوبل 1986] من صُنع أصغر إعلان في العالم باستخدام 35 ذرة من عنصر الزينون Xenon في كتابة اسم الشركة ذي الحروف الثلاثة فوق سطح من النيكل البلوري. حيث أتاح هذا المجهر الحصول على صور للجزيئات والذرات وتحريكها من مواضعها لبناء تركيبات جديدة لأول مرة في تاريخ العلم، كما كتب الفيزيائي الفلسطيني منير نايفة [عام 1992] بالذرات أصغر خط في التاريخ [حرف P و بجانبه قلب] رمزا لحب فلسطين. وهذه الإنجازات فتحت الباب واسعا أمام عالم النانوتكنولوجي بتطبيقاته المذهلة.

  • تقنية النانو في مجال الطاقة

حاليا يُركز الباحثون على استخدام النانو لتوفير مصادر بديلة للطاقة، إذ أن تخزين وإنتاج وتحويل الطاقة سوف يكون الاستخدام الأهم لتكنولوجيا النانو في السنوات المقبلة. وبما أن الخلايا الشمسية أهم مصادر الطاقة البديلة تعاني من قلة الكفاءة وارتفاع الثمن، فإن الباحثين يعملون جاهدين لتطوير خلايا جديدة نانوية. ومن أبرز الإنجازات العلمية في مجال النانوتكنولوجي نذكر ما قام به فريق من الباحثين في إحدى الجامعات الأمريكية بقيادة الفيزيائي عربي الأصل منير نايفة وبشراكة سعودية من تطوير خلايا كهروشمسية  Solar Cells ما أدى إلى تحسين و تعزيز إنتاج الطاقة الكهربائية بمقدار 60% عند عمل الخلية في نطاق الأشعة فوق البنفسجية.

  • تقنية النانو في مجال الغذاء

يُعتبر التغليف إحدى أكبر التطبيقات العملية لتقنية النانو، حيث يتم فيها استعمال جسيمات النانو في صُنع أغلفة بلاستيكية قوية وخفيفة ومُقاومة للحرارة، إضافة لاستطاعتها منع الأوكسجين وثاني أكسيد الكربون من الدخول وإفساد الأطعمة. كما أننا نجد تطبيق تقنية النانو في صُنع تغليف خاص مقاوم للبكتيريا والميكروبات، وتسعى شركات الغذاء العالمية إلى تطبيق هذه التقنية من أجل تحسين إنتاج المحاصيل الزراعية وإنتاج مواد غذائية أقل تكلُفة مما هي عليه اليوم. وفي مجال المياه نذكر الدراسات التي تمت في مركز الأبحاث والتطوير في مدينة الجبيل بالسعودية والتي أظهرت أسلوبا جديدا لتحلية المياه باستخدام أغشية نانوية.

  • تقنية النانو في المجال الطبي

تم استخدام تقنية النانو في علاج السكري، حيث قامت إحدى الباحثات في جامعة إلينوي [تيجال ديساي] بزرع جهاز نانوي في الجسم يقوم بدور حقن الأنسولين. ولم يقتصر إستخدام هذه التقنية على مرض السكري فحسب بل طور بعض العلماء ألياف البوليمير النانوية التي تُستخدم لإجراء جراحات الأوعية الدموية ولعلاج الجروح والحروق إضافة إلى صناعة المستحضرات التجميلية. وتم استخدام النانوبيوتيك بديل المضاد الحيوي وهو عبارة عن أنابيب نانوية تثقب جدران البكتيريا المعدية المقاومة للمضادات الحيوية وتقتلها. ونخص بالذكر بعض الأبحاث الحالية التي تُركز على استخدام تقنية النانو كطريقة جديدة لعلاج السرطان، حيث قام بعض العلماء بتطوير قنابل نانوية تدخل الخلايا السرطانية  وتفجرها دون أن تُؤذي الخلايا السليمة.

وكثرت مجالات استخدام تقنية النانو حيث نجدها تُطبق في المجال العسكري فقد قام الجيش الأمريكي باستخدام ألياف نانوية لتطوير زيِّ قتالي يسمح بدخول الهواء ويمنع دخول الغازات السامة. وفي مجال الفضاء تم صنع صواريخ بلاستيكية تحوي جسيمات نانوية أقل ثمنا من الهياكل المعدنية ولها القدرة على احتمال برد الفضاء وحرارة الاحتكاك بغلاف الأرض. إضافة إلى الاستخدام الواسع لهذه التقنية في مجال الكمبيوتر والمعلومات، حيث أعلنت شركة ويسترن ديجيتل صُنع قرص صغير بسعة 450 جيغابايت كما ابتكرت شركة IBM أول رقاقة إلكترونية أصغر من الشعرة، تزيد قوة الكمبيوتر وتُخفض استهلاكه للطاقة الكهربائية. كما تعتمد العلوم الجنائية بشكل كبير على أجهزة الكشف النانوي للعمل في مسرح الجريمة والتحقيق في الأنشطة الإرهابية من خلال تحديد وجود الغازات المتفجرة والعوامل البيولوجية والمتبقيات. ولا يمكن إغفال إستخدام تكنولوجيا النانو في مجال الطاقة والصناعة والزراعة والتعقيم مما يُنبئ بمستقبل كبير لهذه التقنية.

  • تقنية النانو.. مخاطر ومخاوف

كباقي التقنيات الأخرى، تمتلك تقنية النانو إيجابيات وسلبيات فبالرغم من فوائدها العظيمة إلا أن سلبياتها لا تخفى عن الأعين وهي لا تتعلق بالضرورة بالتقنية ذاتها إنما بأدواتها وموادها، ويمكن أن تُسبب خطرا على الإنسان حيث يمكن لأي مادة نانوية الدخول لجسم الإنسان بسهولة وبدون مقاومة مما يسبب مضاعفات كثيرة، إضافة إلى المخاطر البيئية والتراكم البيولوجي الذي ينشأ من تجمع مواد النانو غير المرغوب فيها وصعوبة الكشف عنها وإزالتها. تقنية النانو يمكن أن تستخدم لتطوير أسلحة نانوية تعطي نفسها إستخدامات أكثر مكرا مما تملكه الأسلحة النووية، فالقنبلة مثلا يمكن أن تستخدم لتفجير أشياء محددة، ولكن الآلات النانوية يمكن أن تستخدم للتسلل أو الاحتلال أو السيطرة على العالم كله. وتُعد رواية الفريسة Prey  لكاتب الخيال العلمي الأمريكي مايكل كرايتون Michael Crichton الصادرة عام 2002 أبرز مثال للحديث عن المخاطر التي يُمكن أن تنجُم عن سوء إستخدام تقنية النانو، حيث تتحدث عن مجموعة من الروبوتات  النانوية ذاتية الاستنساخ تتمكن من الهروب من المختبر وتُهدد البشرية. كما يخشى معارضوها من أن تُؤدي إلى تطوير أسلحة دمار شامل تدمر العالم بأكمله.

  • تقنية النانو والجهود العربية

كعادتها إجتمعت الدول العربية وتحمست وتكلمت عن تقنية النانو، ولكنها للأسف الشديد لم تفعل شيئاً ملموساً على أرض الواقع ، باستثناء القليل منها [السعودية، الإمارات، قطر، الكويت، مصر، تونس]. واليوم نجد أن الحكومات العربية أمام فرصة ذهبية لامتلاك هذه التقنية، لأن لديها كل المقومات من موارد مالية وعقول بشرية وهذا يتطلب التعاون المشترك فيما بينها والاستفادة من علاقاتها الطيبة بالدول التي  بدأت فعلاً تتقدم في هذا المجال مثل الصين واليابان وكوريا الجنوبية. ولا ننكر وجود عوائق لدى الكثير من الدول العربية أكبرها الموارد المالية لأن الأجهزة المستخدمة في تقنية النانو عالية التكاليف، كما أن ثمة عائق آخر لا يقل أهمية عن الموارد المالية، ألا وهو توفير البيئة العلمية القادرة على استقطاب العلماء المتميزين في هذا المجال. ولا يخفى على أحد أن دولة الكيان الصهيوني بدأت فعلاً في تطبيق هذه التقنية في المجالات العسكرية وتحاول أن يكون لها السبق على الدول العربية في هذا المجال.

  • مستقبل تقنية النانو

لقد تنبأ العلماء بمستقبل واعد لهذه التقنية، حيث أولت لها الدول الصناعية الكبرى أهمية بالغة وخصصت الملايين من الدولارات من أجل تطويرها فقد وصل تمويل اليابان لدعم بحوث النانوتكنولوجي لعام 2010 إلى بليون دولار، أما في الولايات المتحدة الأمريكية فتقدّر الميزانية المقدمة لهذا العلم بتريليون دولار حتى عام 2015 .

المصادر:

  • صفات سلامة: النانوتكنولوجي، عالم صغير ومستقبل كبير[مقدمة في فهم علم النانوتكنولوجي]. الدار العربية للعلوم ناشرون، 2009.
  • نهى علوي الحبشي، ما هي تقنية النانو؟ دروس مبسطة للطلاب، نسخة الكترونية 2011.
  • منظمة الصحة العالمية، التكنولوجيا النانوية. مذكرة انفوسان الإعلامية 2008.
  • • Park B., et al (2013), Advances in Applied Nanotechnology for Agriculture. ACS Symposium Series; American Chemical Society: Washington.
  • • Nanotechnologies et nanoparticules dans l’alimentation humaine et animale: Agence Française de Sécurité Sanitaire des Aliments (Mars 2009).

تعليقات الفايسبوك