الصعقة الّتي غيّرت حياتي

الصعقة الّتي غيّرت حياتي

- ‎فيتحفيز
3991
9
@عبد الجبار دبوشة
الصعقة الّتي غيّرت حياتيالصعقة الّتي غيّرت حياتي

قد يكون هذا النص شخصيا، أكتبه الآن على نزق إندفاعي على غير العادة، لست بحاجة إلى أن أفكر ما الذي عليّ أن أكتبه، ولا بحاجة إلى دباجات أو تنظيم للأفكار، أردت اليوم أن أقول أنّني أشعر بالفشل كلّما منحت نفسي فرصة لاستصغاري، كلّما منحتها فرصة للتّردّد في الكتابة، لتقول الكلمات.. لتفعل.. كل تلك اللحظات كانت بالنسبة لي فشلا ذريعا، قد تغيّرت حياتي كثيرا وهأنا ذا الآن أكتب إليكم وأعرف أنكم لن تتذمروا من كتابتي هذه، فقط لأنّني أكتب بصدق، تعرفون أن ما نشعر به أغلى ما نملك، لذلك قررت أن أشارككم تلك التفاصيل التي أتعبتني..



آن الأوان أن أخبركم.. حين أخبرتكم أنّ الحياة شيء جميل، كنت ألعب دور الفنّان، لأنّ هذه الحياة لن نستطيع الصمود فيها، إن لم يظهر منّا من يلعب هذا الدور، ربّما دافعي الأكبر لإسعادكم أنّني لا أشعر بالسعادة إلّا دقائق أشعر فيها بنشوة الرضا، كان كلّ ذلك في ابتساماتكم وتصديقكم لي، أفعل كلّ ذلك لأنّني أؤمن بشدة بما قاله وودي آلن:

ليس لقسوة حياتنا إجابات متفائلة، مهما حادثك الفلاسفة ورجال الدين وعلماء النفس. محور الكلام هو دائماً أنّ الحياة لها أجندتها الخاصة، وأنّها تقفز فوقك ولا تبالي بك. يوماً ما، سننتهي كلنا بطريقة سيئة جداً، كلّ ما يمكن أن تفعله كفنان هو إيجاد شيء ما لتشرح لماذا تستحق الحياة أن تُعاش وما هي إيجابياتها. طبعاً، لا يمكنك أن تفعل ذلك من دون خداع الناس..

وذلك ما كنت أفعله تماما، وأود منكم أن تستمروا في تصديقي و تصديق كلّ من يصف محاسن الحياة، لأنكم على أيّة حال لن تستطيعوا الصمود دون ذلك..

بعد أن وصلت إلى درجة اليقين أنّ في هذه الحياة ما لا يحتمل حقّا، وأن إحناءة رأسي تجعلني أقرب من الارتطام، كنت دائما ثائرا على الحقيقة، أتوِّج نفسي فارسا قادرا على منازلة الحياة، إن لم يظفر بالنصر سيظفر على الأقل بشرف المواجهة بشهامة، إن هي إلّا ميتة واحدة، كما علّمني أحد أعزّ الأصدقاء، أذكر جيّدا حجم الصدمة حين اتصل بي ومنحني بيانات الدخول إلى حسابه على الفايسبوك، طلب منّي أن أستمر في النشر على حسابه، كان مصرّا على أن لا تتوقف كلمته بعد موته، كانت لهجته سريعة وجادة جدّا، لم يترك لي فرصة لفهم ما يحصل حولي، استغربت وصُدمت فسألته “هل أصابك مكروه؟ ما بك؟” أخبرني أنّه على ما يرام، لكنّه يرى الموت بين عينيه في كلّ لحظة، شرح لي مليّا أن رؤيته في هذه الحياة قد تغيّرت، وأن كلّ ما يراه هو “الرسالة”، ثم استطرد وقال: “إنها الصعقة التي غيّرت حياتي يا صديق… كانت لحظة لا تصفها الكلمات، وأنت ترى روحك تصعد إلى السماء، كل ما كنت أفكر فيه، لما أنا غبي إلى هذه الدرجة، قد مات قبلي بلايين البشر وأعرف أنّني سأموت، لما لم أحسب لذلك حسابا، لماذا لم أعش كل دقائق حياتي، عند ذلك الحنين والشوق الذي كان يلتهمني ليلا، لماذا لم أوقظ أمّي لأحتضنها وأخبرها كم أحبّها، لما لم أفعل كل ما كان يجتاحني دون أن يخالف مبادئي.. كانت صعقة الكهرباء قوية جدا..



غبت عن وعيي وحين أفقت وجدتني أفكّر أنّني ميّت، أتذكر المرّات التي لم أغامر فيها خوفا من حصول مكروه، وهأنا الآن أغادر الحياة دون أن أظفر بشرف المحاولة حتّى، لم أكن أتخيّل مفاجأة الموت لي بهذه السرعة، فقبل دقائق كنت وسط الأهل أمزح وأحدث فوضى بسخافة الانتقاد لكلّ شيء، الآن أخرج من الدائرة صفرا، أنتظر بكاءهم عني بضعة أيام، لأصبح بعد ذلك لا شيء، كبلايين الجثث التي حُملت على الأكتاف، وأكبر ما قيل عنها “كان ناس ملاح”، أين أجد صديقي الذي اغتبته لأمسح على رأسه وأطلب منه السماح، لماذا لم أخبر أستاذي أنّنّي أكره حصته لأنّه لا يعرف كيف يبتسم، لماذا تركت تلك البنت ملقاة على قارعة الطريق تبكي وتندب وجهها، ولم أقترب منها لأسألها أو أواسيها تخوّفا من ردة فعلها، لماذا لم أضع حدّا لمن كان يظلمني.. هأنا الآن سأموت وأتركه خلفي يظلم غيري، كان بإمكاني أن أقول له توقف! لا تطفئ سجارتك على قلبي، لماذا لم أصرخ، لم أعبر عن امتعاضي، وأعرب عن قلقي كما يفعل بان كيمون، هل أحتاج أن أكون سلطة رسمية لأفعل ذلك؟ ها أنا الآن ضاع منــي كلّ شيء! يا إلهي أتركني لحظة أصرخ فيها بشدة، ألعن كل الأوغاد، وأحتضن أحبّتي قبل هذا الفراق..

قد نجوت بأعجوبة يا صديق.. فتحت عينيّ متفحما أسودا، لا أعرف إن كان عليّ أن أفرح أو أتأوّه متحسسا الأوجاع في جسدي، ما إن استطعت أن أستعيد بعض قواي، حتى صرخت بشدة وناديت على كل من في البيت، احتضنتهم واحدا تلو الآخر، وأنا أبكي، أخبرهم أنّني أحبّهم.. تعافيت مليا وقد تعافت نفسي أيضا من حقارة الخوف، وهأنا الآن يا صديق.. أعيش ولا تفارقني تلك اللحظات، قرّرت أن لا أتخلى عن شغفي، قررت أن أعيش”

كانت كلماته تزعزعني، وتُبكيني، علّمني فلسفة الخلود، يدفعني الآن أن أقول لي ولكم.. لا تنتظروا شفقة أحد عليكم، لا تعيشوا على أمل واه، الذي يرغب في البكاء عند أمه كان عليه أن يبقى في بطنها، أن يَئد نفسه.. في هذه الحياة لا مكان للجبناء، هذا ما كانت تخبرني عنه كتب الفلسفة والتاريخ، أمّا إن كنت في وطن عربيّ، فعليك أن تكون شجاعا على الأقل لتصنع احتمال دخول دائرة الفاعلية، نحن مرغمون أن نتأمل التفاصيل الجميلة، ونمارس السلوكات المحبّبة التي تشدنا إلى البقاء… وأنتم الآن تقرؤون هذا النص على مجلّة فكرة، التي رغبت في إنهائها عدة مرّات، لأنّني تذمّرت بشدة من حقارة الوضع، أنّ عدد الأيادي التي تشدك للخلف أقوى من كل التي تمتد إليك لتدفعك إلى الأمام، تذمّرت أن أكتب في كلّ مرة وأخشى أن لا يقرأ لي أحد، أن تُسرق نصوصي.. تعبت من المشككين في مصداقيتي، من البُله والأوغاد، في كلّ مرة كانت تفصلني بضعة ثواني على إيقاف هذا السرح، كنت أتخيل حياتي كيف ستكون بعد هذا القرار، لذلك قررت أن أبقى أستمد لحظات سعادتي ممّا أكتبه لكم الآن.. وأشفق على نفسي!

سأطير إلى السماء فرحا وأنتم تجدون لأنفسكم أحلامكم الخاصة، أن تفعلوا ما يجب قبل اللحظة الأخيرة..  أن تواجهوا الحياة، لأنّنا سننتصر إن واجهناها سويا… وأنتم تقرؤون نصّي هذا، ربّما تذكرتم فواجعكم، مواجعكم، آلامكم، صدمات أفقدتكم طعم الحياة! أودكم أن تتذكروا أيضا ما قاله زيج زيجلر عن الصدمة:

الصدمة قد تفعل بك شيئان، إمّا أن تدمّرك، أو أن تصنع منك شخصا أقوى تصعب هزيمته، والاختيار متروك لك!

مهما كانت صدمتك عزيزي… فعليك أن لا تتحاشى النظر إليها، أنت تقتل نفسك وتحطّمها، واجه الحقيقة وفكّر في كل التفاصيل حتى يصبح التفكير فيها أمرا عاديا لا يؤذيك، فهذا الفيلسوف الياباني كونفشيوس يقول لك:

لا شيء يرسخ الصدمة كالرغبة في نسيانها

لذا… واجه! ولا تنسى أن تشاركنا حلمك على التعليقات، أرجوك يا صديقي أن لا تكتم أنفاسك.. عش!

 (شكرا للصديق عبد الرحيم العامري الذي ألهمني كتابة هذا النص)

تعليقات الفايسبوك

9 Comments

  1. Avatar

    فضفضة ^^ .. و اذا كانت النفوس كبارا ..تعبت في مرادها القلوب , لا عليك يا اخ
    اجدت بالمناسبة

    1. عبد الجبار دبوشة

      شكرا جزيلا هاجر على مرورك، أتمنى أن يكون المقال قد لامس شغاف قلبك.

  2. Avatar

    خالد العاطفي

    نص مثقل متأمل في العمق ربما صعقت منه الافكار .ياصديقي عبد الجبار كنت رائع رغم اودية محبطة وبائسة زعت في النص ربما تزهر يوما ما وكذا الحياة هي .نسال الله حسن الختام .مبدع انت ورائع بكل الاحوال

  3. Avatar

    مريم يوسفي

    يا الله..

  4. Avatar

    قيدَ البحثِ عنِّي


    استمرَّ..من أجل..”هِم”

  5. Avatar

    جميلة عمر

    كلما شعرت بالاحباط أو فشلت في شيء أقول لنفسي:”أنا لم أمت بعد سأحاول مرة أخرى”

  6. Avatar

    حنان منزل غرابة

    عندما قرات مقال مريم ” ليست النهاية” و لشدة ما اثر في قررت ان اطبع نسخة و اعلقها على حائط غرفتي و فعلت ذلك
    لكنني لا اجد ان ذلك يناسب هذا المقال، لأنه ببساطة لا يجب ان يترك على حائط و فقط، انا حائرة ما افعل ؟

  7. Avatar

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    أقرأ نصك هذا وقد جربت البارحة معنى أن تكون على مقربة من الموت مع رجفة لم أفهم معناها
    وجدت أمي متلهفة كعادتها لمساعدتي ..دائما ما كانت تعطي حبها بإسراف والبارحة أعطت كما عودتني وغمرتني بالحياة
    لتكن لنا رسالة فالموت لا يستأذن
    لنحاول اقتحام الحياة أيضا وتحقيق أحلامنا البرئية دون استئذان لعل وعسى يبقى الأثر الطيب
    ويبقى عبقه راسخا لا يُنسى
    رائعة حروفك أخي دام نبض قلمك
    بالتوفيق وتحقيق كل الأحلام برضا وسعادة وبقرب من تُحب

  8. ‎تنبيهات ‫:‬ قبل أن تموت إياك ألّا تعيش! | عشرة أفعال جادة تجعل لحياتك معنى

‎التليقات مغلقة‫.‬