الثورة بأعين جدتي

الثورة بأعين جدتي

- ‎فيإستخدم عقلك
3879
التعليقات على الثورة بأعين جدتي مغلقة
@مجلة فكرة - IDEA Magazine
الثورة بأعين جدتيالثورة بأعين جدتي

الثورة بأعين جدتي
(النص موجه للمشاركة في مسابقة فكرة للكتاب المبدعين 2)

“مما كنت تخافين؟”

 سألتها، وهي تتذكر ماض حاصرها فيه مستقبل مجهول.

“الثورة؟ الموت أم الفقر؟ أم كنت تخافين الحياة بأكملها، جدتي؟”

 تتنهد بعمق، كأنما تقف على بيتها المعتق، وبلدتها التي لم تعد إليها… بعد.

“لا أحد يخاف هويته يا حبيبتي، لم نفعل، الفقر لم يكن ليقتلنا طالما يغرف الجار من أوعية حساء جاره الذي لا يشبه حساؤكم اليوم في شيء، فطالما كانت الأشجار تقاتل إلى صفنا لم نكن نخاف الموت، ففي الموت نطمئن على أحبتنا الذين سبقونا إلى حتف جميل، وفي الموت لنا حياة أخرى، لم نكن نمانع أن تكون مثل هذه، أبدا! والثورة.. الثورة ليست شيئا، ولا درس تاريخ، ولا زمنا.. الثورة نحن يا صغيرة. الثورة أنا، وصغاري الذين ربتهم الريح.. جدك الذي لم يعد، وأخوه الذي عاد ليس مثلما رحل. والثورة شجرة التفاح التي تمنح ثمارها معطرة في فصل الخريف، تحديا.. الثورة حديقتنا التي أحرقوها وأبت إلا أن تبعث نفسها من جديد.. وصوت الرياح عبر الباب القديم، تذكرنا بأنها أقوى من مدافعهم، وأن حجارتنا أطهر من رصاصهم.. الثورة يا حبيبتي هي المخبأ الذي كنا نعدّ فيه الخبز للمجاهدين، ورقعة الأرض التي كان يحفظ فيها الطلبة القرآن سرا، هي الشمع الذي يحمله الرجال في ليال الحصار وهم يتفقدون الأرامل واليتامى ليلا، زغاريدنا للعائدين إلى الله، والسائرين إلى حتفهم، بغصن الزيتون خلف الأذن، ودعوة مباركة من الوالدين. نحن لم نكن نخاف الثورة يا بنيتي، فنحن كنا ثوارا على أغشية الهوية، ونحن ثرنا لأنا وجدنا في الثورة.. الإيمان والحياة!”

وهي تحدثني، كمن يلقن صبيا آيات قرآنية: لا تتردد حين تنطق، لا تخطئ، واثقة كأنما ترى حياتها التي كانت أمامها ملونة، كأنما تملي عليها جراحها ما تقول، وتذكرها من هي، لماذا تعيش وإلى أين ستذهب.

“إسأليني مما أخاف الآن، اليوم.”

نظرت حولي: جدتي بيدها الدافئة التي كانت تحنو بها عليّ، محاطة بما تبقى من أبنائها وأحفادها. صور أسرتها – أو ما تبقى منها- معلّقة على حائط غرفتها، مصحفها الذي تحبّه بجانبها، وأمان يشعر به المرء حين يقرأ وجنتيها وتجاعيد جبينها… ولم أفهم، كيف لشخص عاش كل ما عاشت ولم يخف.. أن يخاف اليوم!

” أخاف عليكم، من حاضركم، خفت منه حين كان مستقبلي، ولا زلت أخافه، لأن جيرانكم لا يزورونكم كلهم يوم العيد، رغم لذة طعامكم وتنوعه، لا تأكلون معا كل يوم على طاولة واحدة، ولا من صحن واحد، أخاف لأن ماء الزهر المقطر الذي تعدون به الحلوى، أزهاره ليست من بلادنا، لا تعرف الوفاء.. القهوة… تستبدلون فناجينها كل أسبوعين، والبيت الذي لا تعرف فيه فناجين القهوة أيادي أصحابها ليس بيتا. تبكون في جنائزكم، وتستغربون الموت، ولا تؤمنون – وإن ادعيتم- بأن الله هو الحياة، ولا تعلمون أن الثورة… كل الثورة هي حياة نعيشها بملء جوارحنا.. لا تعلمون أن الثورة، مثلما كانت نحن، هي الآن: أنتم!

هي أكبر من نشيد علم ترفعونه في المدارس. مقدسة كشهداء يقدمون أرواحهم فداء للقضية، للحرية، للحياة.. أكبر من حياة تعتصرنا، وموت يحتضننا..

الثورة يا حبيبتي، هي نفسها الشعور الذي يدفع أخا لاحتضان أخيه، هي “صباح الخير” مع ابتسامة، هي “شكرا”، هي “عفوا”، هي الخبز الساخن حين يتقاسمه الغرباء في المحطة. الثورة فتاة تترك البذور للأطيار الحرة، الثورة أنتم… والثورة معلمتكم، تحدثكم عن ثورة ما لتعيشوها لا لتتذكروها وتمضوا..

الثورة بعد كل شيء، قبل كل شيء: قيم!

لا تنسي القيم، لا تنسي ثورتك، عشيها وكونيها.. حتى لا تتخلى عنك الأرض، وإكليل الجبل، وحتى لا تذبل أزهار البنفسج في يدك، وحتى لا تموت ابتسامتك.. كوني ثائرة بكل المقاييس!”

ووفاء لعهد قطعته يومها، أكتب هذه الكلمات الركيكة لكم، لربّما يفي المزيد منكم بوعود ثورية قطعوها بمحض إرادتهم يوم اختارتنا هذه الأرض بالذات لنكون أبناءها، ويوم حمّلَنَا أجدادنا الذين رحلوا مع جدتي، رسالة ثقيلة: ثورة  قيم! ثورتنا.

كاتب الموضوع: سلمى دباش

تعليقات الفايسبوك