التعري أمام الجميع

التعري أمام الجميع

- ‎فيفكر وحضارة, مجتمع وأخلاق
2073
1
لوحة فنية للفان سمير بن صالحلوحة فنية للفان سمير بن صالح

تخيل معي أيها الغريب على الجانب الآخر من النص لو نذهب في رحلة نطل فيها على كل البشر لنأخذ منهم من نشاء، أريدك أن تنظر إلى كل واحد منهم ثم تأخذ إماما مسلما من مكة وناسكا بوذيا من اليابان، تأخذ كاهنة من إحدى القبائل الإفريقية، وراهبة من الفاتيكان، عروسا من المايا، وطفلا من الكرد، وشيخا من الأقباط، وتضيف عليهم من تشاء. أريدك الآن أن تضع الجميع في غرفة وتواجههم ثم تتعرى!

تتعرى من كل ما تعلمته عن هذه الحياة، من كل ما تظن أنك تعرفه عنهم وعن نفسك، تتعرى من كل قطعة فصّلَتها الأيام فوقك، من كل خطوط الزمن حتى لا يبقى منك إلا ذلك الطفل العاري الذي كنته ذات يوم ثم أجب عن هذا السؤال: من هؤلاء؟

“بشر”، هذا جواب أي طفل عار آخر، واعذر جرأتي إن قلت أن جوابك لن يختلف، هذا كل ما ستراه في هذه الوجوه التي حملت أسماء وصفات لا حصر لها، هم لا يختلفون كثيرا عني وعنك ولا عن أي شخص آخر، بشر هذا كل ما هم عليه.

أريدك الآن -إن سمحت لغريب أن يملي عليك أفعالك- أن تأخذ كومة ذاتك الملقاة عند قدميك، ترتبها بذات الترتيب الذي رتبه الزمن، ثم ترتديها قطعة قطعة. أريدك أن ترتدي كل قطعة وأنت تفكر في السؤال لعلك تجد القطعة التي بدأت كل شيء.




حاول البحث عن القطعة التي صرت تنظر بعدها للبشر لترى كائنات أخرى، مسميات أخرى، وصفات أخرى لا حصر لها ولا كم.

متى تعلمت الألوان ثم تعلمت أن هذه الألوان درجات، وهذه الدرجات تكسو جلود البشر فصرت تصنفهم وتقسمهم على هذا الأساس، خلقت الأجناس وخلقت لكل جنس صفاته وصرت تحب جنسا وتكره آخر، تحترم جنسا وتحتقر آخر.
متى عرفت أن شخصا ما، في زمن ما، لسبب ما، قرر رسم خطوط وهمية على ورق قسم بها ما كان يعرف يوما بالأرض الواحدة، فصار من يولد أمام أحد هذه الخطوط أحق بالحياة ممن يولد خلفها، متى أدركت أن إنسانيتنا تقام بحروف على ورق تبعا لما ترسمه لنا هذه الخطوط، فأصبح ساكنو خطوط ما أرقى من ساكني غيرها، وحاملو ورقة ما أحق بالبشرية من حاملي أخرى.

متى أدركت أن الناس لسبب أو لآخر، بشكل أو بآخر، يؤمنون أو يكفرون بقوة عليا تحكم هذا الكون، وأن لكل شخص طريقته في التعبير عنها، متى أدركت أن للناس أديان ولكل دين طوائف ولكل طائفة شعائر تختلف عن الأخرى، فصرت تصنف كل شخص على هذا الأساس وتطبق عليه مفاهيم وصفات قد تكون فيه وقد لا تكون، متى صارت أحقية كل طائفة في الوجود محكومة بكم تتفق وتتشابه مع طائفتك، متى صرت تحكم على أخلاقهم وإنسانيتهم ومبادئهم دون حتى أن تزعج نفسك بالتعرف على أي منهم، بناء على إيمان يشتركون فيه مع جماعة معينة.
متى أدركت أن لطائفتك شعائر وبدأت تصنف الناس على أساسها فملتزم ووسطي ومنفلت، متى قررت أن تقيس بلسانك المسافة بين قلب كل منهم والسماء، ثم بدأت تتقمص دور الإله فتتحكم بمصائرهم – بل وقد تذهب لمحاولة تحقيقها بيدك فتخال نفسك يد الإله الباطشة على الأرض – بناء على ما سبق وأعددته من تصنيف.

متى أدركت أن الزمن الذي تعيش فيه سبقه زمن آخر، وأن لكل من قسمتهم سابقا تاريخ فيه، فقررت أن تلوم أحفاد أحفادهم على ما ارتكبه أجداد قد لا يعرفون حتى بوجودهم، فتلوم المسيحيين على الحملات الصليبية، والمسلمين على بعض الفظائع العثمانية، والأوروبيين على الاستعمارات السابقة، والمغول على مذابح جنكيزخان…

متى ربطت بين جرائم الأفراد والجماعات التي صنفتهم ضمنها، فألصقت صفة الإرهاب بكل مسلم ولعنت كل يهودي على الأرض بسبب جرائم الصهيونية، أدنت كل بوذي لما يحدث في بورما، ورفعت أصابع الاتهام في وجه كل شيعي إن مات سني في إيران، وألصقت التهمة بكل سني إن قُتل شيعي في السعودية.

متى صارت كل الاختلافات السابقة مهمة جدا لتقام باسمها الحروب والنزاعات، وتستبيح تحت رايتها دم الإنسان فتصبغ إنسانيتك باللون الأحمر الداكن شيئا فشيئا إلى أن تخفيها تماما.

متى صرت إن رأيت إنسانا قمت بتمريره على كل المقاييس السابقة، فتفصّل له تاريخا ومستقبلا وأفكارا ومبادئا، وصفات، وتلبسه شخصية خالصة في عقلك قبل أن يفتح فمه بكلمة واحدة، متى توقفت عن رؤية إنسان وأنت تنظر إليه…



هل وجدت تلك القطعة، وهل كانت قطعة واحدة، أم أنها خرق كثيرة ملتصقة، وماذا ستفعل إن وجدتها؟ أتحرقها؟ تعدلها؟ أم أنك تأخذ نفسا عميقا قبل أن تعيد ارتداءها؟

لست أدري ماذا تريد أن تفعل بها، ولا يحق لي أن أخبرك بما عليك فعله. لكنني فقط سأطلب منك -لو سمحت لي بذلك سيدي الغريب- أن تتذكر أنه مهما تفرقنا وتشعبنا وحاولنا الاختلاف لن نمحو يوما حقيقة ثابتة نقشتها الطبيعة في كل واحد منا: “لاشيء أشبه بشيء من الإنسان بالإنسان”.

حقوق الصورة البارزة للفنان سمير بن صالح.

‫#‏مسابقة_فكرة_للكتاب_المبدعين_2‬

تعليقات الفايسبوك

‎تعليق واحد

  1. Avatar

    السي قدور

    لا حل سوى أن يبدأ كل منا بنفسه فيغيرها و يسمو بها فوق أحقادها .. و لا يركن إلى الحل السهل “بأن يتهم الآخر و يلقي بالذنب على الفقر و على الزمن و على الشياطين الكبار “!/-مصطفى محمود .

‎التليقات مغلقة‫.‬