الإنبهار من الولهة الأولى!

الإنبهار من الولهة الأولى!

- ‎فيإستخدم عقلك
1182
التعليقات على الإنبهار من الولهة الأولى! مغلقة
الإنبهار من الولهة الأولى!الإنبهار من الولهة الأولى!

“الإنبهار من الولهة الأولى!”

الأسرار، الغرائبيةُ والانبهار!

عادةً مَا ينخدع الناس بالأشياء الغرائبية ويجعلونها أشياء مقدسة، أو أشياء صحيحةً لا جدالَ فيها، فقط لأنها تحمل طابع الغرابة، ولعل من شأن هذه النظرة المنبهرة في النفس البشرية أن تنخدع أحيانا بالغرائب، فأزمة العقل البشري تتمثل في كونهِ يؤمن – غالبا – بأنَّ الأسْرَارَ أو الخَوَافِي تختزن كمًّا هائلا مِنَ الأشْيَاءِ القَيِّمَة، ذلك لأنّ الفضول الذي يسكن هذه النفسَ يجعلها تطمح دائما إلى كشف المجهول والسعي إلى سبر أغواره، حتى لو كان هذا المجهول في نهاية المطاف سيحيلنا إلى أمرٍ لا يستحق كل هذا اللهث وراءه منذ البداية، ذلك لأننا حين نستقصي عنه لا نضع الكثير من الخيارات، وهذا راجع إلى ضعفِ العقلِ أمامَ مَا لا يعرفه، فيجزمُ منذ الوهلة الأولى أنَّ خلف ما يـُخْفَى شيء قيِّم يستحق ضَيَاعَ الوقت في سبيل معرفته، ولكنْ! أتساءل؛ لماذا لا نضع في حسباننا أنَّ مَا خَفِيَ لم يَخْفَ عن قصد؟ أعني؛ بطريقةٍ ما، إنَّه يجب على المرء قبل أن يخوض في دربٍ مَا أن ينظر إلى نهاية هذا الدرب بعيدا عن أُحَادِية التَّوقُّع، إذ إنَّهُ على السَّاعي إذا ما أراد ألاَّ يتعرض إلى الإحباط أن يتوقَّعَّ أكثرَ من مجرَّد أن الأسرارَ تَكْتَنِفُ عَلَى نهاياتٍ سعيدة، أو نهايات جديرة بالتتبع، ذلك بأن الإنسان العاقلَ، لـمَّا يسعى لِـخَوض مغامرة ما، عليه أن يكون مُسْتَعِدًّا أن يصل إلى المجد، الاستعداد نفسه لأن يصل إلى اللاَّمعنى، لأنَّ وُصُولَه إلى حَقِيقَةِ “لاَ مَعْنَى الشَّيْء”، ليست بذلك السوء والخواء، فعلى الأقل يزول انبهارَه بهذا الشيء إلى الأبد، ولا يبقى تابعا له، ذلك لأن الإنسان الذي يفهم معنى المغامرة يفهم جيدا أنه في نهاية درب المغامرة إما أبيض وإما أسود، على ما في البياض من إحالات على الخير وما في السواد من إحالات على الشر.

      ولكن، دعني أعود إلى ما كنت أريد الحديث عنه.. لماذا تبدو لنا الأشياء، التي لا تنكشف أسرَارُهَا الـمُرْتَقَى إليها صعب؟ “في حين لو أنَّ الـمُتَهَيِّبَ والـمُعَظِّمَ لأمرٍ كَهذا في وسعه ألاَّ يَتَهَيَّبَ وألاَّ يُعَظِّمَ مِنْ شَأنِه، وألاَّ ينبهر به، وألاَّ يُـحِسَّ خِلاَلَهُ بِالضُعْفِ والعَجْز. لكنه ينبهر، ذلك بِأَنَّهُ لا يخوض مغامرةَ اكتشافِه، والقعودُ عن ذلك يجعله يعاني من “نقصِ مَعْرِفَة”، مما يجعله يُولَعُ بالشيء الذي يجهله.

دعني أتَـحَدَّثُ عَنْ هذا العقل انْطِلاقًا مِنْ هذا الكلام، هذا العقل يعيشُ “أزمة” كبيرة جدًّا مع مسألة “الانبهار”، لأنَّ هَذَا العَقْلَ لا يُفَكِّكُ “المجهول”، إنه يكتفي فقط برؤية التجسيم الكُلِّيِّ للظَّاهِرة، وأنا هنا لا أتحدث عن الظواهر العلمية الصناعية فقط، بل إني أتحدث عن كل الظواهر في هذا الكون، الذي نَظَّرَ العَدِيدُ مِنَ البَاحِثِينَ على أنه عبارة عن نصٍّ كبير، بالتالي فإن كلَّ مَا مِنْ شَأْنِهِ أنْ يُخَزَّنَ في العقل هو عبارة عن مَعْرِفَةٍ وقراءة، على أن كلَّ عقلٍ يمكنه أن يقرأ كيف شاء، وتبقى مسألة الفهم رهينةً بهذا القارئ ما إن كان قارئا حَصِيفًا أو غير حَصِيف، ومهما يكن من أمرٍ فإنَّه لابُدَّ من الإيقان بأنَّه يجب الاستدراك والقولُ بِأَنَّهُ لَيْسَ عَيْبًا أن ينبهر الإنسان بشيءٍ مَا لَدَى رُؤْيَتِه لِلْوَهْلَةِ الأُولَى، بَلِ العَيْبُ أنْ يَبْقَى مُنْبَهِرًا بِهِ أبدَ الدَّهْرِ، فَالإنْسَانُ إذَا انْبَهَرَ بِشَيْءٍ وَاحِدٍ وَقْتًا طَوِيلاً مَعْنَاهُ أنَّهُ إنْسَانٌ لا يُنْتِج، أو بطريقة ما إنسانٌ يستهلك فقط، ما يجعله إنسانا تابعا لا قَائِدًا، أو عَلَى الأقَلِّ لاَ يَكُونُ مُسْتَقِلاًّ بِنَفْسِهِ، كُلُّ هَذَا يَكُونُ وَسَطَ هَذَا العَالَمِ الَّذِي كُلُّ طَرَفٍ فيه يُصَارِعُ مِنْ أَجْلِ البَقَاءِ وإقْصَاءِ الطَّرَفِ الآخَرِ لأنَّهُ يَرَاهُ خَطَرًا عَلَيْه، فما رأيك أيُّها القارئ الحاذق أن مجتمعًا كاملا يكون مجموعةً من أناسٍ ذوي عقول من هذا النوع؟ سيكون مجتمعا منبهرا، تابعا لا قائدًا، وابدأ في هذا من القِمَّة الهرميَّة لهذا المجتمع إلى قاعدته، أعني؛ مِنْ طَبَقَتِهِ الحَاكِمَةِ وَهَلُمَّ جَرًّا إلَى طَبَقَتِهِ المـَحْكُومَةِ، وَتَدَبَّرْ أحْوَالَ هَذَا الـمُجْتَمَع جَيٍّدًا.

وَلَكِنْ، فِيمَا يَخُصّ قَضِيَّةَ العَجَائِبِيَّةِ وَالانْبِهَار، أنَا لا أتحدَّث عنِ الأساطير الخيالية، ولا عن المعجزات الرَّبَّانية، لا، ولا أتَحَدَّث عن فيلم أو رواية أو ما شابه، بل أتحدَّث عن أشياءَ من صنع البشر، انْتَقَلَتْ بفضل العقول الـمُسْتَهْلِكَة إلى ما يُصَنَّفُ ضِمْنَ العَجَائِـــبِــــيَّات، لا لِشَيْءٍ إلاَّ لأنَّ هذه العقول تخاف من المغامرة التي كنت أتحدث عنها فيما يُسَمَّى بـــ “تَفْكِيكِ الـمَجْهُول”، وتعلم العلوم ومراكمتها، والصبرِ على ذلك، بالهِمَّةِ وَالعَزْم، لإعادة بناء نموذج خاصّ واقتصاد متين، يجعلنا نتصرف في شؤون بلداننا كيف نشاء، ونقضي على هجرة المنبهرين بتحويل انبهارهم من أوطان الخصم إلى أوطانهم، فقط، هكذا يمكننا أن نتحول من [غثاء السَّيْل] إلى شَيْءٍ آخرَ ذَا أهَمِّيَّةٍ تُذْكر..

ملاحظة: أدعو القارئ أن يفهم أنَّ نَصِّي هذا يتحدَّث بالإجمال لا بالتفصيل.

تعليقات الفايسبوك