عقولٌ مُحْتَلَّة، وَأَوْهَامُ شَرَفٍ ومجْد!

عقولٌ مُحْتَلَّة، وَأَوْهَامُ شَرَفٍ ومجْد!

- ‎فيفكر وحضارة
1275
التعليقات على عقولٌ مُحْتَلَّة، وَأَوْهَامُ شَرَفٍ ومجْد! مغلقة
المجدالمجد

(هذا النص موجه لمسابقة فكرة للكتاب المبدعين 2)

عقولٌ مُحْتَلَّة، وَأَوْهَامُ شَرَفٍ ومجْد!

      سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بتحية الإسلام بدأنا.. وبالصلاة على الرسول الحبيب المصطفى نتلوها.. صلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعْد؛

لا أُدَبِّج، ولكن أقول:

يَا نَشْءُ هُـــــبَّ غير وَاهٍ إلَى عُـــــــــــلا

قَــــــــــــــــدْ حِيزَ مِنْكَ يَوْمَ بَادَ الفَطَاحِلُ

وَجَـــــــــــاءَ بُـعَــيْـــدَهُــــمْ عُقُولٌ فَوَارِغُ

قَــوْمٌ دَنــــوا، مِــــــــــنْ كُلِّ فَضْلٍ قَوَاحِلُ

وَطَـــــــالَ بِهِمْ لَيْلُ الهَوَانِ وَعَــــسْعَـسَ

وَقَـــــالَ أَنَــا ملـيـكُــكُـــمْ يَـــا جَوَاهِــــلُ

         أي وَرَبِّي، يكاد يَنْطِقُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا ظَلاَمُ جَهْلِهِ –وَبِهِ مِنَ الكِبْرِ مَا بِهِ– ويقول: “أنا آسِرُكَ يَا جَاهِلُ”.. فيا رُبَّ بَلِيَّة شَرٍّ يضحك منها لسان الحال ويثور في النفس تَحْقِيرُهَا، ولا هي بالخطب الهَيِّنِ ولا نحن نستطيع أن نزكي أنفسنا من هذا الخطْب الجَلَل.

لمَّا تَجِدُ مكتبات قديمة –كانت تبيع الكتب–  تَحَوَّلَتْ إلَى مَطَاعِمَ وَمَحَلاَّتِ لبَيْعِ العُطور.. ولَمَّا تجد أمام المؤسسات التعليمية على أرصفتها متسكعي الشوارع ماشين، وفي السَّيَارَاتِ بالأغاني الصاخبة يجدون لأنفسهم ما أتوا لأجله في أماكنَ كَتِلْك.. ولمَّا تجد الجامعاتِ (مراكز البحث العلمي وتخريج الباحثين الأكفاء) ليست بأحسنَ من سابقتها؛ اقرأ علينا السَّلامَ وامض راشدا أيها الكريم.

       إنَّ العَمَاء الذي يعصف بعقول الطائفة العظمى تعْدَادًا بَاتَ لا يُطَاقُ، خارت هِمَمُ الشباب وَصَغُرَتْ أحلامهم وَتَدَنَّتْ عندهم القيم، حتى لَكَأَنَّكَ تَخَالُ الشاب –إذا ما رأيته للوهلة الأولى– كَهْلاً قد عاش من العمر ما قد خاض فيه الكثيرَ الكثير، وعاش من العمر ما قد جنى فيه الكثير ووصل إلى حدود قدراته التي فُطِرَ عليها، تجده انكفأ عن طلب العلم كأنه شَابَ في طلبه وقد حَصَّلَ مِنْهُ كَمًّا لا يَضُرُّ الإتْيَانُ بِتعداده على مَسَامِعِ الخَلْقِ.. وَعَلَى صَعِيدٍ آخر تجد الطبقة المثقفة تَخْضَعُ في إنتاجها الفنَّ والعلمَ إلى توجهاتِ العَامَّة مِنَ النَّاس، وإنّي –والله– أرى أن المنطق يقضي بأن تَقُودَ الطبقةُ المثقفةُ رَأْيَ الطَّبَقَةِ العَامَّةِ التي لا تحوزُ على قدرٍ كافٍ من الوعي، لا أن تَقُودَ الطَّبَقَةُ العَامَّةُ –بِذَوْقِهَا وَاِهْتِمَامَاتِهَا– إنْتَاجِيَّةَ الطَّبَقَةِ الـمُـثَــقَّــفَةِ وَتُؤَثِّرَ عَلَى اِخْتِيَارَاتِهَا (وَهَكَذَا لا يكون إنتاجا علميا أو فَنِّيًّا بقدر ما يكون طَمَعًا مَادِّيًّا)، تماما كما في سُنَنِ الحُكْمِ.. وهناك بينهما شيء مشترك إلى حد بعيد [أي بين سنن الحكم وثنائية (المثقف/الجاهل)]، إن قانون الحياة يقتضي بأن الإنسان المتعلم يمكنه أن يمتلك سلطة قاهرة على الإنسان الأقل مِنْهُ عِلْمًا (فكيف بإنسان جاهل؟)، إذ ينبغي على هذه الطبقة القليلة جدا (أي الطبقة المثقفة) في الجزائر أن تقود الرأي العام وأن تُوَجِّهَ اهتماماتِهِ عِوَضَ الانْهِزَامِ أمَامَ الأكْثَرِيَّةِ -التي مَثَلُهَا مَثَلُ غُثَاءِ السَّيْلِ إنْ شَدَدْتَ عَلَيْهِ قَلِيلاً انْدَثَرَ وَانْحَازَ إِلَيْك –وَاِتِّبَاعِ تَوَجُّهَاتِهِم الَّتِي لاَ نَفْعَ لَهَا، بَلْ هِيَ الجَهَالَةُ بِعَيْنِهَا [أَتَحَدَّثُ هُنَا عَنْ وَاقِعٍ مريرٍ جِدًّا بُؤْرَتُهُ أَغَانِي (الواي واي) و(الستيك تيك)، وَفِكْرُ تَحْصِيلِ الشَّرَفِ عَنْ طَرِيقِ اللّبَاس وَالسَّيَارَاتِ الفَارِهَةِ]، وبالحديث عن تحصيلِ الشرف.. فإني أكتفي بالتذكير بقول عبد القاهر الجرجاني في كتابه دلائل الإعجاز: «(…)إنَّا إذَا تَصَفَّحْنَا الفَضَائِلَ لِنَعْرِفَ مَنَازِلَهَا فِي الشَّرَفِ، وَنَتَبَيَّن مَوَاقِعَهَا مِنَ العِظَمِ؛ وَنَعْلَمَ أيٌّ أحَقُّ مِنْهَا بِالتَّقْدِيمِ، وَأَسْبَقُ فِي اسْتِيجَابِ التَّعْظِيمِ، وَجَدْنَا العِلْمَ أولاه بِذَلِكَ، وَأَوَّلهَا هُنَالِكَ، إذْ لَا شَرَفَ إلاَّ وَهُوَ السَّبِيلُ إلَيْهِ، وَلاَ خَيْرَ إلاَّ وَهُوَ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ، وَلاَ مَنْقَبَةَ إلاَّ/وَهُوَ ذُرْوَتُهَا وَسَنَامُهَا (…)، لَوْلاَهُ لَمَا بَانَ الإنْسَانُ مِنْ سَائِرِ الحَيَوَانِ إلاَّ بِتَخْطِيطِ صُورَتِهِ، وَهَيْأَةِ جِسْمِهِ وَبنْيَتِهِ، لاَ، وَلاَ وَجَدَ إلَى اكْتِسَابِ الفَضْلِ طَرِيقًا،(…) ذَاكَ لِأنَّا وَإِنْ كُنَّا لاَ نَصِلُ إلَى اكْتِسَابِ فَضِيلَةٍ إلاَّ بِالفْعِلِ، وَكَانَ لاَ يَكُونُ فِعْلٌ إلاَّ بِالقُدْرَةِ، فَإنَّا لَمْ نَرَ فِعْلًا زَانَ فَاعِلَهُ وَأَوْجَبَ الفَضْلَ لَهُ، حَتَّى يَكُونَ عَنِ العِلْمِ صَدَرُهُ، وَحَتَّى يَتَبَيَّنَ ميسَمُهُ عَلَيْهِ وَأَثَرُهُ. وَلَمْ نَرَ قُدْرَةً قَطُّ كَسَبَتْ صَاحِبَهَا مَجْدًا وَأفَادَتْهُ حَمْدًا، دُونَ أَنْ يَكُونَ العِلْمُ رَائِدَهَا فِيمَا تَطْلُبُ، وَقَائِدَهَا حَيْثُ يَؤُمُّ وَيَذْهَبُ، وَيَكُون المُصَرِّفَ لِعِنَانِهَا؛ وَالـمُقَلِّبَ لَهَا فِي مَيْدَانِهَا »  [عبد القاهر الجرجاني: كتاب دلائل الإعجاز، ص:4-5]؛ إذ صفوة القول من كل هذا، أن مبتدأ كلّ شيء محمودٍ هو العلم، وأن مبتدأ كلّ شيءٍ ليس محمودًا هو الجهل.. وإنَّ من الأشياءِ المحمودةِ الرِّفْعَةُ وَالشَّرَفُ وحُسْنُ الإيمَانِ والصَّنِيعِ ومنهما القبول والمحبةُ وتحصيلُ الوقارِ والهيبةِ في النُّفُوسِ الأخرى وغيرها الكثير من المحمودات التي لا يتسع ذكرها كلها إنما يُمْكِنُ للعقلِ أيًّا كان تَعْدَادُهَا..

       وَلَعَلَّهُ لَمَّا كَانَ لِكُلِّ مجتمع أزمة كانت لكل مجتمع ثورة على تلك الأزمة، ولما كانت أزمة مجتمعنا أزمة عقلية/علمية/ثقافية/فكرية بالمستوى الأول، علينا أن نعمل على ثورة عقلية علمية وسوف لن نكون في حاجة إلى أيّة ثورة أخرى.. لأنّ الجهل هو المستبد الوحيد بنا أيّها الشعب الكريم، ولكن؛ كما يقول المفكر العظيم “مالك بن نبي”: «إن نجاح ثورة ما أو فشلها، هو بقدر ما تحتفظ بمحتواها أو تضيعه في الطريق وهذا كله يخضع لقانون.» [مالك بن نبي: بين الرشاد والتيه، دار الوعي للنشر والتوزيع، رويبة، الجزائر، ط2، 1433 هـ/2012م، ص14] وقانونها في هذا الصدد عند هذا المفكر أن الثورة “اطراد طويل” أي إنّها تستمر ولا تتوقف، هذا الاستمرار “يحتوي ما قبل الثورة، والثورة نفسها، وما بعدها”، حيث يقول عن هذه المراحل أنّها “تمثل نموا عضويا وتطورا تاريخيا مستمرا، وإذا حدث أي خلل في هذا النمو وفي هذا التطور، فقد تكون النتيجة زهِيدَةً تُخَيِّبُ الآمَال“؛ إذ إن أخطر شيء على الثورة مهما كان نوعها هو تفريغها من محتواها وأخلاقياتها ومبدئياتها التي قامت عليها ولأجلها، ولربمّا يظهر هذا الخلل لَـمَّا تذهب الأزمة التي احتشد لها الناس ولَـمَّا ترنو النفوسُ الطامعةُ إلى ما يكون بعد إزالة الصدمة التي قامت لأجلها الثورة.. فلربما نقضي على الأزمات الفكرية التي تجتاح أغلب الطبقات الجزائرية، فيقول قائل أنا صنعت كذا وكذا وحانت لحظة المكافأة.. وهذا أول ما يكون في تفريغ الثورة من محتواها وقد أسلفنا الذكر أن مفكرنا يقول بأن الثورة لا يجب أن ترتجل بل يجب أن تستمر وإلا فستفشل، حتى بعد نهاية الأزمة التي قامت لأجل إزالتها، حيث إن هذا السلوك سوف يُخْرِجُنَا من دائرة (الهدف الأساسي من الثورة)؛ يقول مالك بن نبي: «(…) حين تحرر كل زعيم من هؤلاء الزعماء من عقدة السلطة، فينظر إلى الاستقلال من زاوية الواجبات توضع على كاهل كل فرد، بدلا من نظرته إليه من زاوية الحقوق يمنحها له، إذن هذا الزعيم سيعدل تلقائيا أطماعه في السلطة.

       والهدف الثاني نتيجة للهدف الأول على الصعيد السياسي؛ إذ بقدر ما تتعدل نظرة الزعيم نحو السلطة، ويتحول تقديره لها من مجموعة (حقوق) إلى مجموعة (واجبات)، يضيق مجال مناورات الاستعمار، لأنها تصبح غير ممكّنة في نفوس محصنة بعيدة عن الهوى والغرور.

(…) هكذا نرى أنفسنا أمام ضرورة ملحة كثيرا ما ألحنا إليها في مقالات سابقة، ألا وهي تصفية الاستعمار في العقول قبل كل شيء» [ مالك بن نبي: مرجع سابق، ص: 33.]؛ وفي خضم هذا الكلام الذي يحمل في طياته الكثير من الحقائق، تلوح في خاطري مقولة:” إن المسؤولية تكليف وليست تشريفا”، حيث إن من يراها تكليفا فهو الشخص الذي سيحقق –إذا ما تولاها– نتائج إيجابية وَسَيُدِيمُ للثورة اطِّرَادَهَا وسوف لن يَخرُجَ عن المحتوى الروحي لهذه الثورة، فيما لو كان يرى هذه المسؤولية تشريفا سَيَخرُجُ بذلك من الإطار الروحي للثورة إلى إطاره الخاص ألا وهو الطمع، وهذه هي الغريزة التي ستقضي على الحضارة وتؤدي إلى أفولها.. ما يريد أستاذنا الفذ مالك بن نبي من هذا الكلام، أن الثورات لابد ألا يتخلّل شخصياتِها جانب من الطَّمع في نيل الحقوق، لأن الثَّورة لا تَنْتَهِي بمجرد رَفْعِ الأزمة، بل إن هذا الخط الثوري يبدأ من الآن.. لأن الحفاظ على هذا الخط مُتَّزِنًا هو أصعب من إزالة الأزمة نَفْسِهَا، وإنّه مما لا شك فيه أن من يطالب بحقه في الراحة بعد ذلك الجهد حَرِيٌّ به أن يقول إن الثورة انتهت وحان وقت السكون، وينسى المثل القائل: “إن البقاء في القمة أصعب من الوصول إليها”، وهذا ما أسميه في ميدان العلم والثقافة بـ: “الغرور المعرفي“، وهو الغرور الذي يُوهِمُ صَاحِبَه بأنَّه وصل إلى المبتغى وأنّه لم يعد هناك شيء يطمح إليه، حتى نَجِدَهُ إنسانا مَارِقًا ولكن لا علمَ له إلا النَّذْرُ القَلِيل..، وهذه هِيَ العقلية التي تضر بالمجتمع الجزائري –وربما كل مجتمعات العالم المتخلف– أيّما ضرر، فأن لا تعرف مشكلة تحيط بك فهذه كارثة، وأن تعرفها ولا تصنع لها حلا فهذه كارثة أعظم، أما أن تعرفها وتصد عنها هاربا منها فهذه أمُّهُنَّ بكل تأكيد.. وفي هذا الصدد يقول مفكرنا الجهبذ مالك بن نبي: «الثورة التي تخشى أخطاءها ليست بثورة، وإذا هي اكتشفت خطأ من أخطائها ثم التفتت عنه فالأمر أدهى وأمر». [مالك بن نبي: مرجع سابق، ص: 18.]

        وَلَرُبَّ سَائِلٍ يَسْأَل: إن المفكر “مالك بن نبي” في هذه المقالات التي استنبطتَ مِنْهَا أفكارك وأحكامك هي في الحقيقة مقالات عن “الثورة ضد الاستعمار العسكري”.. ولكنّي أقول إن مالكًا –رحمه الله– لم يهمل جانب ثنائية العلم/الجهل في بناء الحضارات، ولما كان ذلك كذلك فإني تمثلته واضِعًا نُصْبَ عَيْنَيْهِ أنَّ الجهل هو الاحتلال الأول قبل أن يكون هناك أي احتلال آخر، لأن الاستعمار العسكري في الحقيقة ما هو إلاَّ نتيجة للتخلف العلمي لبلد ما، لم أرَ من قبلُ أن بلدا يحتل بلدا يكون العلم فيه أكثر تَطَوُّرًا، سَتَكُونُ طُرْفَةَ الدَّهْرِ إذًا. أمَا والله إني أرى أن استعمارَ بَلَدٍ لآخَرَ مَا هُوَ إلاَّ استعمار بلدٍ فيه العلمُ أكثر من العلمِ الذي في البلد المُسْتَعْمَرِ..، وهل الاستعمار اليوم غير الاستعمار المعرفي؟ من قال أننا لسنا مُسْتَعْمَرِينَ؟ أو لنقل: من قال إن عقولنا الجزائرية ليست محتلّة؟ أَوَلَيْسَ “المغلوب مُولَعًا بِتَقْلِيدِ الغَالِب”؟..

            تَأمَّلُوا الأفُق، وَانْظُرُوا وَإنِّي نَاظِرٌ مَعَكُمْ وَأَنَا بَيْنَكُمْ، وَابْحَثُوا عمَّنْ أتَاهُ المجد يَوْمَ أنْ كَانَ يَلْهُو وَيَلْعَب، فِإذَا وَجَدْتُمُوهُ فَاْتُوا إليَّ بِهِ أَرَاه.. فَإنْ فَعَلْتُمْ، فَإِنِّي والله أَوَّلُ مَنْ يُطَلِّقُ هَذَا الاعْتِقَاد الذي كُنْتُ أنْثُرُهُ تَقْرَؤُونَه، وأُكْمِلُ لَهْوِي وَنَوْمِي.. وإذَا لَمْ تَجِدُوه، فَتِلْكَ حُجَّتِي فِيمَا قلتُ آنِفًا؛ وآخِرُ دَعْوَانَا أن الحَمْدُ لله رَبِّ العَالَمِين.

‫#‏مسابقة_فكرة_للكتاب_المبدعين_2

تعليقات الفايسبوك