طفل الأمس.. متى يكبُر؟

طفل الأمس.. متى يكبُر؟

طفل الأمس متى يكبر؟طفل الأمس متى يكبر؟

(النص موجه للمشاركة في مسابقة فكرة للكُتّاب المبدعين 2)
طفل الأمس.. متى يكبُر؟

يُولد أحدُنا، فيَصيحُ في فُوَّهة العالم “ها أنا ذا” و هو لا يُتقن سِوى البكاءْ وَاصطناعَ صَوتٍ صاخبْ؛ لا يحسب حسابا لقواعد لغة أو مخرج حرف، فروحه شفَّافة حديثةُ نبضٍ تبصرُ جيدا بساطَة الكونِ وتدركُ اتساعهُ لصوت آخر بعد ولو كانَ مبهمًا… فيطُول به الصياحُ دُون مللْ!.

فِي لحظة وعيٍ، يفيقُ رضيعُ الأمسِ وقدْ تركَ مرحلة العوِيل خلفه، ظَانًا أن العالم تفطَّن لوجُوده ولم يعد بحاجة لإثبات ذاته مجددا، لكن يحدثُ أن يصطدِمَ فِي غمرة سيْره المُتهادِي بصُورته الجديدة ولم يكُن قد رتَّب لنفسه واحدة من قبل: طفل صغِير مُتكلمٌ، يحترفُ العنادَ وَارتيادَ الابتدائيَّة فِي جولات صباحيّة ممتعة، سعاداتُ الدنيا أجمعُ يَشتهيها على شاكِلة حلوياتٍ، وقُبلة أمِّه الدافئة حِين يتقنَ أداء ركعةٍ واحدة من الصلاة..

 شيئا فشيئا، يتضخَّمُ الوعيُ الإنسانيُ و يضخ فِي ذهنهِ صُورا جديدة له على فترات متباعدَة تُشعره بالأمانِ مادامَ مغمُورا حدَّ الغرقِ فِي الرعايَة وَالدَّلالْ، فِي غِنَى عن إجهادِ عقله بترهات التفكِير المعمَقِ بغايته ووجهته! يجدُ فرصَة ليزداد طُولا وعرضا وَفهما لمُجريات الأمُور بالقدرِ الكافِي ليكبُر فِي نظر نفسهْ لا غير!

كُنا أطفالا ذات يومٍ، ولمْ نكن نعِ ما الهدفُ، ما الفكرةُ، ما الدافعْ.. لم يحصلْ ذلك إلَى أن تعلَّمنا ارتكاب ‘‘الحُلمْ‘‘، قطعةُ الخيالِ اللذِيذة التِي ابتلعناهَا مذ أول قضمة فنزلتْ يسار صدُورنا مختبِئة في علبة النبضِ، بدل أن تُفتتها الأحشاءْ.. يوما بعد يوم صارتِ الأحلامُ آمالا تقتاتُ على أوردتنا، وتُمنِينا بالنهايات السعيدة.. كبرنا ومعنا آمالُنا البريئة مرتسمة على الشفاه في ابتسامة صادقة لم تلبث أن انقلبت تقويسة ثغر عابسة بعد أن صفعتها قسوة العالمِ بأزقته المضرّجة دماء وأركانه المحشوة أشلاء؛ وكنّا حين نتساءل لا تُجيبنا سوى بضعُ صُور و نشراتُ إعلامية مصوَّرة تُحاكِي قُبح الوضعِ، نراقبُ ولسانُ حالنا يقول: من القاتل؟ من المقتُول؟ ما المعادلَة هُنا؟

طفل
طفل

تُلقَى إلينا مصطلحاتٌ أكبر منا حجما، فنعتزل الطفل الذي في دواخلنا ونقرّرُ أن الأوان قد حان لاستباقِ نضجٍ يخوّلنا لفهم الأحداث؛ هناك كان فجعُنا بالأمَّة المبتُورة، والأوطانِ المشتّتة، تمتدُ إليها الأيادِي تترا تنهشُ في عمقِ هويتها ولا تفتر؛ إنّها أشبه بيدي عدو!

تتكاثر الأسئلة بسرعة رهيبة، و نعمدُ إلى البحث ولاشيء غير البحثِ يشفِي فضولنا: يخبرُنا الأجداد عن الأعداء الحاقدين، ويحشُونا التاريخ بمفاهيمِ الوطنيَّة والانتماء للدين الأغر، تنقشع ضبابيَّة الفكر، ونستوعب على أكمل وجه ثنائية الخير  والشَّر في هذا الكون.

هُناك فقط تُبتلَى الهممْ! فلعِبُ دور المنقذ سهلٌ إذا راودَنا على هيئة حُلم أو اصطنعناه كلاما؛ أمَّا الحقيقة فشيءٌ آخر.. إسأل نفسك، كم مرَّة عزمتَ أن تنضمّ إلى ركب المدافعين عن أمتكْ مذ وعيت على أوجاعها؟ كم مرَّة صنعت من آمالك الطفوليَّة أهدافا جريئة وأردت أنْ تسُوق بها النصر للأمَّة؟ ثمَّ ماذا؟ ثُمَّ وقعتَ على وجهكْ تماما وقد فُقِدت الوجهة!

لاتصيبنَّك (فُوبيا العثرات) يا أنت، فتلك الخبيثة كثيرا ما تستهدف الذين حثُّوا الخطو نحوَ أهدافهم! ولا تصرفنَّك الملهياتُ الدنيويَّة عمَّا عاهدت عليه الله ثم أمتك و نفسك!

 تقولُ ما باليد حِيلة! فمن أطال النظرَ عاليا قذفت به الجاذبيَّة نحو الأسفلْ؟

أنت مخطِئٌ يا طفل الأمسِ، يا منقذ الأمَّة.. تلك الجاذبية ماهي إلا نفسُك الأمارة بالسُوء تستعصِي عليها التضحياتُ الجسامُ في سبيل الغايات النبيلة فتدسُ الشُؤم في ذهنكْ..

يُغمَى عليك كثيرا في متاهات الحياة، حتى تصير قصيَّا عن الركب و يسبقك الأعرجُ بساق واحدة، تعُدُّه فشلا محتما وتتنازل عن دور المنقذِ، تختارُ  راحتك وحربا ضروسا يخوض غمارها الصَّادقُون..

ترتاحُ ليلا لوسادة الريش خاصتك و تحظى بِصحنينِ على الغداء إن لم يتبعهما ثالثٌ لا يفسح للهواء في معدتك مجالا، تُعمِيك الدَّعةُ و فسيح العيشِ، فتغلفُ نفسك أوهاما مقرفة ومبررات واهية، والعجز ولاشيء سوى العجز يسدُّ منافذ النور إليكْ!

 نُور الله الذِي تقتبسُ منه أملا في قلب الظلمة، نور الله الذي تقتحم به حافِي القدمين ساحة الحياة الحبلى بالشظايا والألغامْ وَتُوقن بالوصُول سالما رغم استحالته ظاهرا، لأنه معك سبحانه..

ذكر ابن القيم-رحمه الله- أنَّ قيمة الإنسان همَّته وماذا يُريدْ. و أنت ترفلُ نحو كذبَة متجدِدة إن أنت أردت أن تتبرَّأ من واجبك تجاه ثوابتك وطرحت عباءة وعودك أرضا في مشهد انهزاميٍ ساخرْ ! أين قيمتك إذن؟

أنتَ جزءٌ من الشر في العالمِ إن بقيتَ على معصِية ولم تتُب، إن لبثت على كسل ولم تثِبْ، إن فضَّلت النحيب والركُون بعيدا عن الأنظارِ حين سقطت سقطتكَ الأولى، وضعفت أمام نفسكْ.

ليس عيبا أن تخطِئ، أو تقصِّر، لكن العيبْ أن تحتفظ بالأخطاء والتقصير كعاداتٍ لصيقة تحيطُ عنقك بعنفٍ وتمنعك من المضي قُدما، توهمك أنك أحقر من أن تشملك رحماتُ الله.

وتنسيكَ أن لله ألطافا خفيَّة يهبها لذِي نيَّة صادقة، وهمَّة سابقة، جاهز للوقوف بعد عثرة وألف من مثيلاتها إن لزم الأمر ، المهمُّ أن يخيطَ من ثوب أمته رقعةَ تسترُ عُريها الفاضح، ويضمد جُرحا متقرّحا علَّها تكفُّ عن الأنينِ..

إذا كنت لابدَ محاربا في سبيل أمتك، فلا تختر الطريق الآمنة، الطرقُ الآمنة (اختصار للهروب) ولم يخلق الهروب إلا للجبناء، و اذكُر في الورى محمدا صلى الله عليه و سلَّمْ إذ لم يهنأ إلا وقد بلّغ الرسالة وسقى بالوحي قفار  الأرواح المجدبة بعد طُول عناء و هوَ أحب الخلق إلى الله..

أخلق من نفسكَ فردا مؤهلا لاقتناص النصر متى ما أبصره، إن كان فِي عملك أو ثانويتك أو جامعتك، في أي بقعةٍ ضمَّتكْ، بقيمٍ، بمبادئ صلبة لا تتزعزع، إجعل من طفل الأمس.. بطلا للأمَّة، حينها فقط يكون قد كبر حتما.

لـِ مروة بُوحدَّة

شيخ
شيخ

 #‏مسابقة_فكرة_للكتاب_المبدعين_2‬

تعليقات الفايسبوك

2 Comments

  1. Avatar

    كما عهدتُكِ مروة ^^ أنيقة يا رفيقة المشوار
    وفّقكٍ الله
    صديقتكِ ’’ح’’

  2. Avatar

    مروة بُوحدَّة

    آمين ياربْ و إياكِ، أحببتُ لو تركتِ اسمكِ كاملًآ ‘(
    لم أتعرف عليكِ، لكنِي ممتنَّةٌ والله !
    شُكرا من القلبِ ‘‘ ح ‘‘ 😉

‎التليقات مغلقة‫.‬