رسالة: خبزٌ وملحٌ وأشياءُ أخرى..

رسالة: خبزٌ وملحٌ وأشياءُ أخرى..

خبزٌ وملحٌ وأشياءُ أخرى.. (قصة في رسالة)

عزيزتي منى..

كنتِ دائمة الحضور في بالي وفي دعائي رغم البعد والمسافة.. تعرفين جيّدا مكانتكِ لديّ.. ليس هذا ما أودّ الحديثَ عنه.. شيءٌ ما في حديثِ لقائنا الأخير هزّ فيَّ روح صداقتنا العميقة ووضعني أمامها كما لو أني بِردّي عن سؤالك سأخضع للامتحان المصيري الذي يُثبِّت مكاني كصديقةٍ تحبّك في الله وتحب الخير لك، أو ينفيني من تلك المكانة للأبد!.. يومها بقيتُ صامتة.. ربما خشيت لحظتها ألا تفهميني أو ربّما خشيت ألّا تدركي أنّني أفهمك جيدا كما أفهم نفسي.. أنتِ عندما تلجئين إليّ وتقيِّدينني بارتباكك ثم تسألين.. أعجز عن الإجابة. تُراهنين على ثقتكِ به فلا أملك أن أراهن على شيء أمامَ عجزي عن إيجاد علاقة تنفي ثقتكِ بقُدرته على حمايتكِ لثقتكِ به. فأسأل نفسي، مكمَن بطولتِه في أن يحميكِ من الجميع غدًا، فلما تصرّين على الجزم بعدم قدرته على حمايتكِ منه وحمايتكِ فيه في الآن نفسه إلى أن تصيري إليه؟

كذب

تتلاشى اِلتواءات الطرق الجانبية وتتماها معالمها مع الزمن.. ولا يظلُّ ثابتاً غير طريق بُنيت أساساتها على أساسٍ يصل إليه سبحانه. تفكرين بعمق ثم تخبرينني أنّ كل شيء سيعود حتما إلى المسار الصحيح.. تعقِدين العزم على صدق النوايا الطيبة.. لا يمكن بأيّ حال أن تُخذلا.. تقولين أنك واثقة.. فتُربكني ثقتك أكثر من حيرتك وأتساءل في سرّي، أتعتقدين حقا في أعماقك أن طريقا بدأت على غير رضاه يمكن في يوم أن تؤدي إليه؟

أهُمّ بقول شيء, فتمرُّ أمام عينيّ صورُ طفولتنا المشتركةِ متتابعةً، أيامَ تقاسمنا حلمًا وكعكًا وحلوَى ودفاترَ دراسة، تقولين أنّني كنت طيبة، أنا أيضا كنت أراكِ كذلك. تُمسكين بيدك صورةً من الزمن الجميل وتُشيرِينَ إلى ابتسامتَينا، كنا بريئتين، افترقنا بعدها على مضضٍ لرحيل أسرتك عن المدينة. كنا في بداية أول سنة في المتوسط، نشدُّ على وثاق الصداقة بكِلـتَا يدينا. افترقنا ونحن على عهدِ نفسِ الابتسامتين البريئتين. فحفَرتِ الذّكرى في ذهنِ كلٍّ منا صورةً ثابتة عن الأخرى لا يمكن أن تتغيّر مع الزمن.

وها نحن نلتقي على نفس العهدِ بعدَ سبعِ سنوات. لم يتغير شيء. لأن خبزَ وملحَ الكعكِ كانا قويي التأثير؟ أم لأنّنا لا نزال على العهد فِعلاً، كتِلكُما الطفلتين؟ لست أدري!. لكن.. ما أعرفه حقا، هو أنّ خبزَ وملح رسائلكِ التي أُرتِّبها حسب تسلسلها الزمني في دُرجِ مكتبي تُحتّم عليّ أن أُصدقك القول، أن أُخبرك أني أرى هنا أبيضا وأني هناك أرى أسودًا وأنّني لا أؤمن بخليطٍ رمادي. لذلك لا أملك غير حلّين، إما أن أصدقك القول أو ألا أقول.

نعم - لا ، الخير - الشر

و يعود الخبز والملح يضغطان على قلبي، لا أستطيع السكوت، فوق طاقتي.. طبعي هكذا!

قد لا يكون مدهشاً أن أعرفَ أنّك تعرفين بالضبط ما أودّ أن أقول.. أنتِ نفسُك كنتِ تقولِين الشيءَ نفسَه لنفسِك قبل فترة، تؤكّدين أنّها لم تتغيّر فيك المفاهيم، ولا المبادئ.. فما الذي استجدّ إذن حتى كان ما كان؟ تقولين أنّك حريصة على السير بحذرٍ على الطريق، أنّ كلاكما لبعضكما كنزٌ وخسارةٌ أن تُفقدا، جميل.. لكنّه ليس بطوليّا أبدا وإن بدا أنكما تستنزفان كلّ طاقتكما لتجعلاه يبدو كذلك، جميع البشر يملكون مشاعراً، طبيعتنا هكذا دون أن نتكلّف، البطولة تكمن في الإجابة عن السؤال: وماذا بعد ذلك؟ ماذا بعدها تلك المشاعر؟!

اختياراتنا على مفترقات الطرق دائما ما تكون مصيريّة، مواجهاتنا مع ذواتنا في لحظة من اللحظات يمكن أن تؤجّل، أما على مفترق الطرق فلا، وعندما نتوه وتشتت بصيرتَنا الحيرةُ لحظة الاختيار. يبقى هناك حلّ وحيد، أن نسأل أنفسنا بعدَ أن نضعها خارج المشهد ثمّ نجيب بصدق. ما أصل نيَّتنا فيما نفعل؟

 النيّة في أن تُخلَص الحياةُ لله هي الأصل، الأصلُ في أن تكون الأحق بالتأييد والبركة منه سبحانه، وما دون ذلك يبقى دونًا! يشبه الأمرُ صبياًّ وُلِد حديثاً، ثمّ ربّاه والداه مُخبَّئًا عن نور الشمس فأُصيب بهشاشة العظام.

في الصبر مشقة، أعرف.. لكن الصبر الجميل دائماً ما يخبّئ فرحا جميلا يستحق، وعندما يخفي الزمن ما ظنّناه باقياً إلى الأبد، يظلّ الأصلُ شجرةً ثابتةً فرعُها في السماء.

ليس في الأمر أيٌّ من التعقيد، من يحبّك صادقاً يحبّ فيكِ حياءك، والحياء قبل أن يُعَرَّف تورّد وجنتين لارتباكِ قلب، يكون استحياءً من أن يعصي المرء خالقه في نعمةٍ أولاه هو إياها. وهل الحبّ إلا رزقٌ على لسانِ رسولكِ الكريم؟ وهل الرزق إلا نعمة؟ فالأولى بالنعمة إذن أن تُشكر لألاّ تزول، ولا خيرَ في شكرٍ يكون لهجاً باللسان فقط دون تصديق فعل.

حب - love

الخبزُ والملح لا يُقيِّدان! والصّراحة الصادقة من قلبٍ يرى فينا أهلاً للخيرِ لا يُلامُ عليها أيضا.

الأهمّ ألا نتوه مهما كانت إحداثياتُ النقطة التي كنّا نقف عليها. الأهمّ من هذا كلّه ألا نفقد البوصلة. لألاّ نفقد كُنهَ الحياة وسط من «يحسبونه هيّنا وهو عند الله عظيم»

الأهم أن نختار الأصل والأكمل والأبقى. ما دُمنا لا نزال على قيدِ الحياة نملِك حقّ الاختيار.

صديقتُكِ المُحبة: هُدى.

ــــــــــ

أنفال مغيث

تعليقات الفايسبوك

3 Comments

  1. Avatar

    مدهشة .. رسالة مدهشة !!

  2. Avatar

    مريم يوسفي

    ….. إنها لحظة اختبار، لحظة اختيار… نسأل الله ثبات القلب والقدم….

  3. ‎تنبيهات ‫:‬ الكاتبة أنفال مغيث تكتب: لنغير الكوكب! هل حان الوقت فعلا؟

‎التليقات مغلقة‫.‬