الدا حسين أكبر من رجل عادي

الدا حسين أكبر من رجل عادي

- ‎فيأحداث, فكر وحضارة
1228
التعليقات على الدا حسين أكبر من رجل عادي مغلقة

الدا حسين أكبر من رجل عادي

رحمة الله عليك ” دّا حسين”..

ووري بالجمعة جثمان الزعيم (حسين آيت أحمد) المدعو بالدّا حسين في جنازة شعبوية حضرها المواطنون من كل حدب وصوب، دافعهم إلى ذلك إلقاء نظرة أخيرة على من عاش والجزائر تسكنه. الرّاحل الذي عاش في منفى إختياري بسويسرا أبى – في وصيته الأخيرة – إلا أن يُدفن بجانب قبر والدته في قريته بتيزي وزو.

آيت أحمد سليل لالا فاطمة نسومر، وأحد الأبطال الذين أنجبتهم جبال القبائل، كان من الأوائل الذين آمنوا بالكفاح المسلح كحل للأزمة الجزائرية فانضم لحزب الشعب ولم يتجاوز عمره السادسة عشر سنة، ثم أصبح أصغر عضو للجنة المركزية بعد انحلال الحزب، ثم مؤسسا للمنظمة الخاصة بعد ذلك رفقة بلوزداد سنة 1947.

كان دور آيت أحمد ينتقل ما بين السياسي والعسكري حسب ما يقتضيه الوضع، حيث تبنى عملية السّطو على بريد مدينة وهران تمهيدا لتسليح الثورة سنة 1949، ورافق محمد خيضر وأحمد بن بلة إلى مصر في وفد الخارجي للتعريف بالثورة الجزائرية، كما مثّل الجزائر في مؤتمر باندونغ سنة 1955. وفي 1956 كان آيت أحمد ضمن المختطفين الذين كانوا على متن الطائرة التي تم تحويلها إلى باريس على يد السلطات الفرنسية، حيث بقي ورفاقه يتابعون أصداء الثورة خلف القضبان.

تاريخ الرّجل النضالي طويل ويُصعب اختصاره في سطور، لكنّ ما صنع بحق هذه الشّخصية الفذّة التي كان لها الفضل أن دفعت بعجلة الثورة إلى مسارها الأخير هو حسّه الوطني العالي، واتّقاد ذهنه الذي ورثه عن جدّه الولي الصالح (الشيخ محند أولحسين) الذي جعل من بيته قلعة محصّنة أوت العديد من قيادات الثّورة. فكان حفيده خير من حمل المشعل عنه فصمد في مساره النّضالي رغم الإحباطات التي عصفت به إلى ساعة وفاته لكن إيمانه بمبادئ الثّورة المجيدة جعلته يتمسّك بقناعاته حتى الأخير.

الرّاحل وقّع أوّل تضحياته بالصّف الابتدائي، إذ زُجّ به في السجن آنذاك لأنه رفض تحية مدير المدرسة بعدما أحس بسياسة التّمييز بين التلاميذ الجزائريين ونظرائهم الفرنسيين، فنمت في داخله جذوة التّمرد على المستعمر في سن صغيرة، رغم ذلك لم يتخل عن التّعليم يوما لأنه آمن به كقوام للكفاح فافتك البكالوريا من المدرسة الفرنسية سنة 1946 .

لعل من أبرز سمات الرّاحل هو أنه عاش حياته معارضا، ولم يكن هدفه في ذلك سوى التّمسك بشرعية الثّورة بعدما أخذ تيار السّلطة الكثير من قياداتها بعد الاستقلال، والتفتوا إلى التصفيات والحسابات والمطامع الشّخصية بعيدا عن إرساء أسس الجمهورية المستقلة، فنجده دائما ما يضع اعتباراته الشّخصية جانبا لأجل مصلحة الوطن، بدءا من عزله عن رئاسة المنظمة السرية واستماراره مكافحا في صفوفها، ثم حكم الإعدام الذي صدر ضده من طرف بن بلة سنة 1963 بعد تأسيسه لحزب FFS وعودته بعد ذلك ووضع يده في يد بن بلة سنة 1985 في تحالف سياسي ضد النظام. كما أن الراحل رفض في التسعينات منصب رئيس الجمهورية مثبتا لمن رماه بالعمالة أن الكرسي لم يكن يوما من مطامحه.

بعد سنين طويلة من الكفاح، والدفاع عن كلمة الشعب أقعد المرض آيت أحمد فانزوى في المهجر يراقب محبوبته عن بعد بعين كسيرة، إلى أن ذوت شمعته وفي قلبه أمنية كبيرة بأن يصون جيل التّحرير الأمانة.

في قرية آيت يحيى بأعالي عين الحمام بتيزي وزو يرقد الآن آيت أحمد في رحم الأرض التي أنجبته، كما في كل شبر من ربوع هذا البلد تنام أجساد أحيت هذا الوطن الموات، بعضهم زُفّ لقبره بأكاليل الزّهر، وأهازيج الوداع، والبعض الآخر لا يعرف أسمائهم أحد على سطح هذه البسيطة، لكنّهم جميعا أحياء عند ربهم يرزقون، فهل تفعلها الأرض ثانية وتتمخض لنا عن أبطال بقامة آيت أحمد ورفاقه لينقذوا الجزائر مرّة أخرى؟ أم أن الجزائر أصابها العقر!…

تعليقات الفايسبوك