التنازل عن مشروع الحياة

التنازل عن مشروع الحياة

- ‎فيفكر وحضارة
1345
التعليقات على التنازل عن مشروع الحياة مغلقة
@مجلة فكرة - IDEA Magazine

التنازل عن مشروع الحياة

أولا: الحياة والقراءة…

القراءة والكتابة هما وجهان لعملة واحدة هي الثقافة والحضارة، فإذا كانت القراءة مؤشرا كبيرا على مقام المجتمع وحضارته فإن غيابها لا يبشر إلا بالجهل والتخلف والتقهقر الحضاري والثقافي، وهو الشيء الحاصل في المجتمع العربي فلماذا لا نقرأ؟

سؤال سيطِير بنا إلى أسئلة أخرى كثيرة قد تحط كلها عند نفس الجواب، فلماذا لا نقرأ أو بالأحرى لماذا ككل الشباب العربي أنت لا تقرأ؟ لماذا لا تهتم للسياسة؟ ولماذا لا تهتم للاقتصاد؟ ولماذا لا تهتم بالثقافة؟ ولماذا لا تهتم بالفن؟ وأعمق من ذلك… لماذا لا تحركك الحماسة في العلم أو في العمل؟ لماذا لا تهتم بجماليات ورونق الحياة؟ لماذا لا تبدع؟ ولماذا لا تتجاوز التوقعات؟ لماذا حين يذهب “جاك” إلى العمل يضع عقله وقلبه هناك، يقدس مهامه، ويدقق ويحرص على كل تفاصيله، عكس “هشام”  “اللي راه مدرق راسو فالخدمة!”. ففي الجزائر مثلا، حتى بقايا الأبنية والحدائق والمساحات الفرنسية التي ورثناها في كل مكان تكاد تتكلم من تلقاء نفسها عن الجمال وعن حب الحياة وعن الاهتمام الفائق بجماليات الحياة وتفاصيلها لتصرخ “أخرجوني” من بين هذه الرداءة التي أفسدت الصورة الجميلة والتي تجاوزت العمران لتجعل الرداءة حاضرة في كل أبعاد الحياة، وفي شتى المجالات من تعليم وتسيير وإدارة، وثقافة، وسينما، ورياضة، وخدمات، وكل شيء تطأه عينك أو حواسك.

إن الشاب العربي لا يكترث للتفاصيل، عنوانه وهدفه “دير برك”، الحماسة غائبة تماما عن كل حياته… لا يحركه في عمله أو سعيه إلا ظروف الحياة “راني نتكربع برك”، لا يعمل لكي يصنع شيئا للمجتمع أو لنفسه… كل ما في الأمر هو طقوس ملزم بها يردّدها كل يوم وكل سنة، وكأن حياته سيناريو كُتِبَ له وهو ملزم بلعب دوره الممل، وهنا ترى أن المشكلة ليست حكرا على القراءة، المشكلة أعمق من ذلك بكثير… الإنسان العربي لا يقرأ لأنه ببساطة لا يحيا، وإن كان قلبه ينبض فعقله ميت وقلبه لا يحب الحياة، لأنه لا يملك مشروعا للحياة ولا يؤمن برسالة ما.. لا تثيره نار الانتصار لأنه رفع راية الاستسلام، ولا تحركه نخوة التحدي لأنه تنازل عن كل المغامرات، تنازل عن كل أحلامه وعن كل آماله، تنازل عن مشروع الحياة وأصبح جاثيا على سرير الموت يردد ما يمليه عليه المجتمع، والعمل، والأهل وحاجة البقاء على قيد الحياة، فما الذي قتل مشروعه للحياة؟

لا أحد أجاد وصف هذا المشكل أحسن من مالك بن نبي حين قال أن “مشكلة العربي أنه يخال نفسه وصل الكمال بأدائه الصلوات الخمس وأن هذا الإيمان بوصوله إلى الكمال عطل بالنتيجة كل ديناميكية التقدم والتحسين لديه”، وهو ما سميته أنا تنازلا عن مشروع الحياة، القصة أشبه بشاب يبحث عن شجرة الخلد ليأكل من ثمارها فتعصمه من الموت، فيسافر بعيدا بحثا عنها فيحارب ويكابد ويصارع ويستكشف ويتحدى الطبيعة، كل هذا من أجل الحلم المقدس الذي بقلبه وهو الخلد، وبدلا من ذلك كله يأتي شخص ليمنح ذلك الشاب شجرة ويقنعه بأنها شجرة الخلد… وأنها ما كان يبحث عنه فتهدأ ناره فلا يكترث بعد ذلك لأي أمر حوله لأنه نال مراده، فلا تثيره ألغاز الحياة ولا تحدياتها فيطبق عليه الاستسلام والخضوع لها، وتلك حال الإنسان العربي وحال الأمة ككل، لكن الذي لم يقله مالك بن نبي وإن كان أشار إليه ولا أدري لماذا لم يقله، هو أن للدين دور رئيسي في هذا التحطيم، كيف لا والدين هو أول مسؤول عن صياغة رسالة ومشروع الإنسان في الحياة، والدين هو الذي يرسم الغاية الأقدس للإنسان في هذه الحياة، وذلك ليس فقط لأنه أقنع الشاب المسلم ببلوغه الكمال بأدائه الصلوات الخمس (على أطروحة مالك بن نبي)، ولكن لأنه وضع إشارة “توقف” عند كل جماليات الحياة وضع إشارة “حرام” أو “ممنوع” عند كل شيء ينبض من نبع الحياة، عند كل شيء محبوب أو ممتع يرمز للحياة أو يثير تحدياتها، فالموسيقى والرقص والنحت حرام، والجمال منبوذ، والتعطر والتطيب مكروه، وجمال المرأة في بدنها أو في صوتها عورة، وكلها أشياء تدفع الإنسان لحب الحياة أكثر وللتعلق بها أكثر، وهكذا جف منبع الحركة وتحطم الجسر الذي يربط الإنسان بالحياة، وتفككت هنا كل أحلام ذلك الشاب..

شلت الأفكار الدينية (المغلوطة) الإنسان وشلت طاقته، ونتيجة لذلك فقد الشاب المسلم كل رغبة أخرى في ممارسة الحياة والفنون والعلوم والثقافة، وفقد مع ذلك حب القراءة لأنه لا يكترث بما يوجد في ذلك الكتاب ولا بذاك الكاتب، ولا بتلك المجلة، ولا برجل السياسة ذاك، ولا يكترث بتلك الرسائل أو القصص أو ما تحويه لأنه ببساطة لا تهمه الثقافة التي سيجنيها، ولا يغريه حب الاكتشاف أو الاطلاع، شعاره “أخطوني” لأن كل قوى الفضول والاستكشاف خارت داخله وداخل عقله، أو مات قلبه عن الحياة، لأنه وصل إلى “مراده” من الحياة… بل بالأحرى لأنه خال نفسه بلغ مراده من الحياة، وفي نفس الوقت لأنه لن يجني أي ثمار تشجعه مقابل اهتمامه بالحياة.

يبدو الأمر وكأن الأفكار الدينية (المغلوطة) التي داومت على التغلغل في عقله منذ الطفولة، وكتب ودروس الدين وخطب الجمعة، وتربية الوالدين الدينية، عملت كالسموم التي تقتل أعضاء الجسم، وإن كانت أفكار الدين في هذه الحالة تقتل نور العقل وتطفئ طاقة القلب، ليست أفكار الدين سلبية هكذا بالمطلق لكنها من هذه الزاوية وفي حالة المجتمع العربي هي سلبية بامتياز، ولا حديث في ذلك لمن يدقق النظر في الأمور بعين من الصدق والحياد، كما أن هذا لا يعني أن الحل هو التخلي عن الأفكار الدينية بقدر ما هو تركيز على أهمية نقد الأفكار الدينية، وإخراجها من دائرة القداسة والمثالية والكمال وإخضاعها للعقل والنقد والمنطق، ومراجعة هذه الأفكار مع المنبع الصافي للدين وهو القرآن الكريم وتنقيتها من كل الذاتية والأفكار البشرية المحدودة والقاصرة التي اختلطت بها وأفسدتها، فلا شك أن هذه السموم من صناعة البشر ولا تعبر بأي شكل من الإشكال عن الهدى الإلهي الذي جاءت أول كلماته على رسم ” إقرأ”.

بلحاج رفيق

‫#‏مسابقة_فكرة_للكتاب_المبدعين_2

 

تعليقات الفايسبوك