التقشف بوابة الهروب من الوطن!

التقشف بوابة الهروب من الوطن!

- ‎فيفكر وحضارة, مجتمع وأخلاق
1930
4

التقشف بوابة الهروب من الوطن!

الكثير أصبح يمارس التغريد كعادةٍ يومية ولكن خارج السرب! يجلسُ فوق أريكةٍ مريحة ويندّدُ طالباً من الآخرين الخروج للشارع وإعلان الثورة على حكومة لم تراعي يوماً أبسط حقوقهم، بل وينعتهم بالخرفان…
تعال هنا وكن مجرد قط فقط! أو جرب أن تبيع الخبز حتى يحلّ الظلام وأنت ترتدي مئزر المدرسة، مثلما يفعل الكثير من الأطفال، وليسألك أحدهم عن الوضع السياسي وهل ستحدث ثورة أم لا، لنرى إن كان لديك متسع من الوقت لتفكر في إجابةٍ مناسبة، أو لتكون خروفاً على الأقل.

   يشاهدون الوطن عبر التلفاز يهاتفونه في أعياده لخمس دقائق فقط ويهدونه ورداً إلكترونياً، وفي الأيام المتبقية يهدونه النسيان، لا يا سادة ما هكذا يعشق الوطن ولا نحن أنتم، هنالك فرق في النظرة ليس الذي يحيا داخل السرب كمن يغرد له وهو فوق شجرة آمنة، تفصل ما بيننا وبينكم بحارُ وأراضٍ شاسعة وواقع غير الذي ترونه خلف شاشات التلفاز والحواسيب.

أجل الوطن للجميع، للمتغرب والمنفي… للذي لم يغادره لبرهة متمدداً فوق كرسي نصف محطم في حديقة عمومية أشجارها قُطعت عنوةً،  ذلك الذي لم يعد ينتظر شيء، يلعنُ الوطن والأرض ونفسه ويحتسي فنجان قهوةٍ بارد، ربمّا هي خطوة انسانية تمارسونها في حقنا كأبناء بلدٍ واحد وهمٍّ واحد ولكننا وحدنا نتقلبُ على الجمرة، تحترق أجسادنا وأصواتنا في محاولتيّ صمتٍ وصراخٍ في نفس الوقت، نثور عبر صفحات التواصل الاجتماعي، نتحدثُ عن خُبثُ الحكومة في المقاهي ونشتمها بصوتٍ مرتفع محاوليين استفزازها وهي تضع أصابعها في أذنيها وتضحك، تقهقه بينما يعضّ الشعب على شفاهه ندماً على أشخاصٍ اختارهم هو، ها هم اليوم يخوضون حرباً باردة ضده.

الكلّ أصبح يتمنى أن يهجر هذه الأرض المكبلة بالهزائم اقتصادياً واجتماعيا وثقافيا وسياسياً، يريد أن ينسحب من السرب ويبني له عشّاً آمناً في بقعة ما، يلوح للوطن بيديه مبتسماً بينما تحلق به الطائرة بعيداً عنه، يعده بأنه سيتابعه في نشرات الأخبار، وسيخرج للاحتفال في حال وصول منتخبه لنهائيات كأس العالم، سيحبه كثيراً ويخبر أولاده كم كان بشعاً، كم هم محظوظون لأنهم لم يخلقوا هنالك، يخبرهم كذلك أنه سيأخذهم إليه في العطلة الصيفية المقبلة، وسرعان ما يغير برنامجه فصغاره وزوجته أجمعوا أنّ دبي أفضل، يبتسم الوطن وهو يعلم كل هذا، يطبع قبلةً فوق جبينه كي لا ينسى اسمه ليس أكثر.

  لو فكّر كل شخص منا بالهجرة إلى الخارج وبناء مستقبله ومستقبل أولاده، من يبقى هنا؟ لمن نترك هذه الأرض؟ لمجموعة الذئاب التي أخدت كل شيء وستغادر لاحقاً لأوكارٍ بنتها في بلد النعيم خلف البحر، وللكثير من البؤساء الذين لم يكتشفوا بعد حقيقة الوطن المغتَصبِ عن بكرة أبيه، أو لأولئك المأخوذين بالوطنية فوق المعتاد مثلي، يدركون أنهم سيموتون بالغصّة، ورغم ذلك يبقى فيهم إيمان جازم بأن من يحب وطنه فعلاً لا يغادره.

 -كرأي شخصي- أرى أنّ الذي تشبّع بحب الجزائر لا يرحل عنها، الوطن ليس مجرد تاريخ  وأرض وانتماء، إنّه ينتظر منك أن تقف إلى جانبه في السراء والضراء، أن تكون عكازته في شيخوخته، رغمّ ذلك إن سنحت لك الفرصة مستقبلاً إحزم حقائبك وغادر… لا تأبه لأمثالي، ولن يشكّك أحدٌ في وطنيتك، الكل مغشوش، الكل سينهب ما استطاع ويرحل، ونحن الذين نتغنى بحبّه، لا تخف منا… سنكون منشغلين كيف نطعم أولادنا الخبز وكيف نقنعهم أن الوطن يستحق كل هذا العناء!

تعليقات الفايسبوك

4 Comments

  1. Avatar

    جميلة مراني

    يكفيني أن يرسم هذا الوطن على جبيني قبلة ….

  2. Avatar

    كفيتي و وفيتي يعطيك الصحة … قرات كل ما كان يجول في خاطري و كل ما اود قوله عندما اسمع احدهم يتكلم عن هجر هدا الووطن في اول فرصة تسمح له بدلك

  3. Avatar

    يبدوا اننا نتشارك فقط في حب البيتزا ! … الحياة الكريمة هي غاية الإنسان معظمنا يريد الهجرة للبحث عن فرصة افضل -على الأقل للحياة!- او ربما لفكرة لم يسمح له عديموا التفكير بتنفيدها .. حتى في القديم عندما احس الرسول بالظلم هاجر من مكة (وهي احب بقعة له) إلى المدينة وترك كل شيء فقط

  4. Avatar

    تكاد تصبح الهجرة فرض عين على كل بالغ .
    وطني اين تكون راحتي …

‎التليقات مغلقة‫.‬