أمل في احتمال

أمل في احتمال

أمل في احتمال
إذهب إلى أقرب مستشفى، والق نظرة على المولودين حديثا، الوافدين الجدد، حدّق بهم جيدا، وحاول إن أسعفتك تلك المحاولة أن تنسج لكل منهم قصة، وانظر إلى أين تقودك تلك القصص، ضع لكل منهم مهنة، مستقبلا، أو حدا لحياتهم. ففي تلك المرحلة فقط تكون الحياة مفتوحة على كل الاحتمالات، فالطفولة هي أرض الأحلام، أنا مثلا عندما كنت طفلة صغيرة كان أمامي احتمالان إثنان: إمّا أن أكون بجمال سندريلا، أو بحلاوة فلة، لم أضع احتمالا ثالثا أبدا، كأن أصبح كالسيدة ملعقة مثلا، مع أنّني لا أنكر أنّ السيدة ملعقة هي امرأة جميلة أيضا نسبيا. لكنّ تلك السن المبكرة تغرينا، وتغذي أحلامنا، لتنهار لاحقا الواحدة تلو الأخرى.

قد نصبح كل شيء تمنيناه، أو نصبح لاشيء، أطباء، محامون، أدباء، ممثلون، أو ربما مجرمون سفاحون، ولم لا؟ أو قد تنتهي حياتنا قبل أن نصبح شيئا مذكورا، عندما نخطو أولى خطواتنا في هذه الحياة فنحن نسير على درب المجهول إذ لا أثر للافتات، هل نفعل هذا؟ أم نترك ذاك؟ هل نبقى هنا؟ أم نواصل السير إلى هناك؟ كل قرار نأخذه له احتمالان، الصواب والخطأ، إنهما الاحتمالان اللذان يقوداننا إلى الجنون، مع ذلك نسير قُدما، ونتطلع إلى ما ينتظرنا، نضع أيدينا على تلك القلوب الصغيرة، نخاف عليها، فعند كل منعطف تزهر فرحة، أو تتربص بنا مصيبة، ورغم أننا نعلم أنّ طبيعة الحياة – حياتنا البشرية – مليئة بالدموع والابتسامات، فإننا قد اخترنا – بشكل أو بآخر- أن نعيشها، ما الذي جعلك تواصل دراسة تخصص أنت تكرهه؟ ما الذي أرغمك على الانتقال إلى وطن أنت غريب عنه؟ ما الذي أوجدك في صحبة أنت غير راض عنها؟ ما الذي دفعك إلى نصف زواج أنت فيه شقي أكثر من كونك سعيدا؟

وبعد كل هذا ما الذي أعجبنا في حياة نعلم مسبقا أنها ستنتهي؟ لا داعي لأن تبحث عن إجابة، بكل بساطة نفعل كل ما سبق لأننا نلاحق طيف الاحتمال الذي نتمناه، ونغفل شبح الاحتمال الذي نخافه، أتساءل أحيانا: هل صادف بشري ما سعادة تامة، دربا بلا أحزان، حياة بلا دموع، ليال بلا ندم؟ هل عاش أحدنا -منذ أن خُلِقَت البشرية- صفاء الذهن وراحة البال، وحصل على كل ما يريد؟، هل غادرت روحه هذا العالم دون أن تتذوق مرارة الأسى، الفقدان، الغيرة، الشوق، الحاجة، المرض، الغضب..؟! أشك في ذلك عندما أرى أننا كلنا أشقياء، بشكل أو آخر نحن كذلك، الفقير يريد المال، والغني يريد راحة البال، الطفل يريد أن يكبر، والشيخ يتمنى عودة أيام الطفولة، المرأة تتمنى أن تكون رجلا، وبعض الرجال يقلدون المرأة ويحاكونها…

 تضيع أيامنا بين الاحتمالات الكثيرة، وتتفسخ أرواحنا وتتشوه فلا نتعرف على أنفسنا، نمسح ضباب يأسنا باحثين عن أمل… “أمل في احتمال”.

مراني جميلة

#مسابقة_فكرة_للكتاب_المبدعين_2

تعليقات الفايسبوك

2 Comments

  1. Avatar

    نص رائع وكلمات في الصميم
    الحمد لله ان هنالك أمل فهو المحفز الوحيد للعمل أكثر وإلا للزمنا بيوتنا إلى أن توافينا المنية.

  2. Avatar

    الناس كلها تلهث وراء شيء لم يخلق في الدنيا “الراحة”

‎التليقات مغلقة‫.‬