لا تقرأ! هذا نوع رخيص من المخدرات

لا تقرأ! هذا نوع رخيص من المخدرات

- ‎فيقراءة وكتابة
2435
2
لا تقرأ! هذا نوع رخيص من المخدراتلا تقٍا

لا أدري كيف ساق القدر كتاب النظرات إلى يدي وأنا في الثالثة عشر من عمري، وكيف سكب المنفلوطي أوجاعه إلى جوفي من خلاله وأنا بسنيني الهشة تلك، وكيف تآمرت الظروف من حولي منذ ذلك الوقت ليصنع مني تلك الإنسانة التي يريد..

كان المنفلوطي أول رجل ورقي في حياتي، لذا كنت أتلقن منه الحروف والكلمات بدهشة الاكتشاف الأول.. حتى حين قال:”يجب أن يتعلم الطفل من أول يوم يجلس فيه أمام مكتب مدرسته أن الموجود في الحياة غير الموجود في الكتب… حتى لا يصبح ناقما على العالم يوم ينكشف له وجهه، ويرى سوءاته وعوراته وحتى لا يضيع عليه عمره بين التجارب والاختبارات” وقفت طويلا دون أن أفهم فعلا ما كان يريد قوله.. لم تسعفني خبرتي السطحية آنذاك أن أميّز بين ما يُكتب ليُكتب، وما يُكتب ليعاش، إلى أن نفتني الحياة بعيدا عن الكتاب “وطني الأول”، وأنا على حافة حلم وخيبة!..
لم أتمكن من الصمود طويلا بعد أن أصبح حمل الكتاب أخطر عليّ من حمل قنبلة، كان لابد من طمس لهفة هذا القلب حين يقرأ، من تعطيل تطلعاته إلى عالم من ورق، من ضبط ضغط جنونه لما يوافق هذه المسالك الوعرة…
أتذكر مقولة أحمد خالد توفيق: “إنّ القراءة بالنسبة لي نوع رخيص من المخدّرات، لا أفعل بها شيئا سوى الغياب عن الوعي”، لأدرك أنني لست الوحيدة التي وقعت في المصيدة!، مصيدة الهروب من عالم مشوه إلى عالم آخر، ما سلبني إيّاه كإنسانة كان أضعاف ما أعطانيه كمثقفة!..
توهاني بين أروقة الكتب زاد من عمق الشّرخ بيني وبين عالمي، فصارت الحياة تبدو أقلّ عدلا، والقلوب أكثر استيحاشا، فصرت آنس بأبطال الرّواية أكثر من استئناسي بأهلي، وأستعيض عن الأكل والنوم واللعب والمخالطة بالتهام المزيد من الكتب، لأقع بالنهاية في توحد مع عالم أثيري لا وجود له.
في عالم الكتب تقع في وهم المثاليات، بعالم لم يُخلَق أصلا ليكون مثاليا، الكتب لا تعلّمك كيف ترتق جزمتك، ولا كيف تقتصد بمعيشتك، ولا كيف تتحكّم بدفّة المركب حين تشتد العاصفة، ولا كيف تصنع سفينة تشقّ عباب اليابسة..

القليل من الكتب فقط تهديك إلى نفسك، وتعرّفك إلى باطنك، وتضعك وجها إلى وجه مع القبح الذي في داخلك، سواها تصّورك كإنسان رائع يتألّب الأشرار حول ربوع العالم لإفسادك وتشويهك، فأخطاؤك اضطرار لا اختيار، والشكر يعود لك لتشريف كوكب الأرض!.. لتنجّر وراء سلسلة بكائيات لا تنتهي، وتتقمّص دور الضّحية بامتياز…
كما أن أكثر كتب النساء تدلّك إلى أماكن الأطلال، ومكامن الحزن بين شقوق الجدران المهترئة، لتجد نفسك مدعوًا مع كل كتاب إلى وليمة شجن، تشبه في طقوسها ولائم اللّطم على الميت عند بعض المجتمعات، ولازلت مصدومة من ردود أفعال الكثير من القراء الرافضة لكتاب (نسيان.كوم) للكاتبة أحلام مستغانمي فقط لأنه شذّ عن القاعدة إيّاها!
كنت أسخر من الذي يفضّل أن يحاور الكتاب كشخص يحتمل الخطأ والصّواب، وكنت أرى اندماجي فيه نوعا من الصوفية الفكرية التي تعلن كامل وفائي وإخلاصي لجمهورية القراءة، لكنني الآن والخدوش تملأ أقدامي من التّعثر، فهمت أن نبوءة المنفلوطي قد تقع، وأنّني على مشارف ضياع أكيد إن لم أتدارك نفسي…
هي ليست دعوة لمقاطعة القراءة إذا، فالعنوان أعلاه ليس سوى جزءا مبتورا من مقولة الصّايغ المشهورة: ” إذا كنت تصدق كل ما تقرأ… فلا تقرأ”.

تعليقات الفايسبوك

2 Comments

  1. Avatar

    صدقت يا رفيقة…بعض الكتب ثرثرة و زمهرير ..لا غير

  2. Avatar

    كلام جميل ارجوا ان اتواصل مع صاحبة النص.شكرا

‎التليقات مغلقة‫.‬