كيف يفكر الشكوبيستاني؟

كيف يفكر الشكوبيستاني؟

- ‎فيفكر وحضارة
4390
6

كيف يفكر الشكوبيستاني؟
تقديم الموضوع:
هذا الموضوع يتحدث عن طرق التفكير الخاطئة والمحصورة في عقليات لا تتجاوز منطقة الجهل، فأيّ نوع من الأسئلة علينا أن نطرح وعلى من نطرحها، ولماذا نطرحها أساسا؟
ملاحظة: كلمة “شكوبيستاني” كلمة متدوالة بين الشباب الجزائري، كصيغة للمزاح أو الاستهزاء، مصدرها كلمة “شكوبي” التي يقصدون بها ما لا يصلح لشيء، وأصل الكلمة ما يستعمله الصيادون حين لا يصطاد أحدهم شيئا يقول “صيدت شكوبي”، والشكوبي هو علقات بحرية تطفو فوق سطح الماء (حشيش).

في البدء كان المبدأ يقتضي أن يعلمونا فنون التساؤل وأنَّ نصف الإجابة فهم السؤال، على جدار المدرسة أو مغلفات الكتب ظلت المقولة تعلن أن الحاجة أم الاختراع، ولا حاجة تُنمي الإنسان كحاجته الفكرية، كما لا طريقة تختزل حاجة الإنسان الفكرية كصياغتها في سؤال.
إعتدنا في نهاية كل درس أن يُختتم باستفسار الأساتذة الشهير “أية أسئلة؟” و كالعادة… يختبئ كلٌّ منّا وراء صمته وإن حدث وحاول أحد انتزاع حقّه في التساؤل يقابله حل من ثلاث، إمّا إعادة شرح لما سبق وتكلم به الأستاذ بتفاصيله المملة، إمّا احتجاج مبتذل على أن السؤال خارج عن الموضوع، وفي حالة كان السؤال غاية في التعقيد وعلى درجة من الوعي، فإن الإجابة في هذه الحالة تكون توبيخا شديد اللهجة مردفا بتهديد، وها نحن نرى الأمر قد تطور ليشمل الجامعات والمساجد وكل مصادر العلم والتنوير إلّا من رحم الله.



أيّا كانت تهمتك… فلن تنعم بعيش هنيء إلّا إذا أذعنت لهرطقاتهم وألغيت نفسك تماما أمام أصنامهم، لا تبتئس لأنك إذا أتقنت الدور فستُمنح شهادة مثقف “شكوبستاني”، ولن تكون حينها سوى خرقة بشرية تستمتع بالتقاط الأفكار المترامية هنا وهناك لتعيد اجترارها من جديد.
ولأننا لا نعترف بهذا الوباء الشكوبستاني، بل ونشن حربا ضروسا ضده و ضد مبادئه العفنة، سنحاول أن نلقي نظرة على محركات تساؤلنا، هل لا تزال قادرة على الإنتاج…

نيّة السؤال
المتسائل الحر الذي ينال إجابات صادقة مناسبة، متسائل يصبّر نوايا تساؤله قبل أن يقدم على طرح السؤال أصلا، البعض يطرح الأسئلة استعراضا لعضلاته الفكرية، والبعض الآخر استفزازا للطرف الآخر، بعض الشكوبستانيين الأصليين يستمتعون بطرح الأسئلة لمجرد طرحها، أذكر أن امرأة اتصلت ببرنامج ديني للفتوى تسأله عن حكم التيمم بهيكل سلحفاة… !!!!يسبيسقفبصث إرجع إلى السطر!
تخلص من كل الحماقات التي تعيق تساؤلك وتدخلك في متاهات مستعصية كالنقاشات العقيمة والجدال الغير قائم على حجة، المتسائل الحر يبحث عن إجابة مقنعة لسؤاله، عن الحقيقة لا غير

أي نوع من الأسئلة عليك أن تطرح؟
هناك مقولة سائدة مفادها “اذا لم تبرمج نفسك، تمت برمجتك” الخطير في الأمر أننا مبرمَجون لا محالة حين يتعلق الأمر بالأسئلة, مبرمَجون على طرح أسئلة سطحية لا قيمة لها ولا معنى، تم تعطيل خاصية العمق في تفكيرنا, تم إلغاء جوعنا للحقيقة في سن مبكرة، وبقينا نخوض في مواضيع لا تتعدى حدود السخف. حتى حينما يتعلق الأمر بالمصيريات كالمعتقد وطريقة التفكير وما إلى ذلك… فإننا جميعا تلقينا ذلك إما عن وراثة أو عن تلقين وإكراه.
لا يستطيع الإنسان ممارسة شيء على أكمل وجه إلّا إذا آمن به فكريا و عقائديا، ألغ خوفك من حراس الحدود، تسلق الأسوار وخاتل جهلك لكي تصل للحقيقة… إلى اليقين. إجعل أسئلتك عميقة ذات هدف واضح، والأهم كما قال العم أينشتاين أن لا تكف عن التساؤل.

تعميق الرؤية وتنمية الفكر لا يتحقق إلا بفهم قوله سبحانه “إقرأ” إقرأ الكون من حولك، إقرأ الكتب، إقرأ الطبيعة، إقرأ كل شئ, إلا الجرائد الشكوبستانية لأنك ستصاب باكتئاب حاد .. هذه الأخيرة مزحة وقد تكون حقيقة!

لم كل ذلك؟
قد تتساءل… أولا لأنه شيء مجاني… وآمن.
معلم المدرسة،، إمام المسجد، والحكومة الشكوبستانية، لا يملكون أي شئ لفعله حيال تساؤلك، بتساؤلك ستلغي أهم الأنظمة استبدادا، نظام الاحتكار، إحتكار الدين، إحتكار الفكر، إحتكار الحرية والعدالة والمثل العليا، لا يمكننا الإنكار أننا نرى كل شئ تقريبا عبر أحكام مسبقة وآراء مستوردة، أحكام تراعي مصالح جهات معنية وتلغي الطرف الآخر، عندما تتساءل فأنت تمنح نفسك الفرصة لترى العالم بمعاييرك، وتتفاعل معه بطريقتك، عندما تتساءل فأنت تغرف الحقيقة من موردها الصافي. عندما تتساءل فأنت تقاوم الصدأ بداخلك وتلغي العفن المعرفي المحيط بك. نحن نعيد الحياة لفكرنا إذ نتساءل، نتنفس أفكارا جديدة منعشة…

من تسأل ؟
أعمق الأسئلة تلك التي تصدر منّا إلينا، تلك التي نحاول من خلالها الغوص بداخلنا، أن تتعرف على البعد الرابع لسلوكك، أن تؤصّل مبدأ المراقبة بطرح التساؤل على وضعك، فكرك، وكل ما يخصك بنيّة التغيير للأحسن…
تعلم يا رفيق… لا شيء يملك تلك القدرة المطلقة على تغييرنا كأنفسنا وأول بوادر التغيير أن نتساءل…
قد يبدو عادة مزعجة في بادئ الأمر، تتوعدك بحرج متواصل وتوتر لا انفكاك منه، لكن التعاطي معه وتعلم احتوائه، أن تحتوي نفسك بأقطابك المتنافرة، يؤدي بك إلى راحة لا مثيل لها واستقرار عقائدي وفكري وحجّة قوية تدحض بها كلما اشتبه وتلوّن، ثبت عن علي رضي الله عنه أنه كان يقول “اللهم أرنا الأمور كما هي”.
نحن نتساءل حول مفاهيمنا، حول أفكارنا، ما مدى تجذرها بداخنا، ما مدى قربنا من اليقين.

مهلا… لحظة!
قد يبدو التساؤل خطوة نهضوية للوهلة الأولى، لكن الخطوة التي بعده أهم و أخطر، ففي حين يصدر التساؤل من فكرك المجرد، من فطرتك… قد تتعب في البحث عن إجابة مناسبة تطمئن بها، وقد لا تجدها أصلا، الأهم أن لا تكف عن التساؤل، لكن الأكثر أهمية أن تعرف “كيف” تبحث عن إجابة و”أين” تبحث عنها.

تعليقات الفايسبوك

6 Comments

  1. Avatar

    المقال اكثر من رائع
    فى اغلب الاوقات كانت تدور هذة الافكار فى ذهنى واقول اننى جننت
    شكرا للرد على على اسئلة كثيرة كانت بداخلى
    شكرا لانى ارفض ان اكون خرقة بشرية

  2. Avatar

    ياسمين

    عندما يكون العقل خاملا مجرد ببغاء يكرر الافكار التي تحقن له ثم يبدا بالتساؤل لفك تلك القيود يكون الامر اشبه بزلزال.. كنت اتذمر مرارا من كثرة اسئلتي التي لا تنتهي والتي يتعبني البحث عن اجاباتها واظن انني اسير على طريق خاطئة لكن المقال اعطاني اشارة ان واصلي
    شكرا على الموضوع الاكثر من مهم

  3. Avatar

    عانيت حالة التمزق الداخلي تلك ..و كانت مرهقة , جميل ان نوقن اخيرا انه يمكن للمرء ان يبلغ تلك الطمانينة الفكرية

  4. Avatar

    موضوع اكثر من رائع …و افكار راقية… بارك الله فيك استمري

    1. Avatar

      فيك بركة ..من ذوقك ^^

  5. ‎تنبيهات ‫:‬ الانسان والأفكار: الحلقة المفقودة في العالم العربي

‎التليقات مغلقة‫.‬