سباق مع الوقت

سباق مع الوقت

- ‎فيتحفيز
1927
3

سباق مع الوقت
يشتكي الكثير منا سرعة انقضاء الوقت، واندثار بركة الزمان، فكما نرى في حياتنا اليومية، يعيش الأغلبية منا في صراع حقيقي مرير مع عقارب الساعة، فمنّا من يشتكي عدم استغلال الصباح كما ينبغي، وهناك من يبكي على ليلة البارحة التي ضاعت في بحر الفيسبوك سُدًى، بعدما كان يريد تصفحه لمدة خمس دقائق فقط!! وما يزيد الطينة بَلّة أننا لا نستطيع إعطاء تفسير واضح ومنطقي لصاروخية الوقت، إلا بالاختباء تحت مظلّة “أووه لا استطيع أن أتحكم بذاتي كما ينبغي”… ألا يحدث هذا معك أيضا؟!

قبل أن أخوض في غمار أفكاري، أريد ان أؤكد لك أنك لست “آلة” تعتمد على معادلات تفاضلية ونظام ينتقل بين الصفر والواحد، بل أنت إنسان له روح، وجدان وجسد، إلّا أنّك تشبه “الآلة” في السعي بطريقة أو بأخرى لتحقيق أهداف معينة، ترغب في تحقيق أعظم منفعة ممكنة وبأقل جهد متاح وفي إطار عقلاني قدر الإمكان. فكما تتحكم في الآلات برمجيات معينة، يتحكم في عقلنا مجموعة من البرامج العالية، “والتي تستحق منك بالمناسبة معرفتها ودراستها بشكل معمّق لتفهم لماذا يقوم البشر بما يقومون به”. فمن بين أهم البرامج العالية والتي يمكن لأي شخص تفهُّم آلية عملها “برنامج الإبتعاد عن الألم والإقتراب من المتعة” حيث يقوم العقل آليا بالتهرب والابتعاد عن كل مسببات الألم للإنسان، وفي الوقت نفسه يسعى به نحو ما يحقق له المتعة، لهذا نحن نتعرض لعتاب الضمير كلّما قمنا بعمل يهوي بنا في النار، ونفرح لكل معروف يقربنا من الجنّة، وهذا ما يفسر سبب تمسك الواحد منا بكل ما يزيد من متعته وسعادته.

وكما هو معروف أنّنا نعيش رفاهية كبيرة مقارنة بالماضي، وهذا من خلال توفر الكثير من الاختراعات الرائعة والاكتشافات المبهرة، فقد أصبح بمقدورنا التكلّم مع الحبيب وهو على بعد الآلاف من الكلومترات، وتصفح مختلف المواقع، وتوفرت لنا وبشكل مجاني جل الألعاب بمختلف أنواعها، كذلك محركات البحث ذات السرعة الخيالية والتي تمكنك من الحصول على المعلومات في أقصر وقت ممكن، نعيش الأمن والسلام (باستثناء بعض الدول العربية فرّج الله كربتها)، وبذلك زادت إمكانية تعظيم متعتنا وهذا من خلال توفر المزيد من المثيرات والمغريات، إنّ هذا التعدد الرائع يجعل الواحد منا يعيش في حيرة من أمره وبصفة مستمرة، حيث أنّنا وفي أيّ لحظة نعيشها في حياتنا نتوفر على عدة بدائل مختلفة، فهل ستلعب كرة القدم مع الأصدقاء، تدخل على مواقع التواصل الاجتماعي، تشاهد فيلمك المفضل الذي نزلته على الحاسوب، تكلّم صديقك العزيز، تستمع بالاستماع لموسيقاك المفضلة، تذهب في جولة سياحية مع صديق، تتناول كتابا وتتحادث مع صفحاته أو تصلي نوافلا ترفع بك درجات يوم لا ينفع لا مال ولا بنون… كما ترى معي أن كل هذه الخيارات من الممكن جدا أن تتوفر لك دفعة واحدة، عظيم!! ولكن السؤال المطروح أيّها ستختار؟ ! أعتقد أنك قد تعرّفت على الاجابة من خلال الفقرة السابقة، سيختار عقلك أكثرها تحقيقا للمتعة والسعادة وهنا يكمن مربط الفرس، حيث تنص النظرية النسبية لـ “ألبرت آينشتاين” على نسبية الوقت من شخص لآخر، فالذي يمسك جمرة بيده ستتحول الدقيقة معه إلى ساعة (لأنها تسبّب له ألما)، ومن يجالس محبوبته سيجد أن الساعة قد تحوّلت إلى دقيقة (لأنّها تحقق له أقصى متعة في تلك اللّحظة)، وكثيرا ما يحدث لنا عندما نشاهد الدقائق الاخير ة من مقابلة يتقدم فيها منتخبنا الوطني في النتيجة، تجدنا نرى وكأن عقارب الساعة قد توقفت عن الدوران، بينما يجدها مشجعوا الفريق الآخر وكأنّها ركبت صاروخا وانطلقت نحو الدقيقة التسعين، نحن نملك نفس الزمن حقيقة، ولكن كل منا يعيشه حسب ما يشعر به من ألم أو متعة.

وبما أنّنا نتمتع دائما وباستمرار بتعدد الخيارات أمامنا، وأنّنا نتجنب منها ما يسبب لنا الألم، ونختار منها ما يعظّم متعتنا، واستنادا إلى النظرية النسبية “آينشتاين” نجد أن الإنسان وباستمرار… يقضي السنة وكأنها شهرا، والشهر كأنه ساعة، والساعة كأنها دقيقة، وهكذا…

ولكن ما هو الحل؟
يكمن الحل وببساطة في تحمل المسؤولية وترشيد التصرف، حيث يجب علينا التفكير في المستقبل بجدية ووعي أكبر، والتضحية من أجله، فالقاعدة سهلة وبسيطة ونصها يقول “للحصول على مستقبل زاهر و مشرق عليك أن تقدّم تضحيات تجعل منك تستحق المكانة المرموقة والمنصب الرفيع أكثر من غيرك”، ويؤكد ستيفن كوفي في كتابه “العادات السبع” للناس الأكثر فاعلية على ضرورة العيش في مربع “التطوير” وهو مربع “مهم وغير عاجل”، حيث يمكِّنُك هذا المربع من إدراة حياتك بأكثر فاعلية، وتحقيق أهداف أكثر، ومتعة أعظم في المستقبل، وبهذه المناسبة سأكون سعيدا جدا لدعوتك لتبني هذا المشروع الاستثماري المهم:

أدعوك لتقديم التضحية اللازمة، والصبر على الألم لتحقيق أهدافك مستقبلا، لتتحصل في نهاية المطاف –إن شاء الله- على متعة بأضعاف مضاعفة مستقبلا، وأجد خير دليل على ماسبق، تلك الساعات التي تقضيها في تعلم اللغة الانجليزية مثلا، حيث تشعر بكل أنواع الألم، السجن والحرمان، ولكنك في الاخير ستعيش حرية رائعة لا مثيل لها، وستشعر أنك تتكلم لغة العالم كلّها، أليس هذا رائعا ويستحق التضحية؟!

وفي الأخير أختم بما قاله النجم السينمائي العالمي الراحل “جريج بليت”

“ستعيشون مرة واحدة فقط ..

لكن إن عشتم بالطريقة الصحيحة….

فستكفيكم حياة واحدة يا اصدقائي !

تعليقات الفايسبوك

3 Comments

  1. Avatar

    طريقة تفكيرك مميزة
    كما اعترف لك بانك تمتلك سلاسة في التتنقل بين الأفكار
    بارك الله فيك

  2. Avatar

    غير معروف

    شكرا استاذ

  3. Avatar

    جميل جدا تعبيرك كما أنه يعبر عن واقع معاش و فوضى نعيشها نحتاج لتغيير السكون الذي نعيشه في زمن الملهيات

‎التليقات مغلقة‫.‬