حرّر نفسك أولاً !

حرّر نفسك أولاً !

حرّر نفسك أولاً !
“لو لم أكن جزائريا لتمنيت أن أكون فلسطينيا”، “نطالب بالجنسية الجزائسطينية”، “لو كانت لفلسطين حدود مع الجزائر لحررناها”… أجزم أن الأغلبية الساحقة منا قد صادفت هذه العبارات خاصة عندما يشتد العدوان الصهيوني في الأراضي المحتلة، فيتفاعل معظمنا بالتنديدات الإلكترونية التي تتنوع بين تغيير صور البروفيلات، والتعليقات الحماسية، حتى يُخيّل لك أنك في ساحة المعركة!   لا أحد منا ينكر أن القضية الفلسطينية هي قضية أمة، وأن الجزائر مع فلسطين ظالمة أو مظلومة، بل هي حاضنة الثورة الفلسطينية، وربما هي الدولة الوحيدة الملتزمة بتقديم المساعدات الدورية للشعب الفلسطيني.

لكن قبل أن نخوض في الحديث عن هذه الجنسية المزدوجة أو عن فرضية التحرير إذا كانت الحدود مشتركة، أليس حريًا بنا أن نصطف مع أنفسنا، ونتصالح مع ذواتنا الجريحة، فنحرر مجتمعنا ووطننا من هذه الآفات التي تنخر كيانه؟ ولا يوجد أبلغ مما قال الدكتور مصطفى محمود: “غيروا ما بنفوسكم حتى يغير الله مابكم، وانهضوا للعمل حتى يجري عليكم القلم بما يرضيكم، وأحبوا بعضكم بعضا حتى يجري القضاء بما ينصركم، هبّوا من رقدة القبور فقد طال بكم النوم، وأوشكتم على خسران دنياكم ودينكم”. فالكفاح الحقيقي يكون مع النفس بتحريرها من هذه القيود التي كبلتها، بإصلاح القلوب المريضة.

أيعقل أن تجد أحدنا يُمنًّي نفسه بالصلاة في المسجد الأقصى، ولكنه لا يواظب بل حتًّى لا يؤدي فروضه الخمسة، وقد يعبر لك عن مدى رغبته في تقديم المساعدات لمن يبعده بآلاف الكيلومترات، لكنه لا يسأل عن جاره الذي يفصله عنه جدار، ولا يجد ما يسدّ به رمق أبناءه، ربما تبكيه خنساء فلسطين الثكلى بأبنائها، فبقيت وحيدة في هذا العالم المملوء بالصراخ والألم والفوضى، لكنّه لا يتذكر أنه لم يتصل بأمه منذ أسبوع، ولم يرها منذ شهر، ناهيك عن مجالسنا التي لا تخلو من الغيبة والنميمة والحديث في أعراض الناس.

أليس لمجتمعنا المسكين -التائه في مفترق طرق- حق علينا ،ضاعت مبادئه وغابت عنه القيم، فأصبح يمجد الراقصات ويتناسى العلماء والأدباء. يمجِّد جلاديه، ويلقي بالأحرار الشرفاء في غياهب السجون والمعتقلات.

ألا يجدر بنا أن نلتفت لهذا الوطن البائس، الذي يُحتضر بين مطرقة النسيان وسندان اللامبالاة، لا أقول الكل بل الأغلبية تشير إلى الفساد والمفسدين، لكن لا أحد يحمل مشعل الإصلاح ويمتطي جواد التغيير، فأولى الخطوات نحو الحرية تكون بالتوقف عن تعليق أخطائنا في مشجب الغير، وإلقاء المسؤولية على الآخر.

حقيقة لا نستطيع أن نتغافل عنها: تحرير الأنفس والعقول أصعب من تحرير فلسطين، فالسبيل إلى الحرية لا يكون بإطلاق الشعارات والتصفيق والتهليل عند كل مناسبة، بل بتنشئة جيل محبّ للخير، يعمل على نهضة وطنه بقوة الإرادة والعزيمة والإنتاجية، والتفاني لما يخدم البلد، فالشباب ركن أساسي في هذا الوطن، هو أمله ونور مستقبله، تتطلّع النفوس إليهم ليتقدّموا، و يتقلّدوا مسؤولياتهم ويحملوا راية التحرير.
ستظل زهرة المدائن في قلوبنا، وسنخبّئ لها دعوات نبوح بها في سجودنا، وسنغرس في أبنائنا أحقيتنا في هذه البقعة المباركة ومسؤوليتنا في تحريرها وبذل الغالي والنفيس من أجلها، لكن لن ننسى أن نعلّمهم كيف يحرّروا أنفسهم أوّلا!

لفقير رشيدة (هاجر)

تعليقات الفايسبوك

2 Comments

  1. Avatar

    جميل ما كتبت .. و بليغ

    1. Avatar

      شكلاا لك ^^

‎التليقات مغلقة‫.‬