التعصب للرأي والخلاف الديني

التعصب للرأي والخلاف الديني

التعصب للرأي والخلاف الديني
أواصر الإنسان متمسّكة وثيقة، فوّاحة بشذا الحب وعبق الجنان، ما كان في علاقة طيبة بأخيه الإنسان، وانتصر على نفسه العدوانية ليُبقي روحه في سلام يعمّمه على غيره، فكم تفكّكت علاقات، منها الصداقات والأخوة التي تحطّمها مواقف تعصّبية لا يقبل أطرافها النقاش والجدل، لتتحول إلى كارثة تُحلّ عليهم وبالا من جحيم، بل وليس ذلك فحسب، المتضرر الأكبر من هذه التعصّبات هي الأسر التي راحت ضحية لرأي، وكم هي التشتتات القومية الحاصلة بسبب إختلاف في وضعية السجود أو الجلوس.
من بين المواقف التي أذكرها… ذات يوم كنت في الجامعة مع أحد الأصدقاء، كل شيء كان طبيعيا إلى حين أن طلب مني ورقة، حين هممت بسحبها من المحفظة لفت انتباهه كتاب عنوانه “في قلبي أنثى عبرية” فصرخ الرجل بلهجة امتعاضية، وكأنه وجد عندي كتابا إلحاديا يرفض كل الشرائع والمعتقدات، وهو الذي حكم على هذا الكتاب من عنوانه دون أن يملك أدنى فكرة عنه، أو يتجرأ على قراءة بضعة أسطر منه، ولم تكن ردة الفعل مختلفة لمّا نشرت على مواقع التواصل الاجتماعي أنّني أقرأ هذا الكتاب، بين طيّات هذا العمل الأدبي رسالة سامية تدعو من خلالها الكاتبة إلى التسامح بين الديانات، وكيف يخلق هذا التسماح جذبا للأطراف الأخرى حتى يروا الإسلام على صورته الحقيقية، وما لذلك من دور فعّال في حياة بعيدة عن الصراعات، فإن كنت عبريا، يهوديا، أو كاثوليكيا، ومهما كنت فهذا لا يعني أنك عدوي، ومن بين أهم المفاهيم التي تستثمر فيها حكومة إسرائيل المزعومة هي الخلط بين الصهيونية واليهودية، مستغلة ضعف الوعي العربي، وتعصّبه الطائفي… فلنحلل الأمر بنظرة واقعية ومنطقية، عند الدول العربية ما إن تُنطق كلمة “يهودي” إلا اشتعلت فينا كل دوافع العداء والكره وربّما التهجم اللفظي في كثير من الأحيان، وكدليل واقعي على ذلك ما أجراه أحد الناشطين الإجتماعيين في الساحة الجزائرية، يقوم هذا الشخص بالتنكر وأداء أدوار مختلفة ليعرف ردة فعل الجمهور في كل مرة، وفي هذه المرة تنكّر في زي يهودي يطلب المساعدة لإيجاد مقبرة يهودية، فيلقى تهجما وتعنيفا من كل الّذين رصدهم الفيديو، والأمر الذي زاد المشكلة سوءا أنّ مقدّم التجربة أنهى مقطعه بعبارات تهجّمية على اليهوديين، وهذا ما توده إسرائيل حقا، كحجة أمام العالم على أن هؤلاء المسلمين الذين تحصد أرواحهم هم إرهابيون يعادون الديانات الأخرى دون أيّ سبب، وما يجهله الكثيرون أن نسبة كبيرة من اليهود في كل أقطار العالم تعادي الحكومة الإسرائيلية وتجرّم فعلها بالاستيطان في الأراضي الفلسطينية، فكيف لا تجرّم قتل الأطفال والمدنيين بغير حق! ومن أهم أسباب تفشي ظاهرة التعصب للدين أن أشخاصا لهم شهرة جيدة في الساحة العربية مثل الشاب الأخير الذي تحدثنا عنه، يروّجون لأفكاء خاطئة فيجذبون إليها الآلاف وربما الملايين، في الغالب عن جهل ودون قصد، على غرار بعض مشايخ الدين الذين يفتحون فوهات بنادقهم على من لا يعجبهم أو ربّما لتصفية حسابات ما، وذلك ما حدث في إيران مع ثريا في قصتها الشهيرة التي جابت أرجاء العالم، هي المرأة التي انتقم منها زوجها ظلما بعد أن نسبوا إليها حادثة مخلّة بالشرف لا انتماء لها، فكان الحكم عليها تعصبا وإنقيادا إلى قول الشيخ الذي أمر بتطبيق الحكم دون النظر في جوانبه والتفتح للاصغاء إلى الطرف الآخر، فماتت ثريا وذاع صيتها أرجاء العالم، ليبقى (بعض) علماء الأمة إلى اليوم يتجادلون ويقيمون الصراعات لأجل خلافات لا تَبرد… وتجمِّد الكثير من الحب وتلقي الكره بين المختلفين، مثال ذلك ما يُثار من جدل حول “حكم الرجم، وسياقة المرأة للسيارة…” في حين نهمل لب العقيدة وجوهر الانسان بداخلنا، قال فيهم الكاتب لطفي المنفلوطي: “ليت الفقهاء الذين ينفقون أعمارهم في الحيض والاستحاضة، والمذي والودي، والحدث الأكبر والحدث الأصغر، وليت الكلاميين الذين يسهرون الليالي ويقرحون المآقي في عينية الصفات وغيريتها، والجوهر والعرض، والحدوث والقدم، والدور والتسلسل، وليت المتصوفة الذين يحاولون أن ينازعوا الله في مشيئته ويجاذبوه قدرته ويغالبوه على أمره ونهيه ويزاحموه في لوحه وقلمه، يعرفون من سر الدين وحكمته والغرض الذي قام له…” ما آل إليه حالنا من الخوض في تفاصيل في الغالب لسنا في حاجة إليها، هو تنافس رجال الدين وتعصّبهم لأفكارهم حتى يثبتوا صحة قولهم وبطلان ما جاء به منافسهم، فليتهم أخذوا من الأخيار طيب أخلاقهم وحسن سلوكهم، فهذا عمر بن الخطاب يخطب في الناس ويحدّثهم عن المهور إلى أن قاطعته امرأة بقولها، فقال مقولته الشهيرة “أصابت امرأة وأخطأ عمر” دون أن يكترث إلى تضعيف شأنه في نظر رعاياه، بل كان يعرف تمام المعرفة أن ذلك يزيد من قدره ويبلغ به قلبوهم وذلك ما حصل، أما للحديث عن أثر التعصب على الصعيد الشخصي للمتعصّب، فمن الواضح أن المتعصب لرأيه سيكون أكثر جهلا من غيره، بانغلاقه على نفسه، وسعيه وراء إثبات فرضياته دون أن يحاول فهم الفرضية الأخرى، أتذكر في هذا السياق أحد رجال الدين الذي استفدت منه كثيرا منذ طفولتي، فتعلمت منه الحوار وأدب المجالس ورقي الأخلاق، وفجأة شهد المسكين حملة إعلامية شرسة ضده بسبب مخالفتهم لرأيه فذهبوا ينسبون أشنع الصفات والنعوت خلف اسمه، لكنني رغم ذلك لم أنتبه إلى قولهم وبقيت أنهل منه ما يفيدني كما أفعل مع أيّ شخص أخالفه في بعض أطروحاته، فالرزين الواعي منا يكتفي بالاستمتاع بالجانب المشرق من الشيء وغض الطرف عن السيء منه، فلكل منا ما يصيب فيه وما يخطئه.

   إحدى مواقفي مع صديق شيعي، ما إن تحدثت إليه عن تفاصيل اعتقاداته وطقوسه، حتى وجدت أن ما يدين به لا يختلف عما أدين به بشبر، إن هي إلّا فوهات استغلها ضعاف النفوس والحاقدون على الاسلام، ليجعلوا منا طوائف وأحزابا، تفرقنا قصة يرويها أجدادنا لا نعرف عن صحتها شيئا، أو ربما يفرقنا “لا شيء”، فإن كان هدفنا الإجتماع حول هدف واحد، فما همنا إن كانت الخلافة لعلي أو لغيره، وللاعتبار فما يحيط بنا في أوطاننا من حروب وذبح وتقتيل دليل على هول المصيبة، ولأنني لست متعصبا لرأيي أختم بهذا القول: “رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب “.

تعليقات الفايسبوك

2 Comments

  1. ‎تنبيهات ‫:‬ اللجوء السياسي: أكثر وجوه الحرب تعفنا

  2. ‎تنبيهات ‫:‬ السعادة: طرق علمية مثبتة للحصول عليها.

‎التليقات مغلقة‫.‬