إكليل ورد للعربية في عيدها

إكليل ورد للعربية في عيدها

- ‎فيمجتمع وأخلاق
1083
التعليقات على إكليل ورد للعربية في عيدها مغلقة

اليوم العالمي للغة العربية
إكليل ورد للعربية في عيدها

أن تكتب يعني أن تتنفس بشكل آخر، يضمن لك الحياة مدة أطول وبطرائق متعددة، وأن تتخذ من العربية لغةً لكتاباتك كمن يحضن هذا العالم أجمع، ويفقه الأشياء فوق ما تتخذه من أشكال، شتان بين أن تكتب بلغاتٍ تمنحك حرية الحركة وفق ما يلتزمه نصك والسياق الذي جاء فيه، وبين أن تكتب بلغةٍ تستطيع من خلالها الرقص والمشي والهرولة وإذا شئت القفز فوق نيرانٍ من المعاني.
هل جربت أن تنزع عنك خوفك من القلم وتكتب؟ بالّلغة نفسها التي نتحدث عنها إن كانت لغتك الأمّ، حتّى لو لم تكن كذلك وكنت تجيدها، جربّ… لا أجمل من أن تغوص في أعمق الحروف وأشدها جاذبية، ستأسس لنفسك بيتاً لك وحدك، ستحقق عشقاً يدرُّ لك الفرح فقط، ستحمل مأساة غيرك، ستحبّ كائنات أخرى صنعتها بنفسك، أبداً لن تخذلك، ستخبر أحدهم أنّك تحبه دون أن تكون قد بُحت بشيء يفضحك ليعرف ولا يعرف في الوقت نفسه، يقع في فخ حرفك ويذهل بك هذا إن كان لا يحترف القراءة، وإن كان قارئاً فطناً لا داعي لإخباره في نص، سيكون قد أغرم بك سابقاً وتكون أنت تحترف كتابة النصوص التي تحترقان بقراءتها شوقاً، ريثما يرتبُ لكما القدر موعداً شرعيّا، وستتمنى أن يوافيك الأجل وأنت تكتب آخر سطر من ذكرياتك، التي ستقرؤها لاحقاً حفيدة ابنك، تلك المولعة بالقراءة.
هنا العربية، لغة… لا بل اكليلُ ورد وضعت بمحض الصدفة فوق رؤوسنا، نحن الذين نخونها بين الحين والآخر في غرف الدردشة أو في كلامنا العادي، والبعض منا لا زال ينزعها ليلبس شيئاً أقل هيبة وجمالاً ثم يأتي ليتفاخر به على أبناء جلدته في محاولة لإبراز عضلاته، بواسطة لغة أخذت معظم ألفاظها من لغتنا، وفوق هذا… تتشتتُ ألفاظه حين يصل لفكرة لا يتسطيع توضيحها إلّا باللجوء إلى لغته الأولى، تخذله تلك التي خذل هويته من أجلها، أجل… لغتنا هويتنا، كل أساليب الحديث في العالم تحاول أن تصنع منك متحدثاً جيداً، كلها مجرد وسائل لبلوغ معنى ما، إلاّ عربيتنا نحن، إنها تسعى لتحويلنا إلى محاورين وناقدين ومتذوقين وأدباء لا قارئين، في حين ينشغل التافهون بالكتابة لغيرها كي يصبحوا عالميّين!!
ما أقبح الطلب! وكأنّ العربية تستهوي العرب فقط؟ وكأن كتّابنا متقوقعين على شرقهم فقط!

كي تفهم ماذا أقصد بقولي أن العربية مجرة كاملة، في حين تدّعي اللغات الأخرى أنّها كواكب، حاول أن تكون أكثر بأسا وأنت تقرأ لكاتبٍ شرسٍ مثل المنفلوطي، ستُذهل كيف لشاعر أن يبدع في ترجمة رواية غربية بهذه البراعة، دون أن تصيبه الغيرة وهو ينقل للقراء العرب مخطوطاً لشخص غيره، بطريقة تجعلك تنسى أنها لبرناردين دي سان بيير، شاعرنا لم يكن يتقن الفرنسية… كانت تترجم له ويعيد صياغتها بأسلوبٍ يجعلك تغرق في الفضيلة كرواية عربية بحتة، لولا أن حيثيات القصة تفضح لنا أصلها، لغة الضادّ لا تنقل معنى الكلمات فقط، بل تضفي عليها شيئاً من الخيال الجامح، حتى أنه في حال حصل وقرأها كاتبها الأصلي في نسختها العربية سيبكي على حظّه الذي لم يختره ليكون عربياً، سيتعلمها عن حبّ، وسيبدع حتماً.
حكمة: لن تبدع في شيء لا تستطيع أن تحبه.
ستتوقف عند هذا السطر تتذكر أشياء كثيرة، عليك أن تتذكر في هذه المناسبة أن الذي لا يحب لغته لن تحبه أيضاً، صدق أو لا تصدق ستبادلك الشعور، تنفر منك مثلما نفرت عنها إلى أخرى، تهجيك سراً، تصبح بليداً في حضرتها، تخونك في أبسط المواقف، كأن يقول لك أستاذك في القسم تكلم بالعربية الفصحى… سرعان ما تعجز، تلك اللغة التي تستهزأ بها عن قصد أو عن غير قصد، تدخل عليها لغة أخرى تنافسها وأنت الذي لم تتمكن من الاثنتين بشكل جيد، ستبقى مجرد شارد في عربيتك، ودخيل بالنسبة للغة الثانية، أولم تعلم أنّ العربية حين تغير تصبح أشد كيداً من امرأة عاشقة ومجنونة؟؟
لذلك وأنت ابن معجزة فكرية كبرى، نزل بها القرآن واتخذها الله لغة أهل الجنة، حاول أن تعاملها كأمّ لا كحماة، قبِّل يدها في كل كلمة تنطقها بها، بحسن اختيارك لمفرداتها، وأخيراً قدّم لها باقة ورد بمشاركتك هذا المقال مع أصدقائك فاليوم عيدها.

تعليقات الفايسبوك