وطن أم فزّاعة…

وطن أم فزّاعة…

- ‎فيفكر وحضارة
2664
6
وطن ام غزاعة

وطن أم فزّاعة…
قديماً كان الوطن في تعرفينا له، هو تلك الكيلومترات التي ننتمي إليها تاريخياً وتأوينا جغرافياً، تلك التي حارب من أجلها الأجداد المستعمرين والطغاة، كان تلك الأرض التي نشعر في حضنها بالأمان وفي غربتنا عنها بالحنين، تسكننا أينما ذهبنا، تزورنا في بعدنا عنها، وتروي لنا حكايات الأمجاد التي اندثرت..
يحدثُ أن تصبح الأوطان كالبالونات، منتفخة بتاريخها فقط، والزمن بظروفه وأحداثه هو تلك الإبرة التي إن اقتربت منه انفجر، لذلك كانت القاعدة دائما أن لا نقدّس التاريخ وأن نُعلِّم أوطاننا كيف لا تنظر خلفها، وهذا الذي لم نفلح فيه قط، مع مرور الأيام  بدأت الأرض المنتفخة بكبريائها وبطولات أبنائها تمرض وتزداد ضعفاً وتهزل شيئا فشيئاً، حتى ضعُف كيانها وخشنت تربتها وتشردت أجزاؤها، وجفّ ماءُ الحياة فيها، يقول أحدهم:” أنّ أعظمُ الجراح، تلك التي تصيبُ شغاف القلب، تعبثُ بالذاكرة، تجعلُ كل الأشياء الجميلة في هذه الحياة تبدو بشعة”، يضيف أمثلة: “كأن تفقد أمّك مثلاً، أو تفقد ثقتك بالعام أجمع، أو أن تنسى كيف تلملمُ نفسك وأنتَ تغادرُ قلب أحدهم بعد هزيمة حب”، ماذا عن جرحٍ يصيبُ الروح؟ ويدمي الذاكرة كأن تتوفى أمّك الكبرى بين ذراعيك، نعم أقصد الأرض… أوليست أوطاننا هي أمهاتنا أيضاً؟ وفجأة يصبح كل العالم متكالباً ضدك، تكتشف أنّك المجرم والإرهابيُّ والمتخلف، تغادر بيتك ومدينتك مكرهاً بعد هزيمة حرب، مكبّلاً بخسائرك، وأنت في النهاية لست إلاّ ضحية صراعٍ دامي بين إخوة كل منهم يعمل لصالح مستعمر، بعد كل هذا… قُل لي بربك كيف نُشفى من جراح التاريخ؟
مدينة تلو مدينة تسقط،  نفقد وطنا بعد وطن، وفي كل مرة ينشأُ ثقبٌ في قلب هذه الأمة يدخل لها من خلاله الذل والخوف والجوع والحرمان، في آخر الأوطان التي سُلبت منا فقدنا كل شيء، عدا ألسنتنا بقينا ثوار كلام ليس أكثر وهذا النص ما هو إلّا دليل على ذلك.
كانت الأندلس أول الهزائم رغم أنّه مضى على سقوطها ما يقاربُ الخمسة قرون وربع قرنٍ تقريباً، نبكي وكأننا بالأمس فقدناها فقط، لا زال نزار يذكرنا بحدائقها وقصورها وأنهارها، ويبكي معنا في كل بيت شعر من قصيدة غرناطة، يحاولُ أن يخفي دموعه بينما يتغزلُ بامرأة، لكن ينهار حين تقول له، متفاخرةً عن جهل:
“هنا الحمراء زهـو جدودنـا فـاقـرأ عـلـى جـدرانـهـا أمـجــادي”
يردُ هو قائلا:
“أمجادهـا؟ ومسحـت جرحـاً نـازفـاً ومسـحـت جـرحـاً ثـانـيـاً بـفــؤادي”
“يالـيـت وارثـتـي الجميـلـة أدركت أنّ الــذيـــن عـنـتـهــم أجــــــدادي”
“عـانـقـت فـيـهـا عـنـدمـا ودعـتـهـا رجــلاً يسـمـى طــارق بــن زياد”
يعلم نزار أننا لم نبكي  ابن زياد فحسب، بكينا عدل عمر وشجاعة صلاح الدين، ونخوة المعتصم بالله ورباطة جأش القائد العظيم محمد الفاتح، بكينا على التاريخ الذي انفجر ضاحكاً من مهزلتنا اليوم بين الأمم، وكيف أصبحنا بعده، كيف هنّا وتشردنا وتغرّبنا ومات صغارنا غرقاً في طريقهم إلى الحياة أو تحت الأنقاض عراةً من كل شيء عدا خوفهم، لو يدرك الرجال الذين وقف الوطن ذات يوم على أكتافهم أنّ الشعوب العربية والمسلمة التي كانت تعذّب على أيدي الصليبيين الغزاة، أصبحت اليوم تُقتل بأيدي حكامها الذين وثقت بهم وبايعتهم سابقاً، أنّ حاميها حراميها وأنّ وجه هذه الأمّة مليءٌ بالكدمات، هزيل، شاحب، ودامع العينين في كل وقت وحين.
لو يدركُ أولئك الرجال العظماء، أن الأمان لم يزر هذه الأرض منذ سنين، وأنّ الوطن الذي كنّا نفخر به أصبح فزاعة مشوهة ومرقعة من كل جهة،  كلّما نظرنا إليها تملكنا الخوف وهربنا منها إلى أوطان غيرها، لو يدرك الوطن لمرة واحدة فقط أنّه لم يعد لنا وطن، وإنّ عزّ علينا فراقه.
سنظل  نهرب إلى صدر لا يحن، مطرودين من أمّ كان عليها أن تحتضننا لولا شرذمة من أبنائها العصاة، سنظلُّ لاجئين إلى المنافي الّتي تطعمنا الخبز وتجحد علينا بالحب، طالما ظلّ العصيان، واستمر صلاح الدين فينا يتخفّى!

تعليقات الفايسبوك

6 Comments

  1. Avatar

    غير معروف

    سنظل نهرب الى صدر لايحن………………………….سلمت اناملك ….على ماخطته لنااااا لك من خالص التحية

  2. Avatar

    بل هي فزاعة اسمها الوطن أوطان تئن ونئن معها وتمشي الى المجهول ونسير معها أوطان خسرناها في حروب خفية غير معلنة فالحروب تتميز بشرف المحاولة للنجاح فاما نصر واما فشل بكرامة لكننا خسرنا معركة وأخرى شبر من التراب يلحقه اخر الى أن أكتمل العدد
    وصرنا لاجئين في أوطاننا يحكمنا غريب كان بالأمس منا لكنه لم يعد فنامي بهدوء يا فراعتي الحلوة أمامنا ليل طويل
    مميزة كالعادة مواضيعك تحملنا معها طوعا لا كرها الى السفر بين الحروف والتجول وبينها موفقة

  3. عبد الجبار دبوشة

    شكرا لكل المتفاعلين

  4. ‎تنبيهات ‫:‬ كاريكاتير (الخدمة)

  5. ‎تنبيهات ‫:‬ فوتوغراف (الحامة، قسنطينة)

  6. Avatar

    شكرا لكم كثيراً سعيدة بتعليقاتكم

‎التليقات مغلقة‫.‬