قتلى باريس، ليسوا مجرد خرفان!

قتلى باريس، ليسوا مجرد خرفان!

قتلى باريس، ليسوا مجرد خرفان!
هزت تفجيرات باريس الاخيرة العالم، وكأنها أول عمليات اعتدائية في تاريخ البشرية، لا يجب أن يصمت العالم عن إلحاق الضرر بذلك المواطن الفرنسي مرهف المشاعر ذو القيمة العالية، الذي يقطن أرقى درجات سلم ماسلو حسبهم، قبل أيام قليلة هزّت فاجعة من نفس الطراز العاصمة اللبنانية، ولم يُسمع لها صدى، ولم تُغير الصور الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي إلى العلم اللبناني، إنّه ذلك المواطن العربي الذي صُنّف في المفاهيم الدولية كقطعة حلوى، قد تقضي لك متعتك بضعة دقائق ثم تحطّمها بضروسك، عدد المتضررين في تفجيرات بيروت حسب العرف العالمي، لا يعتبر إلّا عددا وفقط، كمن يعدّ خرفانه التي تبقّت بعد أن يبيع منها ما يبيع في العيد الأضحى، في هذه الحلقة يتخفّى مسيّر الخرفان الّذي يسعد برحيلها لتشبع بطونا قد أدّت له ما يسعده، ولا يُسمع للأضاحي خوار، إنّه العربي الّذي لم يعد رحيله يعني شيئا، أمر متعوّد عليه، روتينيّ وربّما مملّ جدا، فبعد شتائهم العربي ومجازر العدوان الطائفي، مظاهر القتل غدت مشهدا مزعجا يضايق العالم على شاشات التلفزيون، كل يوم قتل، قتل… إلى أن ترسخ مفهوم الخرفان… وتذكرون جيدا قبل فترة ليست بعيدة، كيف قامت الدنيا لأحداث شارلي إبدو، ولم تقم بعدها إلّا اليوم لأحداث باريس، مجددا لأن الأمر تعلق بمواطن صالح وموهوب…(حسبهم)، حتّى الموقع الذي نتصفّحه يوميا ويجني أرباحه عن طريق كون الشعب الجزائري جزءا مهمّا منه، لا يتوانى في رفع العلم الفرنسي على شعاره، إنّها شركة قوقل تفعل ذلك على موقع اليوتيب، كان عليها أن تفهم كم يشعر الجزائري بالاستياء وكم تتلقّى منه الشتائم، حين يُرفع العلم الفرسي في عقر دارك! نعم عقر دارك لأنه الموقع المصنف الثاني في الجزائر من حيث التصفح، كنت أود أن لا ألومه لأنه بالفعل قد شارك من قبل في جمع التبرعات لللاجئين السوريين وتعاطف معهم، لزيادة متابعيه ومصداقيته أو لأي سبب آخر، إلّا أنها نقطة إيجابية كانت ستشفع له تضامنه مع فرنسا لو أنّه لم يرفع رايتها، قد يتعجب القارئ العربي من غير الجزائر وقد يصفني بالتطرف والعنصرية، لماذا تضمر كل هذا الحقد والعداء لفرنسا! عزيزي القارئ… إن طرحت سؤالا كهذا فعليك أن تقرأ كتاب التاريخ الذي قرأته في الصف الابتدائي، الذي يحمل صورا روّعتني ودمرت كياني وأنا لم أبلغ سن الرشد بعد، كنّا في القسم الابتدائي قد حفظنا عن ظهر قلب مظاهر السياسة الفرنسية البشعة التي تتفانى في تعذيب آبائنا، رسّخت في ذهني كلمات مفتاحية يستحيل أن أنساها، تصب في وعاء واحد، سياسة الأرض المحروقة، وسائل التعذيب، المعمّرون، وعود فرنسا الكاذبة…. كلها كلمات دلالية أنزف الآن حين تذكّرها، فتأخذني إلى حصة التاريخ، حين كانت القلوب تصرخ والعيون تبكي، كان قسمنا في ذلك الوقت مأتما يسود فيه الصمت، نستمع إلى معلّمنا يحدّثنا أنّنا كنا سنكبر جهلاء بفعل سياسة فرنسا التي عملت على طمس الهوية الجزائرية وتوفير البيئة المناسبة لتفشّي الجهل، لولا بواسلنا الأبطال، هم الآخرون أذكرهم جيّدا حين طلب منّا معلمنا أن يحفظ كل واحد منا شخصية ثورية عن ظهر قلب، كنت حفظت حينها “عميروش آيت حمودة”، واطلعت على جلّ أبطال الثورة الذين كنت أقرؤهم حبّا فيهم، تألمّا لمصابهم، وفخرا بانتسابي إليهم، كانت لحظات مفعمة بالمشاعر، محمّلة بالحقد، كبرنا مشبّعين بكره فرنسا حافظين الدروس جيّدا، لا نرغب في المساومة أبدا عن حكومة غاشمة، إلى اليوم تستمر في إخفاء الأرشيف، وتدفع لخدّامها (الحركى)، كيف نرى الذي يحصل الآن، ليُكرم الذليل الوغد في أرضك… ولا تُضمر العداء للمتسبب في ذلك، وفي هذا السياق أعرف أن الأقلية قد نسوا تلك الصور باللونين الأسود والأبيض، الّتي تصف تنكيل الإستعمار وبشاعة تعذيبه، ألم تحفظوا الدرس جيّدا؟ أم نسيتموه بفعل الحبوب المهلوسة التي تتعاطونها، إنّها حبوب العبودية والتبعية والخضوع، عليكم أن تبحثوا عن كتاب التاريخ للسنة الرابعة (القديم)، وتقلّبوا صفحاته لعلّكم ستدركون بشاعة العَلَمِ الذي ترفعونه، أو أن تسألوا أطفالكم ليعلّموكم كره فرنسا، كل الذي قلته لا يعني أن لا نتعاطف مع الروح البشرية، لأن الذين راحوا ضحية الاعتداء الأخير بباريس، في الغالب هم أشخاص لا علاقة لهم بالصراع التاريخي بين البلدين، وقد يكون منهم أشخاص ينتمون إلى ديانتنا وربما أوطاننا أيضا، حين أفكّر في ردة الفعل التي تنتاب القارئ الآن، أتذكر الذي حصل معي قبل أيام على الفايسبوك، كنت امتعضت من تشفي الناشطين الذين انتشرت بينهم عبارات كــ “لا عزاء لفنرسا”، لغات تهجمية انتقدتها بشدة واعرضت عنها، لأجدني محاطا بأصابع الاتهام والتشكيك، فمنهم من اتهمني بالدفاع عن فرنسا وغيرها من الأقاويل التي لا تمت للواقع بصلة، إنها عصبيتنا الّتي عرف العالم الغربي كيف يستغلها، ليروّج لمسطلح الارهاب ويجعلنا منبوذين في كل أقطار العالم، إن كانت المسيرات في فرنسا قد خرجت من قبل والآن، وغدا ستخرج لمعاداة الكيان الاسلامي والمطالبة بطرد المنتميين إليه، فليس علينا أن نكون مثلهم في همجيتهم وحكمهم التعميمي، حين يتحدث الناشطون الذين يدينون بشريعة الاسلام أنّهم يتشفون ويسعدون بأحداث باريس، فذلك سيعزّز جدا نظرة الإرهاب التي نُسبت إلى الاسلام عن غير حق، حين ذكرت لأمّي ما حصل معي، قالت لي “غريب أمرهم، ذكّرهم بحادثة النبي صلى الله عليه وسلم، في تعالمه مع جاره اليهود الذي كان يسيء إليه”، يعرف جيّدا من ينتمي إلى الاسلام روحا وعقيدة لا مظهرا وتملقا، أن النبي صلى الله عليه وسلم قد سأل عن صحّة من كان يسيء إليه بشكل يومي بالقمامة التي يضعها عند باب بيته، ما إن تخلّف يوما عن الإساءة إليه حتّى اغتنم الفرصة ليصل إلى قلبه باللين والمحبّة، لا بالتهجم والاندفاع، وان كان عليكم أن تسعدوا حقا، فلنحلّل الموقف منطقيّا وواقعيّا، بعد هذه التفجيرات بدأت المسيرات في أقطار أوروبا تخرج إلى الشارع مطالبة برحيل المسلمين، إنّها الطائفية والكراهية حيالنا تتفشّى، فكيف لك أن تسعد قبل أن تُعمِل عقلك؟ وتستمر الاساءة إلى الإسلام حين أعلن تنظيم داعش عن تبنيه اعتاداءات باريس، رغم أنّني لم اعد أصدّق لا داعش ولا الحكومة الفرنسية، لم نعد ندري من داعش ومن يهاجم…. كلّها ترّهات تغالط العقول الّتي يسهل اجتذابها، فكيف يعلن تنظيم داعش أن العملية من تنفيذ ثمانية أشخاص، وتصرّح الشرطة الفرنسية بعد ذلك أنّها قد أجهزت على ثمانية إرهابيين متورّطين في الهجمات وتستمر في ملاحقة البقية، منهم من فرّ وترك سيارة من نوع فورد، وأشياء تشبه أفلام هوليود…. وبعد… أكُلُّ شخص يسجّل مقطعا صوتيا يلفظ فيه اسم الله وينسب الاعتاداءت الى داعش، نصدّقه؟ ثم من داعش أصلا؟ تفاصيل تعودنا عليها يستحيل على العقل المتفطن أن يصدقها، فبعد الإخوة كواشي الذين تركوا بطاقاتهم، اليوم يترك أحد منفذي العملية الأخيرة جواز سفره، إنّه لأمر مضحك حقا، لا يحدث إلّا في فرنسا بلاد الجن! ربّما كان للجن دور في ذلك! مجرم يُسقط عشرات الضحايا في دقائق يترك وثائقه! سخافات بالجملة لا يسعني أن أذكرها كلّها في مقال واحد.
مفاد ما أردت قوله، أن الدول الاستعمارية على مرّ العصور كفرنسا وأمريكا، لم تتخلى عن سياستها الاستعمارية بعد، بل تجد لكل وقت وسيلة استعمارية مناسبة له، العالم العربي يتآكل ويتلاشى شيئا فشيئا، لتتحوّل أوطاننا إلى بقع خراب، ولكم أن تلحظوا ما يحدث من تدخلات أجنبية بعد ذلك الدمار، ليُصبح المواطن العربي أضحية تنتظر رحمة الذبّاح! لأنّه لم يُعمل عقله في الوقت المناسب، وكان كل ما يجيده “رمي التهم، والتعصب للرأي والقبيلة”.

مواضيع ذات صلة “إعتاداءات باريس”:

كاريكاتير| “اعتداءات باريس” متنساوش الباسبور!

رأي| إعتداءات باريس، من المستفيد؟

هجمات باريس: هل هي بوادر حرب عالمية ثالثة؟

كاريكاتير| مهزلة رفع علم المستدمر الفرنسي.

على مجلّة فكرة، أنت تقرأ وتستمتع بمواضيع حصرية “مجانا”
مقابل ذلك لا نطلب منك إلّا أن تشارك المواضيع التي تعجبك مع أصدقائك.

تابع جديدنا >>> إضغط هنا للإنتقال إلى صفحة الفايسبوك

تعليقات الفايسبوك

2 Comments

  1. Avatar

    في المقام الأول أظن أننا و أنظمتنا من بلغنا بأنفسنا و هواننا درجة الخرفان…بتخلفنا بتعصبنا بصراعاتنا بطائفيتنا…بكل الصفات السيئة الموجودة فينا…و منه مع ادعائنا الإسلام الذي أحيانا كثيرة لا نمت له بصلة أبدا ألصقنا به في الصورة التي كونها الغرب عنه صفات التطرف و الهمجية و العنهجية العمياء…و هو ما خدم آراءهم و مصالحهم و صير دعوة النظام العالمي الجديد أمرا محتوما و ليس فقط شرعيا .. فيحدث بهذا ما يحدث من تطاول على بلاد العرب و الإسلام بتواطئ من الداخل و من الجماعات الإرهابية التي تسمح بأن تكون ذريعة لانتهاك حرمات البلاد الإسلامية…أما أمر فرنسا فالتاريخ يحكي عنه و من لايعرف التاريخ فقد ظلم نفسه أولا و ظلم وطنه ثانيا …و للحديث بقية

  2. ‎تنبيهات ‫:‬ كاريكاتير إعتداءات باريس

‎التليقات مغلقة‫.‬